منتديات عطا درغام
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» التحليل النفسي للجنون
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:53 من طرف عطا درغام

» محاكمة ألف ليلة وليلة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:50 من طرف عطا درغام

» فنون الحياة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» المسألة الكردية: الوهم والحقيقة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» أسود سيناء
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:48 من طرف عطا درغام

» 100 عام من الإبادة إلي السيادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:51 من طرف عطا درغام

»  يعقوب أرتين ودوره في الحياة المصرية (1842-1919)
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» مئة ..وتستمر الإبادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» القرصنة في البحر المتوسط في العصر العثماني:
السبت 12 مارس 2016 - 19:25 من طرف عطا درغام

» الأرمن في مصر في العصر العثماني
السبت 12 مارس 2016 - 19:24 من طرف عطا درغام

 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث

موجز تاريخ الشعب الأرمني من العصور القديمة إلي العصور الحديثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

موجز تاريخ الشعب الأرمني من العصور القديمة إلي العصور الحديثة

مُساهمة من طرف عطا درغام في الخميس 28 أغسطس 2014 - 23:11

موجز تاريخ الشعب الأرمني من العصور القديمة إلي العصور الحديثة
مارس 2012
صدر مؤخرا عن جمعية القاهرة العامة ( صندوق ساتينج شاكر) والدار المصرية اللبنانية كتاب " موجز تاريخ الشعب الأرمني من العصور القديمة إلي العصور الحديثة" من تأليف المؤرخ الأرمني جورج بورنوتيان ، وترجمة : سحر توفيق ، ومراجعة : د محمد رفعت الإمام ، إشراف : بيرج ترزيان . والكتاب يقع في 478 صفحة ، مقاس 17 × 23 سم ، ويضم طائفة من الخرائط والصور الخاصة بالتاريخ الأرمني عبر العصور . وتجدر الإشارة إلي أن الترجمة تمت من الإنجليزية في الطبعة الخامسة للكتاب ( كاليفورنيا 2006 ) ، ثم استكمل المؤلف الأحداث منذ عام 2006 وحتي عام 2010 . وينقسم الكتاب إلي جزئين ، أولهما " من الاستقلال إلي الحكم الأجنبي : العصور القديمة حتي عام 1500" ، وثانيهما " " من الحكم الأجنبي إلي الاستقلال 1500-2010" .
وحسب مقدمة المؤلف للطبعة الخامسة ، أنه رمي من وراء تأليف هذا الكتاب " أن يتمكن الأرمن في الولايات المتحدة من النظر إلي ماضيهم بموضوعية ، وكذلك لكيي تعرف غير الأرمن علي تاريخ شعب عريق فقد معظم أرضه التاريخية وتشتت في أنحاء المعمورة" . وباختصار شديد ، يفحص الكتاب تاريخ أرمينية وشعبها في علاقتها ببقية العالم . وسوف تساعد الخرائط القاريء علي ربط التاريخ الأرمني بتاريخ الأمم الأخرى. والعمل يهدف إلي أن " يجعل الأرمن وغير الأرمن أن يكونوا علي ألفة بشعب وثقافة غائبين من معظم المقررات والنصوص التاريخية "
وثمة ملاحظة جد مهمة ، وفقا لبورنوتيان ، مفادها أن الأرمن نادرا ما قاموا بدور المعتدين علي امتداد تاريخهم الذي يبلغ ثلاثة آلاف سنة . وعموما ، برعوا في الزراعة والفنون والحرف والتجارة . وقد شيد الأرمن صروحا هندسية فريدة ، ونحتوا تماثيل بديعة ، وكتبوا مخطوطات مستنيرة وأدبا ، وقدموا عددا من الأطروحات الفلسفية والقانونية المهمة . وعلاوة علي هذا ، أسهم الأرمن في التطورين الثقافي والعلمي للشرق والغرب علي السواء بفضل موقعهم ودورهم في التجارة الدولية.
ومن المؤكد أن التاريخ الأرمني تاريخ يصعب جمعه . فالمصادر المكتوبة قبل اختراع الأبجدية الأرمنية في القرن الخامس الميلادي تتطلب معرفة باللغات الآرامية والإغريقية والفارسية الوسطية والسريانية . أما النصوص اللاحقة علي التاريخ فتتطلب معرفة باللغات  العربية واللاتينية والجورجية والتركية والفارسية الحديثة والمغولية  والروسية والفرنسية والألمانية ، بالإضافة  إلي الأرمنية الكلاسيكية والحديثة . كما أن ما تعرضت له أرمينية من الغزو المتكرر والزلازل الكثيرة قد تسبب ، بلا شك ، في تدمير أدلة تاريخية بالغة القيمة . ويضاف إلي هذا أن تقسيم أرمينية التاريخية بين الدول المجاورة لها جعل الأبحاث الأركيولوجية والأرشيفية مهمة حساسة ، وصعبة في الغالب .
وجدير بالتسجيل أن القضية المحورية في الكتاب تدور حول أن أرمينية تعد واحدة من الأمم الصغيرة القليلة التي استطاعت أن تعيش رغم الاعتداءات المتكررة والتدمير والظلم والاضطهاد . وقد وصف الأرمن عبر التاريخ بأنهم قادرون علي التكيف والمرونة ، كما أنهم يتميزون بالإقدام والصمود . ولذا ، فالسؤال الجوهري : كيف استطاع الأرمن أن يستمروا في الحياة بينما اختفت أمم أكبر وأكثر قوة ؟ وفي ذات التوقيت ، كيف استطاعوا أن يقدموا إسهامات متميزة إلي حضارات العالم ؟ .
فيما يخص موقع أرمينية التاريخية ( القديمة ) ، فإنها تشمل بمصطلحات الحاضر معظم أراضي شرق تركيا ، والجزء الشمالي الشرقي من إيران ، وأجزاء من جمهوريتي أذربيجان وجورجيا ، بالإضافة إلي منطقة الجمهورية الأرمنية الحالية. هذا ، وقد مرت البنية الجيولوجية لأرمينية ، منذ حوالي خمسين مليون عام ، بمراحل متعددة مما خلق جبالا عظيمة وققنا بركانية مرتفعة خامدة الآن في كل مكان من النهضة . وأعلي قمة جبلية هي قمة جبل أرارات ( 16946 قدما ) . وعموما تمثل الجبال الكثيرة مصدرا للعديد  من الوديان الضيقة العميقة والوهاد و مساقط المياه  . وأطول  هذه الأنهار هو نهر آراكس الذي يجري في سهول آرارات وأخصبها . وفي هذه السهول تقع أهم المدن الأرمنية مثل أرمافير ويرفانداشات وأرتاشات ويريفان ودفين وآني وناخيتشفيان وفارغاشابات . ومن الأنهار الأخري : الفرات ، دجلة ، الكور، أخوريان ، هرازدان .
وثمة عدد من البحيرات من قبيل فان ( حاليا في تركيا ) وسيفان ( في جمهورية أرمينية ) وأوميا ( في إيران ) .وتقع أرمينية في نطاق المنطقة المعتدلة ، وتتمتع بمناخات متنوعة . ويعتبر الشتاء بشكل عام طويلا ويمكن أن يكون قاسيا للغاية ، بينما الصيف قصير وشديد الحرارة ن وبعض السهول تناسبها الزراعة أكثر بسبب انخقاضها ، ولذا ، كانت تضم مراكز سكنية عبر القرون. وقد ساعد التنوع المناخي للمنطقة المعتدلة علي وجود تنوع كبير في المجموعات النباتية والحيوانية المنتشرة في غرب آسيا وماوراء القوقاز. ولا ريب أن موقع أرمينية الفريد كان جذابا باستمرار للغزاة، ونتج عنه فترات طويلة من السيطرة الأجنبية من قبيل الآشوريين والإسكيثيين والإغريق والرومان والفرس والعرب والاكراد والأتراك والمغول والتركمان والروس. ولكن ، وفي نفس الوقت قامت أرمينية بدور الطريق الرئيسي للتجارة منذ العصور القديمة. وفي المقابل ، أصبح الأرمن قناة الاتصال التي مكنت أوربا أن تتعلم من آسيا ( أثناء العصور القديمة والوسطي) ، كما ساعدت آسيا علي أن تقتبس التكنولوجيا عن أوروبا ( في العصور الحديثة).
أما أول مملكة أرمنية وهي أوراتو ( تقريبا 870-55 ق.م ) ، فقد خصص لها المؤلف الفصل الثاني ، وحسب رؤيته ، كانت منطقة أرمينية التاريخية واحدة من أقدم المناطق التي قامت بالزراعة البدائية في العالم . وسرعان ما بدأ استخدام النحاس في المنطقة، وفي عام 3000 ق . م تمكن أبناء المنطقة من عمل البرونز. وكانت إقامة المجتمعات السكنية المستقرة والزراعة واستخدام الأدوات المعدنية عوامل جعلت منطقة ما وراء القوقاز من مهاد الحضارات وأعطتها ثروة وجعلتها جذابة للغزاة.
في هذا الإطار ، تمكن الأوراتيون وهم أناس يحتمل أن يكونوا من سلالة الخوريين ، من دمج عديد من القبائل المحلية والقبائل الهندأوربية الشرقية الموجودة في هضبة أرمينية وتكوين اتحاد بعد انهيار إمبراطورية الحيثيين في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وكان الأوراتيون يسمون أنفسهم بياينا ويدعون أرضهم بيانيلي . وبحلول القرن التاسع قبل الميلاد، كانوا قد شكلوا أول مملكة علي الأرض التي أصبحت فيما بعد أرمينية . ويشير بعض المؤرخين إلي عصر مملكة أوراتو بمملكة فان.
كان أول ملك لأوراتو هو آرامو الذي حكم في النصف الأول من القرن التاسع قبل الميلاد، والذي وسع نفوذه حتي ميديا. وبحلول القرن الثامن قبل الميلاد ، كانت مملكة أوراتو قد امتدت من الفرات غربا إلي أراضي بحر قزوين شرقا وضفاف بحيرة أورميا في الجنوب وجبال القوقاز في الشمال. باختصار ، المنطقة التي سوف يطلق عليها فيما بعد" أرمينية الكبري" . بيد أن نمو قوة الميديين والبابليين في المنطقة قد أحدثت تغييرات جوهرية ؛ إذ خضع الاتحاد الأوراتي في الفترة من 605  إلي 585 ق.م للإمبراطورية الميدية.
وعلي مدي ثلاثة قرون، بني الأوراتيون القنوات والقصور والمدن والقلاع ، وصنعوا أدوات وأسلحة وحلي وآنية فخارية . وضمت معابد أوراتو آلهة محلية وهندوأوربية بالخط المسماري الفاني محل الخط المسماري الآشوري . وبصفة عامة أصبحت أوراتو ثرية بسبب التجارة والحرب. وقد اختفت أوراتون مثلها في ذلك مثل معظم الحضارات القديمة تحت طبقات من الحضارات القديمة والوسيطة حتي أعيد اكتشافها في القرنين التاسع عشر والعشرين..
وخصص بورنوتيان الفصل الثالث لاستعراض أصول الشعب الأرمني من خلال التفسيرات  اليونانية والأرمنية والأكاديمية الحديثة . وكما هو الحال مع كثير من الشعوب القديمة، ضمت أصول الشعب الأرمني عناصر من الأسطورة وجدليات الباحثين المستمرة حتي الآن.. وحسب المصادر الإغريقية ، لم يكن الأرمن من سكان المنطقة الأصليين، ويبدو أنهم جاءوا في وقت ما بين هجرة الفريجيين إلي آسيا الصغري، بعد اضمحلال إمبراطورية الحيثيين في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وقد أتاح انهيار أوراتو للأرمن أن يوطدوا أنفسهم بمثابة سكان المنطقة الأساسين.
ووفقا للروايات الأرمنية، فإن الشعب الأرمني من نسل يافث ، أحد أبناء نوح. فبعد أن استقرت الفلك علي جبل أرارات، استقرت عائلة نوح في البداية في أرمينية ، وبعد عدة أجيال تحركوا جنوبا إلي أرض بابل، فثار هايك وتمرد وقرر العودة إلي أرض الفلك. ولكن بيل الشرير قائد البابليين ، تعقب هايك ، وفي الحرب التي أعقبت ذلك انتصر الخير علي الشر عندما قتل هايك بيل ، وأسس الأمة الأرمنية، وأصبح هايك أول حاكم أرمني ( هاي تعني  أرمني في اللغة الأرمنية) ، واستمر أحفاده يحكمون الأرض حتي أقام الملك باروير – حفيد هايك – مملكة أرمينية.
وحتي ثمانينات القرن العشرين، اتفق الباحثون – دون إجماع – علي أن الأرمن  كانوا جماعة هند أوروبية، جاءوا إلي المنطقة إما مع الإيرانيين الاوائل من منطقة بحر آرال أو أنهم جاءوا من البلقان  مع الفريجيين بعد سقوط الحيثيين. وهناك أبحاث في الفترة الأخيرة تقدم احتمالا آخر.وهو أن الأرمن ليسوا مهاجرين إلي المنطقة، وإنما هم جزء من السكان الأصليين. وخلاصة القول ، يستمر المؤرخون الغربيون في تأكيد أن الأرمن جاءوا من تراقيا وفريجيا، بينما يجادل الأكاديميون في أرمينية بأن الأرمن هم السكان الأصليون لأرمينية التاريخية..
ويستعرض الفصل الرابع حالة أرمينية " من مرزبانات ( حكام) ولاية فارس إلي ملوك : البرفانديون- أول حكام أرمن مستقبون ( تقريبا 585-189 ق.م) . وقد كانت القرون الأربعة التي تفصل بين نهاية مملكة أوراتو وبداية المملكة الأرمنية تحت أسرة أرتاشيسيان ( أرتاكسياد) ، وهي سنوات التكوين ليس فقط بالنسبة للأرمن ، ولكنها أيضا كذلك بالنسبة لعدد من شعوب ذلك الزمان الذي شهد سيطرة الهندأوربيين وازدهار العصر الكلاسيكي القديم في أوراسيا..
كان من المعتقد أن أول أسرة أرمنية حاكمة لم تظهر حتي بدايات القرن الثاني بعد الميلاد. ولكن هناك أدلة جديدة علي وجود أسرة من قبل ذلك، وهي الأسرة اليرفاندية، الذين تولوا حكم أرمينية كحكام  معينيين من قبل الميديين والفرس . وبعد سقوط الإمبراطورية الفارسية أمام الإسكندر الأكبر، بدأ الحكام اليرفانديون يتصرفون بشكل مستقل . وبصفة عامة ، يمكن القول إن اليرفانديين كانوا حكاما متمسكين بحقوقهم ، قاوموا داريوس الاول في عدد من ثورات التمرد، وحصلوا علي درجة من الحكم الذاتي أثناء انحدار الإمبراطورية الفارسية، ورفضوا الحكام الإغريق، وصدوا السلوقيين، واستطاعوا الاحتفاظ باستقلالهم بشكل عام.
وخلال هذه الحقبة أصبح الأرمن من الأهمية  لدرجة إدراجهم ضمن الولايات الفارسية الرئيسية والشعوب التي وضعت في نقوش " بيهستون" ، وهو صرح تم تصميمه تقريبا في عام 250 ق.م . لتخليد ذكري منجزات وفتوحات داريوس . وكانت هذه هي المرة الأولي التي يظهر فيها اسم أرمينية ( محفور Armin a  ) في سجل تاريخي . ورغم أن الأرمن يشيرون إلي أنفسهم " هاي" ، فقد تبني غير الأرمن المصطلح الذي استخدمه الفرس والإغريق، وهؤلاء الأخيرون أشاروا إلي الأرمن باسم Armenioi . وخلال هذه الفترة أيضا ، بنيت في أرمينية معابد إغريقية الطابع ، وظهرت عملات عليها نقوش وكلمات إغريقية. وكانت التجارة العالمية تمر في أرمينية جالبة معها الثقافة والعلوم من الشرق معا. ورغم هذا ، لم تتأثر أرمينية بالهيلينية إلا جزئيا ، وظلت الثقافة الفارسية  ، وكذلك اللغة والعادات الأرمنية هي السائدة . وكان أهم تغيير هو ظهور المدن مثل يرفاندشات ويرفاندكيرت وأرشاماشات ، وهو الأمر الذي شهل فيما بعد توحيد أرمينية الكبري.
هذا ، وقد خصص المؤلف الفصل الخامس للحديث عن " الأرتاشيزيون وتشكيل المملكة الأرمينية ( تقريبا 189 ق.م – 10 ميلادية : بين الفيالق الرومانية وسلاح الفرسان البارثي" . وفي ذلك الوقت ، كان صعود روما وشق طريقها داخل بلاد الإريق ومقدونيا يهدد السلوقيين في سورية. وكما ذكرنا آنفا ، كان اليرفانديون قد قاوموا انتهاكات السلوقيين وحافظوا علي استقلال أرمينية الكبري. وحاول أنتيوخس الثالث آخر حاكم مهم من  حكام السلوقيين  أن يستعيد الإمبراطورية السلوقية بإيقاف تقدم البارثيين الذين بحلول القرن الثاني قبل الميلاد ، كانوا تسللوا إلي فارس بالتدريج حتي وصلوا إلي وسطها . ومن ثم، فقد سعي إلي مد سيطرته علي المناطق المتمتعة بالحكم الذاتي والمتاخمة لحدوده . وفي بداية القرن الثاني قبل الميلاد ، نجح أنتيوخس في حث بعض أعضاء العائلة اليرفاندية علي تحد حاكمهم وتغيير ولائهم والتحالف مع السلوقيين . وقبل كل من أرتاشيز وزاريه عرضه ، وتمردا علي آخر حكام اليرفانديين ، ونال ألقابا عسكرية من أنتيوخس ، ورسخا نفسيهما  كحاكمين لأرمينية ، فتولي أرتاشيز حكم يرفانداشات وأرمينية الكبري كلها . أما زاريه فقد تولي حكم صوفين .
ويعد تيجران العظيم ( 95-55 ق.م ) ليس من أبرز ملوك هذه الأسرة فحسب ، بل من أبرز ملوم أرمينية علي مدار تاريخها . وكان أول عمل يقوم به هو غزو صوفين وتوحيد المنطقتين الأرمنيتين سياسيا. ومنذ ذلك الوقت، عدا فترات قصيرة جدا ، ظلت صوفين جزءا من أرمينية الكبري . وفي عام 85 ق.م . بدأ تيجران في استخدام اللقب الفارسي " ملك الملوك" . وقد امتدت إمبراطورية تيجران من البحر المتوسط إلي بحر قزوين ، وأصبحت أرمينية – لفترة قصيرة- إمبراطورية. وبني عاصمة جديدة في تيجراناكيرت. وأقام مسرحا تؤدي فيه المسرحيات الإغريقية. ولذا ، يفخر الأرمن بهذا الملك ويعتبرونه أعظم حكامهم ؛ إذ أقام الإمبراطورية الوحيدة ، والتي كانت دولة ، حولت أرمينية من أمة صغيرة إلي قوة يعمل حسابها .وأثناء فترة حكم أيرة أرتاشيزيان ، ازداد تغلغل الهيلينية في أرمينية الكبري ، وأصبحت الآلهة الإرغريقية المعادلة للآلهة الفارسية- الأرمنية الأكثر انتشارا .
ورغم التأثيرات الإغريقية اوالفارسية ، استمر الأرمن في الاحتفاظ بلغتهم وعاداتهم، مما قد يكون علامة علي شعور تاشيء بالهوية والخوف من ذوبانهم داخل ثقافات أخري. وظهر النبلاء أو النخرار nakharars لأول مرة في تلك الفترة. وفي نهاية عصر أرتاشيزيان ، بدأ هيكل إداري مقكك إلي حد ما في الظهور، والذي تطور إلي نظام يشبه بالنظام الإقطاعي، وكان له فيما بعد تأثير كبير علي سياسات أرمينية وعلي المجتمع الأرمني طوال القرون الخمسة عشرة التالية. ومهما يكن من أمرن استطاعت أول أسرة أرمنية حاكمة أن تعيش لمدة مائتي عام ، وأن تكون – لفترة قصيرة- قوة عظمي في المنطقة. ولكن ، في فجر العصر المسيحي ، أصبح استقلال أول مملكة أرمينية ضحية التنافس الشرقي الغربي في آسيا الغربية.
.............................................................................
 
أبريل 2012
تحت عنوان " الصليب والكتابة : الأرشاكيون  " 217 -428 م " ، ذكر المؤلف أنه بنهاية القرن القاني ، بدات السلطة الأرشاكية في فارس تضعف نظرا لأن السياسة الرومانية في سورية شجعت حكامها العسكريين علي التدخل باستمرار في السياسات الفارسية لتقويض الأرشاكيين . وفي عام 226 ، قام أردشير – مؤسس الأسرة الساسانية بالإطاحة بهم . ولا ريب أن الثورة الساسانية قد غيرت في ملامج الشرق الأدني ، وأضرت بالروابط السياسية والدينية الأرمنية الفارسية..
اختلف الساسانيون في أوجه كثيرة عمن سبقهم في فارس ؛ إذ احتفظوا بإدارة شديدة المركزية ، وتمسكوا بذكري أرمينية كجزء من المملكة الفارسية الإخمينية . وكان حماس الساسانيين المتوقد للديانة الزرادشتية كديانة رسمية للإمبراطورية لا يعني فقط اضطهاد الطوائف الدينية الأخري في أرمينية . ولا شك ان الحكم الساساني قد أفاد أرمينية في شيء واحد ؛ إذ أصبح من الممكن لأرمينية أن تولي العرش لأعضاء من العائلة الملكية الخاصة بها مما أدي إلي ظهور أسرة أرمنية ملكية حقيقية تسمي الأسرة الأرشاكونية ، استطاعت أن تتولي الحكم تحت حكم الساسانيين لمدة قرنين من الزمان . وخلال تلك الحقبة ، ثمة حدثان جد مهمان في التاريخ العام للشعب الأرمني : اعتناق المسيحية وابتكار الأبجدية الأرمنية.
كان تحول أرمينية إلي المسيحية في عام 301 زمن الملك تردات الثالث من أهم الأحداث الحاسمة في تاريخ الارمن؛ إذ باعتناق الديانة الجديدة تخلت أرمينية عن ماضيها الشرقي المتأثر بالفرس ، ووضعت أسس دينية مسيحية متميزة ذات شخصية خاصة بها ، وفي بعض العصور كانت تعتبر هويتها جزءا من العالم الغربي.
وقد اعتنقت أرمينية وملكها تردات المسيحية علي أيدي القديس جريجوري ( كريكور ) المنور لتكون أرمينية اول دولة مسيحية في العالم . وقام جريجوري بتدمير المعابد الوثنية وأقام مكانها كنائس وأديرة من أبرزها كاتدرائية إيتشميادزين علي أنقاض معبد أهانيت.
وجدير بالتسجيل أن الضغوط الخارجية لا سيما من بلاد الفرس والزرادشتية وحكامها المتعصبين من الأسرة الساسانية هي التي أعطت العرش الأرمني الحافز علي توحيد الشعب وراء المسيحية . وقد حول السانيون الزراداشتية من ديانة للطبقة العليا إلي ديانة رسمية لفارس.
ولذا ، فإنها برزت بمثابة عقيدة رسمية، يدعمها نشاط إرسالي شديد التحمس ، غدا تهديدا لهوية أرمينية السياسية والدينية أيضا . وبذا ، كانت أرمينية مهيأة سياسيا لأن تصبح أول أمة تتخذ المسيحية ديانة رسمية . وراح المبشرون المسيحيون ينشرون العقيدة الجديدة في جميع انحاء أرمينية وجورجيا وألبانيا القوقازية . وكانت هذه الجهود كفيلة باستمرار المسيحية كديانة  لأرمينية وكحائل أمام المعتقدات الفارسية المثنوية التي تؤمن بوجود إلهين أحدهما للخير والآحر للشر.
اتبع نظام الكنيسة النظام الإقطاعي ؛ إذ توارثت – لبعض الوقت – عائلة جريجوري المنور منصب الجاثليق او البطريرك الاعلي للكنيسة الأرمنية الرسولية . واختير الأساقفة من بين عائلات النخرار، كما قاموا بدور القضاة علي أن يكون الجاثليق بمثابة قاضي القضاة . وأصبحت الكنيسة مركز قوة في أرمينية ، وساعدت في خلق هوية أرمنية متميزة . وبعد مرور قرن تقريبا علي هذه الأحداث ، جاء ابتكار الحروف الأرمنية ليزيد من تقوية هذه الهوية المتميزة .
وتجدر الإشارة إلي أن هذه الحقبة شهدت تقسيم أرمينية بين الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية في عام 387 ؛ إذ أخذت بيزنطة القسم الأصغر الذي يمتد غرب ثيودوسيوبوليس ( أرضروم الحالية ) في الشمال ، ومارتيروبوليس في الجنوب ، ويشمل ذلك أرمينية الصغري الأكثر ميلا إلي الهيلينية .وحكم أرشاك الثالث باعتباره ملكا وواليا تابعا لبيزنطة. أما فارس قثد أخذت معظم أرمينية الكبرين وحكم خسرو الرابع كملك تابع للساسانيين .
وبعد وفاة أرشاك الثالث ، لم يعين البيزنطيون ملكا  أرمينيا آخر، وانتهي خط ملوك الأرشاكيين في أرمينية البيزنطية . ومن ثم ، بدأ الحكام الإغريق والثقافة الإغريقية تغلغلهما في أرمينية البيزنطية .
أما في أرمينية الفارسية ، فتولي فرامشابوه ( 389 – 417 ) عقب خسرو الرابع . وقلد ساهاك – آخر البطاركة من أسرة جريجوري – منصب الجاثليق . ويعد فرامشابوه شخصية مهمة في التاريخ الأرمني ؛ إذ يذكر له أنه كان القوة المحركة وراء ابتكار الأبجدية الأرمنية ، الذي يعد أعظم حدث في عصر الأسرة الأرشاكية . فقد رأي زعماء أرمينية أن  تقسيمها  حدث ينبيء بدمار هائل ، واكتشفوا مخاطر وجودها تحت الإدارة والسيطرة الدينية لكل من بيزنطة وفارس .
ولذا ، رأوا أن عامل اللغة يعد عاملا توحيديا حاسما لأمة مقسمة ، وطلبوا من القديس ميسروب ماشتوتس ابتكار أبجدية تميز أرمينية لغويا ودينيا عن القوي المحيطة بها . وبعد جهود حثيثة نجح  ماشتوتس وتلاميذه في عام 405 في تشكيل الحروف الستة والثلاثين للأبجدية الأرمنية التي تمثل الأصوات الساكنة الكثيرة المتفردة للغة الأرمنية والتي ظلت دون تغيير حتي الآن.
فتح تلاميذ ماشتوتس مدارس في جميع انحاء المقاطعات الأرمنية لتعليم الأبجدية الجديدة . وبعد ذلك مباشرة ، دخل الأرمن في مرحلة ترجمة أهم النصوص المسيحية والفلسفية إلي اللغة الأرمنية . وكان أول عمل تمت ترجمته هو الإنجيل " ملكة الترجمات ) عن النسختين السريانية والإغريقية.
هذا ، وقد ترك المترجمون تراثا للحضارة الغربية من قبيل بعض النصوص السريانية  واليونانية التي لم تحفظ إلا في الترجمات الأرمنية . وفي ذروة عصر النهضة ، عندما كانت أوربا نعيد اكتشاف ثقافة العالم القديم ن شكلت هذه الترجمات خيطا مهما للوصول إلي  معرفة الماضي . وهكذا ، كسب الأرمن ثلاثة أسلحة قوية : دين جديد ، أبجدية ، قادة محليون . وبهذا الثالوث ، ستكون أرمينية قادرة علي مواجهة العواصف القادمة

عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موجز تاريخ الشعب الأرمني من العصور القديمة إلي العصور الحديثة

مُساهمة من طرف عطا درغام في الخميس 28 أغسطس 2014 - 23:11

مايو 2012
خصص بورنوتيان الفصل السابع " معابد النار والأيقونات " لاستعراض أوضاع أرمينية تحت الحكمين الفارسي والبيزنطي( 428-640) ، وهي الفترة التي شهدت أفول العالم القديم وبزوغ فجر المرحلة المبكرة من القرون الوسطي. وأدت الحروب المستمرة إلي إهدار واستنفاد الموارد الفارسية والبيزنطية، ومهدت لنشأة قو سياسية ودينية جديدة ؛ ألا وهي العرب والإسلام. وجير بالذكر أنه خلال مايزيد علي قرنين بعد تقسيم أرمينية إلي فارسية وبيزطية ، واجه الإقليمان الأرمنيان أوضاعا سياسية ودينية واقتصادية –اجتماعية شديدة التباين.
أرمينية الفارسية
بالنسبة لأرمينية الفارسية، عين الساسانيون " مرزبان" لحكمها ، وأقام في العاصمة دفين، وحظي بسلطات إدارية وقضائية ودينية. واستمرت سيطرة النخرار الأرمن علي عدة مناطق مرتفعة ، وظلوا في الغالب يتمتعونبالحكم الذاتي. ولكن عندما خشي التاج الفارسي من مسيحي الإمبراطورية الفارسية، بدأوا في تعيين قيادة الكنيسة الأرمنية، ومن ثم ، تم استبعاد البيت الجريجوري الذي كان محل ارتياب الفرس والنخرار فيما يتعلق بمناصرة قصية استعادة المملكة وحومة أرمينية أكثر مركزية. ونتيجة التحكم الفارسي في الشئون الدينية ، فقدت الكنيسة الاتصال مع الغرب مما أدي إلي نتائج  عقائدية وسياسية خطيرة لاحقا . وبعد مجمع إفيسوس ( 431) ، رحبت فارس بالنساطرة كأعداء لبيزنطة . وفي هذا الإطار، رأي الساسانيون أحيانا الكنيسة الأرمنية بمثابة جزء من الكنيسة النسطورية في فارس.
ومنذ عام 439، ومع اعتلاء يزدجر الثاني العرش، ثمة تحولات جد فارقة في المجري العام لتاريخ الشعب الأرمني.. فقد حاول يزدجر فرض " الزرادشتية" – عبادة النار- علي كل الشعوب غير لفارسية بالإمبراطورية، وبعث كهنة زرادشت لدعوة الأرمن إلي الدخول في هذه الديانة. ولذا، تجمع  بعض النخرار ورجال الكنيسة في أرتاشات عام 447 بقيادة فاردان ماميكونيان، وبعثوا إلي الملك رسالة أعلنوا فيها : رغم أنهم محلصون لفارس، فإنهم مخلصون أيضا للكنيسة . وفي المقابل ، ثمة فريق آخر موال لفارس بقيادة فاساك سيوني. هذا، وقد استمرت المقاومة حتي عام 450 ، عندئذ، أعلن الأرمن تمردهم ضد الفرس، وشاركهم فيه كل من الجورجيين والألبان القوقازيين.
وفي عام 451، التقي جيش الفرس الرئيسي بالمتمردين علي سهل أفاراير( يقع خاليا بالقرب من ماكوبإيران) في معركة هلك فيها فاردان وجيشه بأكمله ، وأصبحوا من شهداء الكنيسة الأرمنية . ورغم عدم اشتراك سيوني في المعركة، فقد وصمته الكنيسة الأرمنية بتهمة الخيانة. وأدي موت فاردان والمصاحبين له إلي رفعهم لمرتبة الشهداء الدينيين والوطنيين. وعلي مدي العقدين التاليين ، سعي الأرمن إلي الثأر لشهداء أفاراير بسلسلة من عمليات التمرد والعصيان في أرمينية وجورجيا ، مدعومين من جانب الكنيسة الأرمنية فيما عرف ب" حروب فاردانانك". وفي عام 481، تمكن الثوار تحت زعامة فاهان ماميكونيان من السيطرة علي دفين، وهزيمة الجيش الفارسي في العام التالي.
وبعد فترة من الاضطرابات وتعرض الكيان الساساني للتصدع ، تجددت في عام 484 العلاقات السلمية بموجب معاهدة نوفارساك التي منحت أرمينية حرية العبادة . وظل فاهان ماميكونيان مرزبانا لأرمينية الفارسية عقدين من الزمان. وبذا ، يحتفل الأرمن حتي اليوم ب" أفاراير" و" نوفارساك" بمثابة انتصارات معنوية وبقاء هويتهم الدينية والثقافية. وبعد موت فاهان ، استمر المرزبانات الأرمن الثمانية ، الذين حكموا بصورة متقطعة ، في مواجهة الضغوط الزرادشتية حتي الغزوات العربية.
ومن المحطات الفارقة علي الدرب العام لتاريخ الشعب الأرمني رفض الأساقفة الأرمن في عام 491 قرار مجمع خلقيدونية ( 451) الذي أعلن أن طبيعتي المسيح البشرية والإلهية لم تكونا منفصلتين، ولكنهما اتحدتا بلا لبس أو تغيير أو انقسام. وتجدر الإشارة إلي أن الكفاح الفارداني قد حال دون حضور الأرمن مجمع خلقيدونية . وقد صنف كثير من الفقهاء الكنيسة الأرمنية ضمن المنتمين إلي مذهب الطبيعة الواحدة ( المنافزة) . ويرجع رفض القرار الخلقيدوني إلي خشية الأرمن أن تقوم السلطة الكهنوتية القوية في القسطنطينية بابتلاع كنيستهم. وبذا ، استطاع الأرمن الاحتفاظ بكنيستهم القومية وتجنب المشاكل مع الفرس بفضل تأكيد موقفهم المذهبي الفريد ورسولية كنيستهم. بيد أن الضغوط البيزنطية لعدة عقود قلائل تالية، أجبرت الكنيسة الأرمنية علي الانفصال التام عن القسطنطينية رسميا في عام 608 أو 609 .
أرمينية البيزنطية
حاول البيزنطيون تحويل أرمينية تدريجيا إلي منطقة مشابهة لبقية إمبراطوريتهم . وقد تم تقسيم أرمينية الصغري إلي : أرمينية الاولي وعاصمتهم سيباستيا ( سيواس) ، أرمينية الثانية وعاصمتها ميليتينة( مالتيا) .اما الجزء الغربي من أرمينية الكبري ، فقد أصبح معروفا بأرمينية الداخلية . واحتفظ عدد من عائلات النخرار والأمراء من قبل ماميكونيان وأرشاكوني بممتلكاتهم ، ولكنهم دفعوا الضرائب وزودوا بيزنطة بالقوات العسكرية.
ورغم الإدارات المنفصلة ، ثمة قنوات اتصال متعددة بين أرمينية الفارسية وأرمينية البيزنطية . فقد كانت التجارة القادمة من الصين وفارس تمر عبر أرتشات ونصيبين إلي أرمينية البيزنطية. وأبقي النساطرة الفرس علي مدرسة لاهوتية ومركز للترجمة في الرها، حيث كان يدرس فيها الأرمن الخاضعون لفارس. وكان الزواج يتم بطريقة عادية بين الارمن الذين يقيمون علي حدود المنطقتين، كما كان السفر مسموحا بع رغم وضع بعض القيود عليه.
وبدأ الإمبراطور زينون في إجراء أول تغييرات رئيسية في أرمينية البيزنطية عندما أدخل عددا من القوانين الرومانية إلي أرمينية الداخلية لصياغتها كي تتوافق مع أرمينيتين الأولي والثانية . وفي تلك الفترة، توترت العلاقات البيزنطية الفارسية بسبب رغبة بيزنطة في كسر الاحتكار الفارسي للحرير الصيني. واندلعت الحروب بين القوتين في أرمينية البيزنطية وبلاد ماوراء النهرين ( 503- 505 ، 524 – 531 ) . وفي عام 533، أبرم أنوشروان الفارسي اتفاق سلام دائم مع جوستنيان البيزنطي.
وبعد أن أنهي الإمبراطور البيزنطي جوستنيان الحرب مع فارس ، شرع في إعادة تنظيم الإمبراطورية بادئا بتغييرات جوهرية في أرمينية البيزنطية . ففي عام 536 ، أصدر مرسوما بإلغاء إدارات أرمينية المتعددة وتوحيدها تحت قيادة قائد عسكري واحد سمي ب" القائد العسكري لأرمينية " ومقر قيادته في ثيودوسيوبولس. وأدي إنشاء تحصينات جديدة للفصل بين بيزنطة وفارس إلي عزل أرمينية البيزنطية عن جارتها عمليا. وقام جوستنيان بتقسيم أرمينية البيزنطية إلي أربع وحدات إدارية. وفقد النخرار حكمهم الذاتي، واتخذ البيزنطيون إجراءات قانونية لحو الهوية الأرمنية وجعلها بيزنطية بأسرع مايمكن . وقد استمرت مخططات محو الهوية الأرمنية علي امتداد القرن السادس الميلادي.
وتجدر الإشارة إلي أن بعض النبلاء قد تمردوا، واغتالوا عددا من المسئولين البيزنطيين ، وتحول بعض النخرار إلي فارس طلبا للمساعدة . ولا ريب ان الملك الفارسي أنوشروان قد غضب من سياسة بيزنطة التوسعية علي الحدود وتهريبها الحرير سرا. ولذا، شجعت مطالب النخرار الأرمن في المنطقة البيزنطية الفرس علي بدء حرب جديدة عام 540 واستمر أوارها حتي عام 562 . وجدير بالتسجيل أن الأوضاع في الأرمنيتين قد ساءت خلال الربع الأخير من القرن السادس. وتمرد الأرمن الفرس تحت قيادة فاردان الأحمر ماميكونيان الذي هرب مع عدد من النخرار الأرمن إلي بيزنطة، وتجددت الحرب في أرمينية البيزنطية. وهنا ، كان الإمبراطور البيزطيني موريس ( 582- 602) أكثر نجاحا في محاربة الفرس حيث دبر سياسة  حرق الأرض علي الحدود مع فارس، مما أسفر عن وجود أرض واسعة خالية من السكان علي حساب الأرمنيتين.
وقد نتج عن هذا الصراع حصول بيزنطة علي جزء كبير من أرمينية الفارسية. وحسب التقسيم الثاني، تغيرت الحدود بين القطاعين من الركن الشمالي الشرقي الغربي  لبحيرة سيفان . وبقيت دفين في المنطقة الفارسية، ولكن يريفان وقعت في الجانب البيزنطي. وسميت المناطق الإضافية أرمينية الداخلية والدنيا والعميقة.علاوة علي هذا ، نفذت الإرادتان البيزنطية والفارسية سياسة إخلاء أرمينية من السكان وإرسال النخرار إلي مناطق مختلفة للقتال في أفريقيا أو البلقان أو آسيا الوسطي.
وقد شهد الربع الأول من القرن السابع الميلادي انقلابات في المشهد العام بين فارس وبيزنطة. ففي عام 602 اندلعت الحروب بينهما إثر مقتل موريس وأولاده علي يد فوكاس. ودخلت القوات الفارسية حتي ميل واحد من القسطنطينية . وبعد وفاة فوكاس وصعود هرقل في عام 610 ، استمرت الحروب. وبحلول عام 620 ، احتل الفرس أرمينية كلها والشرق الأدني ومعظم آسيا الصغري والشرق الأدني وأرمينية . ومنذ ذلك الوقت لم يعد الساسانيون في موقع يمكن أن يهدد بيزنطة. ومن ثم ، بدات تتدهور دولتهم عشية نهاية القرن السابع. وتجدر الإشارة إلي أن هرقل استوعب جيدا أهمية أرمينية الاستراتيجية في مواجهة الغارات الآفارية والسلافية علي حدود دولته الغربية . وقد أوجد منصب " أمير أرمينية" ، وقلده لتيودور رشتوني الذي سيلعب دورا مهما في التاريخ الأرمني..
الثقافة والحضارة
رغم أن الحقبة الفارسية- البيزنطية  قد اتسمت بالحروب والإبعاد وإعاقة التجارة لا سيما بالنسبة لأرمينية البيزنطية ، فمن المثير استمرار الأنشطة الفنية والعلمية والأدبية وازدهارها . وقد تجلي فن العمارة في الكنائس المتعددة التي شيدت في تلك الفترة من أمثال كاتدرائيات القديس جون في ماسترا والقديسة والقديسة هريبسيميه والقديسة جايانيه وغيرهم. وقد أكد بعض مؤرخي العمارة أن الأرمن كانوا أول من أنشأ قبة حجرية فوق  ملتقي أعمدة. وكانت أعمال النحت الرئيسية آنذاك عبارة عن بعض النحت البارز في أماكن العبادة. وثمة أمثلة قيلة من اللوحات الزيتية ، ولعل أكثرها أهمية إنجيل مصور يمزج بين الفن البيزنطي والساساني في أسلوب أرمني فريد.
وقد كانت الأوضاع السياسية والاجتماعية- الاقتصادية في أرمينية الفارسية مناسبة اكثر للنشاط الأدبي، ولكن الجانب البيزنطي أسهم أيضا  بكثير من الأعمال الفلسفية والعلمية الإغريقية التي ترجمت إلي الأرمنية. وأدت الأعمال الأدبية لا سيما الأعمال الأرمنية الأصيلة في التاريخ وعلم اللاهوت والفلسفة إلي إضفاء أهمية كبيرة علي هذه الفترة حتي أن القرن الخامس الميلادي يوصف بأنه العصر الذهبي للأدب الأرمني.
 وربما ينسب أول عمل في التاريخ الأرمني إلي باوستوس بوزاند الذي وصف أحداث القرن الرابع حتي تقسيم أرمينية في عام 387 . وكتب ديفيد أنهاغت رسائل فلسفية أصيلة علاوة علي تعليقات حول الأعمال الفلسفية الإغريقية. وكتب المؤرخ أجاثانجيلوس تاريخ تحول أرمينية إلي المسيحية. ودون يغيشيه معركة أفاراير في كتاب تاريخ فارادان . وجاء وصف تقسيم أرمينية وكفاح الشعب الأرمني ضد الزراداشتية في كتاب لازاروس باربي. بيد ان أكثر الأعمال طموحا وقتذاك كان عمل موسي الخوريني ( موفسيس خوريناتسي) الذي بدأ تاريخه بأصول الشعب الأرمني ويقف عند عام 440 م . ورغم أغلاطه العديدة في التأريخ والترتيب الزمني، فإنه يعد ثروة معلوماتية حول المرحلة المبكرة من التاريخ الأرمني.
وخلاصة القول ، قدم الأدب الغزير وأنشطة الترجمة اتك الفترة إسهاما ضروريا وأساسيا في رفع الوعي القومي، وفي الكفاح االأرمني ضد الضغوط الثقافية والدينية لكل من فارس وبيزنطة. والاهم ، هيأ الأرمن لمواجهة تحديات أكثر أهمية لا سيما الغزوات العربية ووصول الإسلام .
..............................................................
يونية 2012
خصص بورنوتيان الفصل الثامن لاستعراض أحوال أرمينية تحت الهيمنة العربية ( 640-844) ، وهي الهيمنة التي استمرت مايناهز قرنين ونصف القرن.
وجدير بالإشارة أنه علي عكس الفتح العربي السريع لفارس ، استغرق العرب نصف قرن من الزمان لإخضاع أرمينية . إذ أسهمت جبال أرمينية وأقسام هيئتها الإدارية غير المركزية في إنشاء جيوب لمقاومة قادرة علي الصمود طويلا . وقد بدات الغزوات الأولي في عام 640، ونجحت في الاستيلاء علي دفين . وفي عام 644 ، استطاع جيش عربي قوي هزيمة قوة أرمنية بيزنطية . ووجه البيزنطيون اللوم لرشتوني علي الهزيمة وحاولوا تغييره ، وفي الوقت نفسه ، حاول الإمبراطور البيزنطي فرض قرارات خلقيدونية علي الكنيسة الأرمنية . فدعا رشتوني والجاثليق نيرسيس الثالث إلي انعقاد المجمع الكنسي في دفين وأعلنوا في 649 رفضهم لتلك المحاولات.
في عام 650 بعث معاوية بن أبي سفيان جيشا كبيرا استطاع التغلغل في معظم أرمينية . وفي عام 652 ، اتخذ رشتوني مع بعض النخرار قارا حاسما بإقامة سلام مع العرب، تضمن إعفاء أرمينية من الضرائب لعدة سنوات، واعتماد العرب علي الفرسان الأرمن في وقت الحرب. كما تم الاتفاق علي عدم تعيين حكام عرب علي أرمينية، وأن تقوم القوات العربية بحماية أرمينية ضد الهجمات البيزنطية. وفي المقابل ، تدفع أرمينية الجزية ( ضريبة الرءوس) . ولما كان الأرمن " أهل كتاب" ، فقد منحوا حق حرية العبادة. وهكذا، تمكن رشتوني من الحصول علي مكاسب من الحاكم المسلم لم يكن قادرا علي أخذها من الإمبراطور المسيحي البيزنطي.
تزامن موت رشتوني عام 654 مع أزمة الخلافة الإسلامية التي استغلها البيزنطيون ، وأعادوا أسرة ماميكونيان إلي السلطة في أرمينية . وفي عام 661 ، تمكن معاوية بن أبي سفيان من السيطرة علي الحكم وتأسيس الدولة الأموية وحاضرتها دمشق . وعندئذ ، أجبر الأمويون الجاثليق الأرمني وأسرة ماميكونيان علي قبول السيطرة العربية ودفع الجزية مقابل حكم أرمينية .
وتحت الهيمنة العربية ، بني الأرمن الكنائس والقلاع ، وتوسعت الزراعة وزادت التجارة . وتداولت أسرتا ماميكونيان وبجراتوني السلطة السياسية . ولم يكن هناك اضطهاد ديني من جانب المسلمين. ولكن في عام 701 ، بدأ الخليفة الأموي ضم أرمينية رسميا إلي دولته وحكمها حكما مباشرا بعد أن ازدادت هجمات بيزنطة والخزر عليها . ولذا ، أعاد البيزنطيون والعرب تنظيم الأراضي الأرمنية وهي تحت حكمها. فقد قام البيزنطيون بتأسيس مقاطعات عسكرية ( ثيمات) ، كان من أبرزها أرمينياكون. ولكن ، بمرور الوقت ، تجزات هذه الثيمات إلي قطع أصغر، وظلت تحت حكم القادة العسكريين البيزنطيين حتي وصول الأتراك. وأنشأ الأمويون ولاية " أرمينية" التي ضمت أرمينية وشرق جورجيا وألبانيا القوقازية ، وحاضرتها دفين مقر الحاكم المسلم ( الأوبستيكان) .
وخلال هذه الفترة، حارب النخرار الأرمن مع العرب ضد الخزر. وتسامح العرب تجاه الكنيسة بصفتها القائد الرئيسي للأرمن. وقد ساعد هذا المناخ علي ان تتمكن الكنيسة لأول مرة من تنظيم مجموعة من الشرائع الكنسية الخاصة بها، فيما يعد علاقة بارزة في تاريخ الكنيسة الأرمنية . وفي تلك الآونة ، ظهر البوسيون ، وهم من أبناء الطبقات الاجتماعية الدنيا ، ومعارضين للقيم الاجتماعية التقليدية للكنيسة الرسمية . وقد شكل البولسيون حركة سرية شنت هجمات مسلحة ضد السلطات الأرمنية والعربية والبيزنطية. ومع نهاية القرن السابع، انتشرت هذه الحركة في أجزاء من أرمينية وفارس وشمال بلاد مابين النهرين. وفي عام 719، أصدر المجمع الكنسي في دفين أمرا علنيا بقمع البولسيين ، ولذا تركوا أرمينية وأسسوا مملكة غربي الفرات حيث ظلوا شوكة في جانب بيزنطة.هذا ، وقد شهد عام 726 بدء الخلافات حول الأيقونات في بيزنطة مما أدي إلي تحرير الكنيسة الإغريقية.
في عام 750، سقطت الدولة الأموية وتكونت علي أنقاضها الدولة العباسية . وانتقلت العاصمة من دمشق إلي بغداد ، وأصبحت الإدارة أقرب إلي النظام الإمبراطوري. وأدت المطالب المالية إلي زيادة الضرائب. ولذا ، انتهز الأرمن هذه الظروف ودبروا تمردا. بيد أن بغداد استردت بسرعة الهيمنة العربية علي أرمينية . ومع حلول الربع الثالث من القرن الثامن ، تمكن البجراتيون من إصلاح العلاقات مع العباسيين الذين اعترفوا بهم كقادة للأرمن، ولم ينل هذا التقارب رضا عائلتي ماميكونيان وأرتزوني، وكذا البيزنطيين . وفي منتصف سبعينات القرن الثامن، ضعفت أسرات رشتوني وجنوني وماميكونيان ونلاشت أدوارها رويدا رويدا.
وخلال عصر هارون الرشيد ، تشجع الجنود والتجار العرب علي استيطان أرمينية . وعينت بغداد عائلات عربية لتحكم أو تنشيء مستعمرات في أرمينية وأجزاء أخري من مناطق ماوراء القوقاز. وجري التزاوج المختلط بين العرب وأهل هذه المناطق . وتحول كثيرون إلي الإسلام ، بعضهم بإرادته وبعضهم بالإكراه.
وكانت ولاية " أرمينية " آنذاك مقسمة إلي أرمينية وجورجيا وآران ( ألبانيا القوقازي) . وبموت هارون، بدأ اضمحلال بطيء للسلطة العباسية استغرق زمنا طويلا . وخلال الاضمحلال ، بدأت الإمارات تتصرف باستقلالية عن بغداد. وفي ظل هذه الظروف، ثمة نهوض أرمني تحت زعامة أشوت مساكر ( آكل اللحوم) البجراتوني ( 790-822 ) .
وفيما يتعلق بالإنتاج الثقافي خلال فترة الهيمنة العربية ، نجد أن من أبرز المؤرخين الأرمن الأسقف سيبيوس الذي أمدنا بمعلومات قيمة حول بيزنطة وفارس في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع ، ثم وصف ظهور الإسلام والغزوات العربية لفارس و أرمينية والإمبراطورية البيزنطية حتي عام 661 . وكذا ، الراهب غيفوند الذي وصف السيطرة العربية علي أرمينية ( 661-788 ).
وفي مجال العلوم ، أنجبت أرمينية في القرن السابع أنانيا شيراكاتسي الذي ألف كتابا في الحساب والحوليات والأوزان والمقاييس ، وفي الدورة القمرية والجغرافيا والكونيات . وكان لأنانيا دور فاعل في تحسين التقويم الأرمني وتغييره من نظام متحرك إلي نظام ثابت ، ويشرح كتابه " الجغرافيا " الأقاليم الخمسة عشر الأرمنية بالإضافة إلي معلومات مفصلة حول جورجيا وفارس وألبانا القوقازية.
وفي مجال الهندسة المعمارية، تعد كنيسة زفارتنوس ( 644-652 ) مثالا لكنائس ذات المسقط الأفقي علي شكل الزهرة الرباعية . ورغم أنها دمرت في القرن العاشر ، فإن بقاياها تعد الأمثلة الأساسية للنحت فترتذاك، في شكل نحت بارز يمثل العمال ومخططي البناء. وفي مجال التصوير، نجد إنجيلا مصورا مؤرخا في عام 862 ، تم تنفيذه بتفويض من أسرة أرتزروني ، يستحق الذكر لأسلوبه شديد التميز والبراعة.
مع أواخر القرن التاسع ، وبعد ما يزيد علي قرنين من الغزوات العربية ، كان الأرمن لا يزالون يشكلون أغلبية السكان ، وكان الأمراء العرب يواجهون صعوبة في الإبقاء علي ممتلكاتهم بأرمينية . واستغلت جبال أرمينية ووديانها كملاذات متعددة للاستقلالية الأرمنية .
وأصبح ابن سمبات ، أشوت بجراتوني، يحث علي حشد القوة ، واستمر في ممارسة الضغط علي الأمراء العرب، واكتسبت عائلة بجراتوني احتراما متزايدا في أرمينية . وأدركت الخلافة التي نالها الضعف، والأسرة المقدونية الناشئة في بيزنطة ، قيمة التحالف الأرمني. لذلك، كانت الأوضاع ملائمة لظهور مملكة أرمنية جديدة.
وتحت عنوان " أرض متعددة التيجان " ، استعرض بورنوتيان أوضاع الأسرة البجراتونية وممالك أرمينية في القرون الوسطي ( 844-1045 ) . ففي النصف الثاني من القرن التاسع ، عانت أرمينية فراغا في السلطة إثر انشغال العباسيين والبيزنطيين بشئون داخلية وخارجية.
وإزاء هذا الفراغ ، خطا أشوت بجراتوني بن سمبات خطوات لزيادة قوة البجراتونيين وفرض هيبتهم . وبين عامي 855- 862 ، كانت الأجزاء الشمالية والجنوبية والغربية من أرمينية الكبري ، إما تحت سيطرة البجراتونيين أو متحالفة معهم . وبوجود مقر الجاثليق الكنيسة الأرمنية ضمن حدوده ، تمتع أشوت أيضا بدعم الكنيسة الحاسم.
بيد أن البجراتونيين واجهوا عدة عقبات داخلية وخارجية منعتهم نهائيا من إعادة توحيد أرمينية الكبري بالكامل . ومن هذه العقبات : عداوة بيتي السيونيين والأرتزونيين ، الحاكم المسلم والإمارات  العربية ، بقاء مدن محورية مثل دفين وناخيتشفيان تحت السيطرة العربية معظم الوقت ، ظهور الأسرة المقدونية في بيزنطة ومحاولات التدخل في الشئون الأرمنية . وعندما أدرك الخليفة العباسي المستعين بالله أن تزايد سلطة البجراتونيين يمكن أن يعوق الاستقلال المتزايد للإمارات العربية ، فانعم في عام 862 علي أشوت بلقب أمير الأمراء . كما كان أشوت معترفا به كحاكم لأرمينية من جانب معظم النخرار ومن الكنيسة عندما بعث له الخليفة المعتمد عام 884 تاجا ملكيا . وهكذا ، صار الأمير أشوت الملك أشوت الأول. وبعد ذلك مباشرة ، أرسل الإمبراطور البيزنطي باسيل الأول تاجا كي يحتفظ بنفوذه علي السلالة الحاكمة الجديدة. وآنذاك ، أصبح لأرمينية مرة أخري مملكة وسلالة حاكمة.
وبعد وفاة أشوت ، اعتلي العرش ابنه سمبات الأول ( 890 – 914 ) ، ومن بعده ابنه أشوت الثاني ( 914 – 929 ) ، ثم أخوه عباس ( 929 – 953 ) . ويعد عهد أشوت الثالث ( 953 – 977 ) ذروة السبعين عاما للحكم البجراتوني . وآنذاك ، كانت أرمينية قوية نسبيا وموحدة ، وسمح له أن يستخدم لقب ملك . وفي ذلك الوقت ، حصلت الكيانات الأرمنية علي تيجان وألقاب كثيرة . وتجدر الإشارة إلي أنها كانت لا تشكل خطرا شريطة ان تكون أرمينية تحت سيطرة حاكم قوي . وبالطبع ظهرت مشكلات خلال عهود الملوك الضعفاء، أو عندما كانت الضغوط الخارجية قاهرة. علاوة علي أن بعض الأساقفة في هذه الممالك اتجهوا من حين لآخر إلي تجاهل سلطة الجاثليق ولقبوا انفسهم ب" الجثالقة".
وبعد موت أشوت الثالث ، تولي ابنه سمبات الثاني العرش( 977-990 )، ثم خلفه جاجيك بجراتوني الأول ( 990-01020 ) . وبموت الأخير ، بدأ الانحدار السريع للبجراتونيين وانهيارهم . وأدي التنافس بين أبناء جاجيك إلي تقسيم المملكة في وقت ظهر فيه الأتراك علي مسرح الأحداث . وكان باسيل الثاني يوسع الإمبراطورية البيزنطية بضم الجيران الضعفاء . وهكذا ، في عام 1045 ، انتهت آخر مملكة كبري في أرمينية التاريخية . وقد استولي البيزنطيون علي آني ، وفي عام 1064 تم ضم مملكة كارس البجراتونية أيضا . ولم يبق مستقلا سوي مملكتين جبليتين هما مملكة لوري ( حتي عام 1100 ) ومملكة سيونيك ( حتي عام 1166 ) علاوة علي إمارة خاتشن في قره باغ ( حتي عام 1450) .
ومن منظور حضاري، لم يقم الملوك البجراتونيين بسك أية عملات معدنية ؛ إذ كانت العملات العباسية والبيزنطية منتشرة علي نطاق واسع في أرمينية . وكانت السجاجيد الأرمنية مظلوبة ، ولا سيما المصنوعة من صوف الماعز.
ازدهرت صناعة النسيج بسبب شهرة الأصباغ الأرمنية لاسيما السبغة القرمزية ذات اللون الأحمر النبيذي. وآنذاك ، أنتجت أرمينية الحرير في مناطق قره باغ وسبونيك وجنجه.
وقد أنجب العهد البجراتوني بعض المؤرخين المهمين من قبيل أريستاكيس الذي وصف العلاقات الأرمنية البيزنطية ، واختتم تاريخه بوصف تفصيلي لغزو السلاجقة لآني ومعركة مانزكيرت 1071 . وأحد أكثر الأعمال قيمة وقتذاك قام به ستيبان التاروني  وهو كتاب " تاريخ العالم" الذي يتصف بالدقة في تأريخ الأحداث .
ويعد كتاب " تاريخ الألبان القوقازيين " بقلم موفسيس داسخورانتسي المصدر الوحيد المتبقي بأية لغة عن هذا الشعب الذي ذاب في الأرمن والفرس والعرب والأتراك. وفي مجال الأدب ، هناك قصائد شعر الصوفي المشهور القديس جريجوري الناريكي مؤلف كتاب " المراثي" .
وكان العهد البجراتوني أكثر العهود إنتاجا لعمارة الكنيسة الأرمنية . والواقع أن معظم الكنائس في أرمينية الحالية باقية من تلك الفترة . وفي هذا الصدد ، تعد كاتدرائية الصليب المقدس في أغتمار من أروع المنشئات المعمارية. وقد شيدت بتفويض من جاجيك أرتزروني. وتشمل هذه الجوهرة من الهندسة المعمارية والنحت البارز تصويرا جداريا أيضا يمثل آدم وحواء ، وبشارة السيدة العذراء بالمسيح ، ويوم الحساب.
وهناك قطع فنية رائعة أخري من النحت البارز تتمثل في " الختشكارات" المتعددة ، او الصلبان الحجرية المنحوتةن والتي بدات في الظهور في القرن التاسع ، ووصلت إلي أوجها في القرن الرابع عشر. ومع حلول القرن الحادي عشر ، كان التأثير البيزنطي قد بدأ يجد طريقه إلي بعض المنمنمات ( المخطوطات المزخرفة) التي قام البجراتونيين بالتكليف بصنعها من قبيل إنجيل طرابيزون ( في مكتبة المخيتاريين بالبندقية ) وإنجيل الملك جاجيك الكارسي .
وهكذا ، وعلي نحو ماسبق استعراضه ، استعاد البجراتونيين المملكة الأرمنية ، وتمكنوا لبعض الوقت من موازنة الضغوط العربية والبيزنطية والأرمنية الداخلية. ولكن سياسة البيزنطيين التدخلية بلا هوادة هي التي دمرت البجراتونيين في النهاية..
تحت عنوان " الشرق والغرب يلتقيان " ، خصص بورنوتيان فصله العاشر لاستعراض ملامح " مملكة قيليققية الأرمنية " ، وذلك خلال الفترة من 1075 حتي 1375 . وحسب المؤلف ، يمثل عصر قيليقية فصلا فريدا في تاريخ الشعب الأرمني؛ فلأول مرة يقيم الأرمن دولة مستقلة في أراض خارج أراضيهم التاريخية . وكذا ، لاول مرة يقيم الأرمن في منطقة تقع علي شاطيء البحر مباشرة ، وانضموا بشكل وثيق مع الأمم الناشئة في أوروبا الغربية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية . وقيليقية سهل واسع علي ساحل آسيا الصغري المطل علي البحر المتوسط.
ومنذ أواسط القرن العاشر ، كانت قيليقية تحت الحكم البيزنطي بعد أن استعادوها من العرب، وأحضروا إليها المسيحيين لا سيما الأرمن لإعادة تعمير الأرض. وبعد سقوط المملكة البجراتونية ، عين الإمبراطور البيزنطي بعض القادة العسكريين الأرمن لحكم قيليقية . وفي هذا الخصوص ن اشتهرت عائلتا روبين وهيثوم في التنافس علي نيل النفوذ في سهل قيليقية. ولكن بينما تحدي الروبينيون سلطة بيزنطة ن ظل الهيثوميون ولاة أوفياء لبيزنطة . زفي هذا الوقت وقع  حدث ساعد علي تحقيق طموحات عائلة روبين ، وهو وصول قوات أوربا الغربية في الحملة الصليبية الأولي ( 1096 – 1099 ) . وبمجرد وصول الأوروبيين إلي قيليقية – المدخل إلي سورية والقدس ، سعي الصليبيون إلي الأرمن ليكونوا أدلاء لهم ، ولكي يمدوهم بالمؤن أو الجنود . وفي عام 1099 سقطت القدس في أيدي المسيحيين الذين ذبحوا سكانها من المسلمين واليهود . ثم سرعان ما استولوا علي ولايات طرابلس والرها وأنطاكية والقدس . وأيد الروبينيون الصليبيين ( الفرنجة ) ، وسرعان ما أصبحوا القوة المهيمنة في قيليقية .
هذا ، وقد انتهز الروبينيون الفرصة فتوسعوا علي حساب البيزنطيين ؛ فقام توروس ( 1103- 1129 ) بالاستيلاء علي قلعة بردزبيرد وجعلها مركزا للحكم الروبيني . واستطاع أخوه ليفون ( ليو) ( 1129- 1137) توسيع المناطق الروبينية حتي البحر. وقام الروبينيون بالتحالف مع الكونت ريمون حاكم أنطاكية مما جعل وضعهم أكثر ثباتا . ولكن في عام 1137 قام الإمبراطور البيزنطي جون كومنينوس بغزو قيليقية الأرمينية في طريقه إلي أنطاكية . وتعاون الهيثوميون مع الإمبراطور في الاستيلاء علي القلاع الروبينية وأنطاكية . وأخذ ليفون وزوجته وابناه روبن وتوروس أسري إلي القسطنطينية ، بينما بقي الكونت ريمون في أنطاكية كوال لبيزنطة.
نجح الابن توروس في الهرب. وبعد بضعة سنوات استعاد السلطة الروبينية . وعقب فشل الحملة الصليبية الثانية ( 1147 – 1149 ) وسقوط الرها وتقسيمها بين المسلمين والصليبيين ، قامت سيدة من النبلاء بمنح الجاثليق الأرمني قلعة هرومكلا( قلعة الروم ) الواقعة علي الفرات ، ومن ثم ، أصبحت " الكرسي المقدس" ( المقر الجاثليقي ) للأرمن طوال قرن قادم . وفي هذا التوقيت ، استعاد توروس الثاني ( 1144 – 1169 ) أراضي أبيه . وتجدر الإشارة إلي أن صعود الدولة الزنكية واستيلائها علي دمشق تحت قيادة نور الدين محمود أجبر المسيحيين علي التخلي عن خلافاتهم والسعي إلي إبرام تحالفات مشتركة . واستطاع توروس أن يحفظ السلام بالإبقاء علي علاقات حسنة مع البيزنطيين والمسلمين . وبذا ، خلقت دبلوماسيته وتحالفاته " دولة روبينية قوية " اعترفت بها الإمارات البيزنطية واللاتينية .
اضطربت أوضاع الروبينيين عقب وفاة توروس الثاني عام 1169 إبان حكمي مليه ( 1169 – 1175 ) وروبين الثاني ( 1175 – 1187 ) . ولم يكن الأخير حاكما قديرا ، فتنازل عن الحكم لأخيه ليفون الثاني الذي تولي مصير العائلة في عام 1187 . ومرة أخري ، ألقت أحداث خارجية بعائلة روبين إلي أوضاع مواتية .
ففي عام 1171 سقطت الدولة الفاطمية وتأسست الدولة الأيوبية علي أنقاضها . وفي عام 1187 استرد صلاح الدين بيت المقدس مما أدي إلي مجيء الحملة الصليبية الثالثة ( 1189 – 1192 ) . ورغم أنها فشلت ، فإن إحدي نتائجها كانت استيلاء ريتشارد الأول ملك إنجلترا علي قبرص وبيعها إلي جي دي لوزينيان ، والذي ستصبح عائلته – فيما بعد – حكام قيليقية الأرمنية .
في ذلك الوقت ، تركت الدويلات اللاتينية في حالة  ضعف ، فأصبح لقيليقية أهمية إستراتيجية جديدة ، وطلب القادة الأوربيون المدنيون مساعدتها العسكرية والمالية للقوات الصليبية . وسعي ليفون لاستثمار هذا المناخ كي يتوج ملكا .
وفعلا ، في 6 يناير 1199 ، تم تتويجه باسم الملك ليفون الأول ( ليو الثاني ) . وقد تم تكريسه علي يد ي الجاثليق الأرمني. وتلقي الشارة الملكية من النائب  البابوي والإمبراطوري . ووصل تاج ثاني من الإمبراطور البيزنطي تذكرة بأن بيزنطة لا تزال تري قيليقية بمثابة " ولاية تابعة لها ".
وكان تتويج ليفون بداية أزمة استمرت طوال حياة المملكة مؤداها قضية الوحدة الدينية مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية . وقد نتج عن هذا الصدع إضعاف الأسرة الحاكمة ، واستغله كل من الصليبيين والكنيسة البابوية. ورغم هذا ، جاء صعود ليفون إلي مرتبة ملك واعتراف أوربا به ، ليضع قيليقية علي الخرائط الأوروبية ( أرمينية الصغري ) . وبذا ، سيطر ليفون علي سهول قيليقية وموانيها ن واستطاع إضعاف سلطة عائلة هيثوم ، وأسس عاصمة جديدة في سيس ، وأقام تحالفات مع قبرص وانطاكية وبيزنطية . وهكذا ، أنشأ حكم ليفون مملكة استمرت لقرنين تقريبا . وأهم نتيجة لحكم ليفون الناجح تمثلت في نمو التجارة ، حيث اتصل التجار الأرمن بغيرهم من التجار وفتحوا بيوتا تجارية في الصين وأوربا . ووقع ليفون اتفاقيات تجارية مع " الدول المدن" الإيطالية من قبيل جنوا والبندقية وبيزا.
مات ليفون في عام 1219 تاركا ابنته الوحيدة إيزابيل ( زابيل ) كوريثة له . وبعد فشل زواجها من فيليب أمير أنطاكية ، تزوجت من هيثوم ابن الوصي الهيثومي قنسطنطين . وفي عام 1226 ، تم تتويجهما معا في سيس ، ليبدأ الخط الحاكم الذي جمع بين أسرتي روبين وهيثوم . وعلي مدار أكثر من ربع قرن ( 1226 – 1252 ) ، حكم هيثوم وإيزابيل . وبعد موت الأخيرة ، ظل هيثوم يحكم ختي عام 1270 ، وهي أطول فترة حكم فيها ملك من ملوك قيليقية علي الإطلاق .
وثمة تحول فارق آنذاك ، تمثل في ظهور ونمو قوة المغول . وكان هيثوم أول من تبين أهمية هذه القوة الجديدة . في المنطقة وأرسل أخيه سمبات إلي مركز المغول في قره قورم عام 1247 واتفق معه علي التحالف ضد المسلمين . وفي عام 1254 ، زار هيثوم قره قورم بنفسه وجدد التحالف . ولكن في عام 1260 هزم المماليك في مصر المغول . وهاجم المماليك قيليقية ودمروها . وفي عام 1269 ، تخلي هيثوم عن العرش لابنه ليفون الثاني ( 1269 -1289 ) الذي اصطر إلي دفع جزية سنوية للماليك.
وفي عام 1289 ، تولي هيثوم الثاني ابن ليفون الثاني الحكم القيلقي . وإزاء هجمات المماليك ، انتقل المقر الجاثليقي من هرومكلا إلي سيس في عام 1292 . وتزوجت أخت هيثوم من عائلة لوزينيان في قبرص ، وورث أطفالها – فيما بعد – عرش قيليقية . ورغم ان قيليقية قد تمتعت بقدر من الانتعاش الاقتصادي تجت حكم الهيثوميين ، فإن الفترة المضطربة لحكم هيثوم الثاني سببت نوعا من عدم الاستقرار السياسي في المملكة . وفي ذلك الوقت ، تحول المغول ( الخانيون ) إلي الإسلام ، وسعي هيثوم  وليفون مع أربعين من نبلاء قيليقية إلي التحالف مع المغول ضد المماليك . ولكنهم ماتوا جميعا بمجرد وصولهم إلي مركز المغول في شمال سورية .
تولي أخو هيثوم المسمي أوشين العرش ، وعقد مجمعين كنسيين ( 1307 – 1316 ) ، وبمقتضاهما وافق بعض رجال الدين والنبلاء الأرمن علي العمل بالتطبيقات الكنسية الرومانية والاعتراف بالبابا أملا في الحصول علي مساعدة عسكرية من أوربا . بيد أن الشعب الأرمني ثار ضد هذا القرار . ومات أوشين في عام 1320 ، فتولي ابنه ليفون الرابع الذي اتبع سياسة تأييد أقوي للغرب  . وعندما مات في عام 1341 ، لم يبق بعده سليل مباشر من نسل روبين – هيثوم المشترك ، وتم تبادل العرش بين أسرة لوزينيان القبرصية ونبلاء آل هيثوم . وتم تتويج آخر ملوك قيليقية ، ليفون الخامس من نسل لوزينيان في سيس عام 1374 . وبعد عام ، قبض  عليه المماليك . وأخذوه إلي القاهرة حيث افتداه بعض أقاربه الأوروبيين. ومن المثير للسخرية أن لقب ليفون كملك أرمينية ورقه جون الأول حاكم قبرص ، والذي أورثه لنسله الذين أورثوه لبيت سافوي؛ وهؤلاء استخدموا اللقب حتي القرن التاسع عشر.
وفي النهاية ، رحل النبلاء القيليقيون الأرمن إلي بيزنطة وأرمينية وجورجيا ، بينما هاجر التجار الأرمن إلي فرنسا وهولندا وإيطاليا وبولندا . وبعد قرن ، أصبحت قيليقية جزءا من الدولة العثمانية ، وأصبحت المدن والقري الأرمينية فيها تحت الحكم التركي.
وجدير بالتسجيل أن من اهم نتائج ظهور مملكة قيليقية بروز الجالية الأرمنية العلمانية والدينية في القدس التي تضرب بجذورها إلي القرن الأول الميلادي. وبعد  القطيعة مع الكنيسة الإغريقية الأرثوذكسية ، تعرض الأرمن للاضطهاد علي أيدي حكام المدينة البيزنطيين .
وبعد الفتح العربي عام 683 ، أصبح التحكم في الأماكن المقدسة للمسيحيين في القدس وسيلة ورمزا لسلطة الجاليتين  الأرمنية والإغريقة في المدينة . ورغم أن الأرمن في القدس كانوا أقل عددا من الإغريق  فقد تمتعوا بعلاقات أفضل مع العرب، الذين كانوا يرون البيزنطيين عدوهم الطبيعي . ولهذا منحت الكنيسة الأرمنية في البداية القوامة علي بعض الصروح الكنيبة المهمة.
وقد نتج  عن وصول الحملات الصليبية تحسين وضع الأرمن كثيرا. ومكنهم من حيازة موقع للكنيسة الجورجية بنوا عليه كاتدرائية ودير سانت جيمس ، وأسسوا النظام الرهباني لسانت جيمس . وأصبح مقر البطريركية والدير قلب الجالية الأرمنية في القدس ، يوفر الإقامة للحجاج والتجار الزائرين .
وفي بداية القرن الرابع عشر ، رفض رهبان سانت جيمس قبول سياسات الجاثليقوسية التي تميل إلي الكاثوليكية اللاتينية ، وأعلنت أن قيادتها والقيم علي الأماكن الأرمنية المقدسة هي البطريركية الأرمنية في القدس.
وبعد ان استعاد المسلمون القدس تحت قيادة صلاح الدين ، استعاد الأرمن موقعهم المفضل ، وأعقوا من الجزية . وأثناء الفترة المملوكية ، استطاع الأرمن أن يحبطوا محاولات الكنيسة الجورجية الأرثوذكسية لاستعادة موقع سانت جيمس ، ولكن أجبروا علي الاشتراك في القوامة علي أجزاء من موضع القبر المقدس مع الكنيستين الجورجية والإغريقية .
وقبل إغلاق ملف قيليقية الأرمنية، ذكر بورنوتيان بأن قيليقية رغم هيمنة الأرمن كانت وطنا لمجموعة من الشعوب الذين أسهموا في إثراء الثقافة القيليقية من قبيل الإغريق واليعاقبة والسريان والعرب واليهود والإيطاليين والفرسان الأوربيين .
وانتشرت اللغة الفرنسية والعادات الفرنسية بين النبلاء الأرمن، وكان معظم التجار يتحدثون الإيطالية . ووجدت الأعمال الأوربية طريققها إلي التراجم الارمنية .
وفي هذه الفترة ، ترك الجاثليق نيرسيس شنورهالي في كتابه " رثاء سقوط الرها " والعديد من التراتيل ( الشاركان ) ، والتي استخدمت في القداديس الأرمنية . وظهر الشعر، ومن ضمنه قصائد حب وموضوعات دنيوية أخري في القرنين الأخيرين من مملكة قيليقية ، وقد كتبت باللغة الأرمنية الوسيطة. وفي مجال العلوم ، نجد مخيتار الهيري ( خوي) مؤسس الطب الأرمني ، والذي مكنته معرفته باللغات العربية والإغريقية والفارسية من كتابة أعمال متخصصة في فروع متعددة للطب . وما بقي من عمارة قيليقية يشبه قلاع الصليبيين وحصونهم ، ويستعير طراز الصروح البيزنطية والغربية وقتذاك. ولا ريب أن فخر تلك الفترة هو بلا شك المخطوطات المزخرفة من القرنين الثاني عشر والثالث عشر ، وفيها تظهر صور الناس والحيوانات والزهور والتصميمات الهندسية بألوان زاهية وبماء الذهب اللامع .ويبلور المؤلف خلاصة الجزء الأول من كتابه الرائع مؤكدا علي أن أرمينية قد تمكنت لأكثر من ألفي عام  من الاحتفاظ بمكانة فريدة في العصور القديمة والكلاسيكية والوسيطة بفضل موقعها الجغرافي وطبيعة شعبها القادر علي التكيف . وخلالها ، قدمت أرمينية أسرات حاكمة ، طورت فنها وعمارتها ولغتها وأدبها الخاص علي نحو ماسبق بيانه . وكانت واحدة من أولي الدول التي اتخذت المسيحية ديانة رسمية ، وهو قرار أثر في تاريخها اللاحق كله .
وأسهمت أرمينية نسبيا في عصر النهضة من خلال حفظ بعض الأعمال الكلاسيكية ، وقيامها بدور الوسيط في نقل البضائع والأفكار من آسيا إلي أوروبا .
وربما ساعدت علاقات أرمينية مع الصين في نقل بعض التكنولوجيا التي أسهمت في التفوق والاستكشاف الأوروبيين ، ولكن بنهاية العصر الوسيط اختفي الهيكل السياسي لأرمينية . واستمرت التغييرات الديموجرافية التي بدأت في القرن الحادي عشر ، وانتهت بتراجع الشعب الأرمني ليصبح أقلية في أجزاء كثيرة من أراصيه التاريخية .   

عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موجز تاريخ الشعب الأرمني من العصور القديمة إلي العصور الحديثة

مُساهمة من طرف عطا درغام في الخميس 28 أغسطس 2014 - 23:12

................................................................
يوليو 2012
ونعرض للفصلين المعنيين بالأرمن في الدولة العثمانية وهما : الفصل الثاني عشر الموسوم " الأمراء والسلاطين : الأرمن في الإمبراطورية العثمانية " ، والثامن عشر المعنون ب " القضية الأرمنية والحل النهائي : الأرمن في تركيا العثمانية " .
تمخضت الصراعات  في العالم الإسلامي عشية العصور الحديثة عن ظهور ثلاث إمبراطوريات إسلامية قوية : العثمانيون في آسيا الصغري والعالم العربي والبلقان ، والصفويون في إيران والقوقاز وأجزاء من آسيا الوسطي ، والمغول في شبه القارة الهندية .
وعلي مدار القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر ، دارت الحرب بين العثمانيين والصفويين في شرق الاناضول وماوراء القوقاز ومابين النهرين . وفي عام 1639 ، توقف الصراع بين الطرفين ، وأبرما معاهدة زوهاب ( قصر شيرين) التي قسمت أرمينية إلي قسمين : أرمينية الشرقية ( الفارسية) وأرمينية الغربية ( العثمانية ) . وقعت الأراضي غرب قلعة كارس في أيدي العثمانيين ، بنما أصبحت المناطق شرقي آني ونهر أرباتشاي جزءا من فارس.
وإثر ثورة الجلاليين في الأناضول ، تدمرت الممتلكات ، ونتج عن المجاعات والامراض إجبار السكان علي التحول  إلي الإسلام وإعادة التوطن قلة التعداد ، كما أساء كل ذلك بشدة لقدرة الاقتصاد الأرمني . وفيما عدا أمراء قليلين في سيونيك ولوري، اختفت تقريبا طبقة النبلاء الأرمنية التي قامت علي توارث ملكية الأراضي . وخضعت الكنيسة الأرمنية للحكم الإسلامي كي تضمن بقاءها وبقايا رعاياها .
وتشير المصادر إلي أن السلطان محمد الفاتح (1444 – 1446 ) و 01451 – 1481 )، بعد احتلاله للقسطنطسنسة ( الأستانة فيما بعد ) بوقت قصير نقل عددا كبيرا من الأرمن قسريا من الأناضول وشبه جزيرة القرم إلي تلك المدينة . وقد استمرت مثل هذه الترحيلات في القرن السادس عشر ، وزادت كثيرا من الجالية الأرمنية في العاصمة العثمانية .
وفي نهاية القرن الثامن عشر ن نظم العثمانيون الجماعات غير الإسلامية في إطار طوائف دينية سميت " ملل " ، كل ملة منها تحت إشراف قائدها الديني. وفي النهاية ، قصرت كل جماعة نفسها علي الحي الخاص بها في الأستانة وغيرها من المراكز الحضرية .
والمعروف أن السلطان محمد الفاتح له دور في إيجاد منصب البطريرك الأرمني عندما قام بتعيين الأسقف هوفاجيم من بورسا كأول بطريرك للأرمن في الإمبراطورية العثمانية .
وتجدر الإشارة إلي أن الجثالقة الأرمن في إيتشمادزين وسيس وأغتمار وبطريرك القدس الأرمني، كانت لهم سلطة أعلي في المسائل الدينية ، لكن الأوضاع السياسية والمالية والجغرافية للآستانة جعل البطريرك الأرمني شخصية تحظي بمكانة هائلة بالفعل.
وخلاف ملة الأرمن الأرثوذكس ن ظهرت خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ملتا الأرمن الكاثوليك ( 1831) والأرمن البروتستانت ( 1850) نتيجة أنشطة الإرساليات التبشيرية وضغوط حكوماتها . وفي الواقع، كانت الملة ذاتية الحكم ؛ إذ كان مسموحا لها دائما بالاحتفاظ بمؤسساستها الخاصة مثل المدارس والجمعيات الخيرية والمستشفيات. وقد مارس البطريرك سلطة كاملة علي جاليته؛ فكانت له محكمته الخاصة ، واستطاع تنفيذ العدالة المدنية والدينية بين شعبه . كما كان يحتفظ بقوة شرطة صغيرة وكذلك سجن.وبذا ، تمكن العثمانيون من حفظ النظام بالسماح للجماعات العرقية التي احتلو بلادها بالتمتع ببعض الاستقلالية وبإعطاء القادة الدينيين سلطات إدارية أكبر مما كانوا يتمتعون بها تحت حكم السابقين . ورغم هذا ، كان الأرمن والمسيحيون عموما والآخرون شعوبا مهزومة، وقد عوملوا علي هذا الأسااس ( حظر حمل السلاح، عدم التجنيد ، الجزية....إلخ)
وعندما فقد السلاطين العثمانيون التحكم الصارم في الأناضول، وبدأت غارات الأكراد وثورات الشيعة تخلق أحوالا من عدم الاستقرار هناك ، راح المزيد من الحرفيين الأرمن ينجذبون إلي الأستانة . كما شجع بعض السلاطين الأرمن علي الانتقال للإقامة هناك حتي بلغ عددهم حوالي 250 ألف نسمة في نهاية القرن التاسع عشر . وبذا ، تواجدت بالأستانة أكبر جالية أرمنية في العالم وقتذاك .
ومن العلامات المميزة للأرمن العثمانيين ، ظهور جماعة قوية من الصيارفة الأرمن الذين تلقبوا بالأمراء . وقد استطاعت هذه الجماعة ان تصبح ذات نفوذ بإقراض الاموال للوزراء والباشوات والملتزمين وغيرهم، بل إن بعضا من أغني الأمراء قد أقرضوا السلطان. وبذا ، تمتعوا بنفوذ كبير في البلاط. وقد دعم هؤلاء الأمراء أعمال البر، ومولوا تعليم كثير من الأرمن ممن سيصبحون لاحقا من أهم زعماء الأرمن.
وبالترتيب ، شغل أعضاء عائلات دوزيان وباليان وداديان مناصب دارسك العملة السلطانية وكبير المهندسين السلطانيينة وكبير المهندسين السلطانيين والمشرف علي مصنع البارود. وحتي أواخر القرن التاسع عشر ، كانت سلطتهم علي الملة الأرمنية مساوية لسلطة البطريرك نفسه، وأحيانا تفوقه .
وفي ذات التوقيت ، أسهم المخيتاريون – نسبة إلي الأب مخيتار السيباسطي ( 1676 – 1749 ) – بور مهم في الحياة الأرمنية ؛ إذ اهتموا بالحفاظ علي الثقافة الأرمنية وإحياء التاريخ الأرمني وللغة الأرمنية ، وترجموا الكلاسيكيات الأوربية إلي الأرمنية ، وبدأوا كتابة الاعمال الأدبية والتاريخية واللغوية والدينية مستخدمين مصادر باللغتين اللاتينية والإغريقية وغيرهما . وقد نتجت عن هذه الجهود أعمال في القواعد اللغوية ومعاجم وكتب تاريخية ومسرحيات وأعمال لغوية وجغرافية ولاهوتية عديدة . كما أسس المخيتاريون مدارس ، وأصدروا دوريتين هما " بازمافيب " ( البندقية  منذ 1843) ، و" هانديس أمسوريا " ( فيينا منذ 1887 ) .
وخلاصة القول ، استطاع المخيتاريون ، ليس فقط تعريف أوروبا بالماضي الأرمني ، ولكن أعمالهم أيضا وجهت الفكر الغربي إلي الأرمن في الإمبراطوريتين العثمانية والروسية . ولعبت دورا مهما في تشكيل الإحياء الثقافي الأرمني في القرن التاسع عشر.
ولا ريب ان انشطتهم سهلت دراسة التاريخ الأرمني واللغة الأرمنية في أوربا. وقد درس الشاعر الإنجليزي لورد بايرون اللغة الأرمنية معهم في البندقية. وكتب الباحثون دراسات حول التاريخ الأرمني واللغة الأرمنية.
وثمة قوي أخري كانت مسئولة بشكل مباشر عن إيقاظ وعي الأرمن في الإمبراطورية العثمانية . وهنا رغم أن معظم الأرمن  ظلوا ينتمون للكنيسة الأم مع الاستفادة بالتعليم الذي تقدمه الإرساليات ، فإنهم قد تأثروا بالأفكار الأوروبية التقدمية . ومع أن أعداد الأرمن الكاثوليك والبروتستانت كانت لا تزيد عن 3% من إجمالي الأرمن العثمانيين ، فإنهم قد استفادوا في استكمال تعليمهم العالي سواء في بلادهم أو في الخارج، وكذا في الهجرة إلي أوروبا والولايات المتحدة والتمتع – في بعض الأوقات – بحماية دبلوماسية من الأوروبيين أصحاب هذه المذاهب الدينية نفسها . وفي الوقت نفسه ، قامت الطبقة المثقفة بتأسيس بعض المدارس وعشرة مطابع نشرت أعمالا دينية وعلمانية . وقد مول الأمراء كثيرا من هذه المشروعات . وقامت المدارس بدور حيوي في النهضة الأرمنية. وبفضل التنظيمات العثمانية كان لدي الأستانة وحدها ، بحلول منتصف القرن التاسع عشر ، مايقرب من "5000 " تلميذ أرمني في حوالي " 40" مدرسة وكليتين أرمنيتين، وفي كل عام، حصل حوالي " 24 " طالبا علي منح للدراسة في فرنسا . وعقب عودتهم، جاء هؤلاء الطلاب بالأفكار الأوروبية ونشرها من خلال التعليم والكتابة والصحافة في ولايات أرمينية العثمانية الست : فان ، بتليس ، أرضروم ، ديار بكر، خربوط ، سيفاس.
وثمة معلمون وترجمون ومحررو صحف كانوا مسئولين عن يقظة جيل كامل. وقد تمخض عن هذا النتاج ظهور ال" زارتونك" ؛ أي النهضة الثقافية للأرمن العثمانيين التي استمرت طوال القرن التاسع عشر وانتهت بالإبادة ( 1915) . هذا ، وقد أتاحت إصلاحات 1839 ظهور أول دورية باللغة الأرمنية العامية في عام 1840 المسماة " فجر أرارات " ، والتي كانت تنشر ، تبني كثير من الكتاب الأرمن اللهجة العامية السائدة في الأستانة . وفي عام 1852 ، أسست عائلة ديديان مطبعة جديدة في أزمير حيث نشرت خلال ثلاثة عقود حوالي "20" ترجمة إلي الأرمينية  من الأعمال الرومانتيكية الفرنسية والغنجليزية والألمانية ، تلك الأعمال التي أثرت بدورها في بعض الكتاب الأرمن ، كما ترجمت التراجيديات الكلاسيكية إلي الأرمنية أيضا ن وتم اداؤها علي أول مسرح أسس في الأستانة تحت إدارة مجرديتش بيشيكتاشليان ( 1828 – 1868 ) .
ولعبت الصحافة دورا مهما في إحياء الثقافة الأرمنية ؛ فقد أسس الأرمن اول جريدة تنشر في الدولة العثمانية وعنوانها " بيزانطيون " . وبين عامي 1840 1866  ، أسس الأرمن " 14 " دورية في الأستانة من قبيل ماسيس ، بي هايريك . وقد أسس الأب خريميان صحيفتين جد مهمتين هما : نسر فاسبورراجان في فان ونسر تارون في موش . وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، قامت هذه الدوريات بدور محوري في الصحوة الياسية للجماهير الأرمنية التي تقطن الأناضول .
ورغم كل هذا ، وعلي عكس مسيحي البلقان ، لم يتمرد الأرمن أو يثيروا أية قلاقل ضد الباب العالي . ولذا ، أطلق العثمانيون عليهم " الملة الصادقة " . وفي عام 1856 ، صدر " خط همايون " ، الذي قضي  رسميا بأن الطوائف يمكنها اختيار إدارة تمثلها ، تختار من بين أعضاء الطائفة الدينيين والعلمانيين . وبذا ، كانت سلطة البطريرك تنحسر كمتحدث وحيد باسم الملة الأرمنية الرسولية. وفي هذا الصدد ، كان الأرمن أول طائفة قامت بتسليم مسودة في عام 1857 ، ثم لائحة منقحة عام 1859 . ورفض الأمراء ورجال الدين المحافظين كلتيهما . وفي 24 مايو 1860 ، وكحل وسط وافق مجلس دستوري من الأعضاء الدينيين والعلمانيين الأرمن ، علي أن يقوم مجلس منتخب بتنفيذ " دستور نامة الملة الأرمنية " ( الدستور الأرمني ) . وفي مارس 1863 ، قدمت لائحة مع بعض التعديل الطفيف ، وأصبحت جزءا من القانون العثماني فيما يتعلق بشئون الملة الأرمنية.
كان الدستور ثمرة جهد نمط جديد من الأرمن ؛ أي شباب زاروا أوربا او تلقوا تعليمهم في مؤسسات اوربية ، وتأثروا بالأفكار التحرية والدستورية. هذا ، وقد تكون الدستور من " 99 " مادة تعطي الشئون الدينية والمدنية للطائفة علي كل المستويات . وكان قوام المجلس الملي " 140" نائبا و"20" من رجال الدين ، "80" من العلمانيين في الأستانة ، "40" من المراكز الحضرية الرئيسية . وبذا ، لم يكن لمعظم الأرمن من الولايات الست ( أرمينية العثمانية ) ارتباط بهذه الآلية ، وبذا ، لم يكن لها تأثير عليهم .
وبحلول عام 1856 ، تسببت أنشطة المسيحيين وتبسيط الرقابة نتيجة التنظيمات في ظهور جماعة من المثقفين الاتراك عرفوا باسم " العثمانيين الشباب" . كان معظمهم قد درس في فرنسا ، وتأثروا بالليبرالية الاوروبية ، وسعوا لتأسيس حكومة دستورية. وأيضا ، شكل الشباب الأرمن من أبناء الموسرين ، دوائر ثقافية وسياسية في اوربا ، وسوف يبقون هناك، وسوف يقودون انشطة مضادة للحكومة في المنفي الاختياري، كما سيشكلون في النهاية أحزابا ذات تطلعات قومية.
وهكذا ، بعد خمسة قرون من سقوط آخر مملكة أرمنية في عام 1375 ، امتلك الأرمن أخيرا آلية لبدء صحوة سياسية . والثابت تاريخيا أن الأرمن العثمانيين لم يسعوا إلي الانفصال أو الاستقلال عن الدولة العثمانية ، بل طالبوا بإجراء إصلاحات داخلية في الولايات الأرمنية الست : فان ، بتليس ، أرضروم ، ديار بكر ، خربوط ، سيفاس  في نطاق بقائهم ضمن رعاياها.وهنا ، أهملت السلطات العثمانية حل المسألة الأرمنية مما حدا بمثقفي الأرمن وزعمائهم بالأستانة إلي مناشدة الروس  لتبني مستقبل الأرمن العثمانيين في مباحثات السلام إثر الحرب الروسية العثمانية 1877-1878 . وفعلا ، نجحت المساعي الأرمنية جزئيا ، إذ تضمنت معاهدة " سان إستيفانو" المبرمة في 3 مارس 1878 بين الدولتين الروسية والعثمانية المادة " 16"  الخاصة بمسألة الإصلاحات الأرمنية ، وهي نفس المادة التي عدلت إلي المادة " 16" من معاهدة برلين المبرمة في 13 يونية سنتئذ والناصة علي أن : " يتعهد الباب العالي ، وبدون تأخير بإدخال التحسينات والإصلاحات التي تستلزمها المتطلبات المحلية في الولايات التي يقطنها الأرمن، وضمان أمنهم تجاه الجراكسة والأكراد، كما يتعين علي الباب العالي في حين لآخر أن يحيط القوي الكبري التي ستقوم بالإشراف علي تنفيذها ، علما بأي أمر يتعلق بذلك ".
وهكذا ، تصاعدت المسألة الأرمنية عقب معاهدة برلين من كونها مشكلة محلية عثمانية إلي كونها قضية دولية . بيد أن مراوغات الإدارة العثمانية عن تنفيذ الإصلاحات وانشغال الجماعة الدولية عن متابعة القضية الأرمنية ، انزلق بالتوجه  الأرمني العام إلي المسار الثوري لحل القضية بعد فشل تسويتها سلميا .
وبذلك ، تبلورت الطاقات الأرمنية في هيكليات حزبية ثورية سرية وعلنية جيشت قواها داخليا وخارجيا لمزاولة ممارساتها الدعائية والثورية . هذا وقد تمخض عن تنامي المد الثوري الأرمني وانتهاج السلطات العثمانية سياسة قمعية صوبه، اندلاع سلسلة من الاضطرابات والقلاقل والمذابح ضد الأرمن بين عامي 1894 1896 راح ضحيتها عدة آلاف من الأرمن، وهاجرت عدة آلاف أخري منهم إلي البلاد العربية وروسيا القيصرية والبلقان وأوروبا وأمريكا.
وهكذا ، غدت المذبحة آلية عثمانية رسمية للتخلص من الناس حتي لا يتشيثوا بأراضيهم دون مراعاة لأية شرعية دولية أو إنسانية . ولعل ميوعة الموقف الدولي آنذاك قد يسر هذه المهمة علي النظام العثماني. ومع هذا ، عدل الأرمن الثورثون  إستراتيجيتهم وتحالفوا مع جماعة " تركيا الفتاة " بغية إسقاط النظام الحميدي ، وهو مانجحوا فيه فعليا إثر انقلاب 24 يولية 1908 . وبذا ، أسدل الستار علي المرحلة الأولي من القضية الأرمنية لتبدا المرحلة الثانية الاكثر زخما بصعود نجم " تركيا الفتاة " ذات النزعة العنصرية المتطرفة ؛ الطورانية .
تمخض عن فعاليات هذه المرحلة أن صار التخلص من الأرمن ضرورة سياسية للاتحاديين بقدر ماهي اقتصادية ، وعرقية بقدر ما هي دينية  كي تنسجم المنظومة الطورانية. ولهذا ، استغل النظام الاتحادي تقهقر جيوشهم علي جبهة القوقاز، وألقوا لوم الهزيمة علي الأرمن ؛ إذ استغلوا وجود الأرمن الروس المتطوعين يقاتلون في الجيش الروسي واتهموا الأرمن العثمانيين بالخيانة العظمي لأنهم لم يتطوعوا في جيشهم شان أقرانهم الروس. وفي هذا المناخ ، قرر الاتحاديون في فبراير 1915 إبادة الأرمن بالدولة العثمانية ، ووقعت مهمة تنفيذها علي عواتق الدرك والعصابات والتشكيلات المخصوصة.
وفي مارس 1915 قررت الحكومة العثمانية تدمير مركزي المقاومة الأرمنيين الرئيسيين زيتون وفان. وفي مساء 24 أبريل 1915 اعتقلت السلطات الاتحادية أكثر من مائتي أرمني من النخبة المثقفة بالأستانة واغتالوهم جميعا . ومنذ مايو أبرقت السلطات العثمانية أوامرها الصريحة إلي الحكام والقادة العسكريين بترحيل الأرمن عنوة من وطنهم الأم بحجة حماية المدنيين وحماية القوات المسلحة من خيانة متوقعة من الأرمن الممائين  لروسيا.
وفعلا ، نفذت الأستانة هذه العملية في الولايات الشرقية علي مرحلتين : أولا ، قتل كل الرجال الاكفاء، ثم ثانيا ، نفي بقية الأرمن . بيد ان النفي لم يكن سوي الفصل الثاني من برنامج الإبادة.
وفي نهاية يولية 1915 قطع برنامج النفي أشواطا كبيرة ، ولم يعد ثمة أرمن في تلك الولايات التي كانت أوروبا تطالب الباب العالي دوما بإجراء الإصلاحات فيها . بيد أن الاتحاديين قلقوا من الأرمن قاطني غربي الاناضول وقيليقية . ومن ثم ، جاء دورهم منذ نهاية يولية 1915 . وبذلك نجح الاتحاديون تماما في تصفية الأرمن من أراضيهم التاريخية التي قطنوها منذ ما ينيف علي ثلاثة آلاف سنة .
ويكمن أساس هذه المأساة في تبني الاتحاديين المتعصبين قومية متطرفة ، وليس في خيانة الأرمن كما ادعت السلطات العثمانية . والحقيقة أن التخلص من الأرمن وقضيتهم سيجنب الحكومة العثمانية التدخلات الاوروبية المستمروة وسيزيل العقبة الرئيسية بين الأتراك العثمانيين والشعوب التركية الأخري فيما وراء القوقاز وبحر قزوين ، ويمهد السبيل لملكية جديدة أمام أبطال الطورانية .
وفي كلمة موجزة : تطورت فكرة التخلص من الأرمن بشكل متواز مع اندفاع تنامي الطورانية .وبأفول نجم الاتحاديين ( 1918 ) يسدل الستار علي المرحلة الثانية من القضية الأرمنية بعد ان نجحوا في إنجاز الشطر الأكبر من إبادة الأرمن العثمانيين .
ويبدأ الفصل الثالث والأخير ببزوغ نجم الكماليين الذين تبنوا مشروع إقامة وطن قومي لا يقبل التجزئة ، مما يعني رفض قيام دولة أرمنية في شرق الأناضول تضم الولايات  الأرمنية الست وقيليقية . ولكي يقنع الكماليون المجتمع الدولي والأرمن سويا بجدية نواياهم ، صبوا جم غضبهم علي قيليقية وراحوا يطهرونها من الأرمن وبهجمات منظمة علي المدن والقري المأهولة بهم تحت بصر فرنسا وسمعها .
ولم يكترث الكماليون بأوامر الأستانة ، واعتبروا أنفسهم الحكومة الفعلية في الدولة العثمانية ، وهكذا ، أنذر الهجوم التركي علي قيليقية ورفض الفرنسيين الدفاع عنها بموت قيليقية  الأرمنية .
ورغم هذا ، نجحت الدبلوماسية الأوربية في أن تملي علي الأستانة قبول معاهدة سيفر في 10 أغسطس 1920 التي كرست تمزيق الدولة العثمانية واختزالها في دولة أناضولية صغيرة محصورة بين بلدين ماتزال حدودهما غير مرسومة هما أرمينية واليونان. وبغية إسقاط سيفر وتجنب التهديد الذي تشكله " أرمينية مستقلة " ، أصدر مصطفي كمال في أواخر سبتمبر 1920 أمره إلي الجيش التركي باختراق الحدود وسحق الجمهورية الأرمنية القائمة في القوقاز ( 1918 – 1920 ) ، وتابعت دول الوفاق تقدم الجيش التركي في قلب الجمهورية الأرمنية في منتصف نوفمبر حتي احتلت المنطقة بأسرها ، وسيطر الأتراك علي المناطق التي كانت لهم قبل انسحابهم في نوفمبر 1918 .
وأخيرا أبرمت معاهدة لوزان في 24 يولية 1923 بشكل يتماشي مع أماني الأتراك القوميين. إذ إنها اعترفت لتركيا بحدود مستقرة تستوعب تراقيا الشرقية والأراضي المتنازع عليها في الأناضول؛ إقليم أزمير، قيليقية ، ساحل البحر الأسود، الولايات الشرقية ( أرمينية ) . وانعكس الانتصار المطلق للأتراك بأنه لم ترد في بنود لوزان النهائية كلمتا " أرمينية " أو " الأرمن " ، إنما تضمنت نصوصا عامة حول ضرورة عدم الاضطهاد " الأقليات " غير المسلمة عموما في تركيا . وهكذا ، أخليت تركيا من أضخم أقلية غير تركية ، وترسخت أسس الجمهورية التركية بإنجاز مستوي رفيع من التجانس علي حساب الأرمن الذين حكموا عليهم إما بالهلاك أو الشتات .
وتبعثر الناجون من الأرمن علي ظهر البسيطة ليكونوا بمثابة بصمات الجاني علي جسد المجني عليه .

عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى