منتديات عطا درغام
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» التحليل النفسي للجنون
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:53 من طرف عطا درغام

» محاكمة ألف ليلة وليلة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:50 من طرف عطا درغام

» فنون الحياة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» المسألة الكردية: الوهم والحقيقة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» أسود سيناء
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:48 من طرف عطا درغام

» 100 عام من الإبادة إلي السيادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:51 من طرف عطا درغام

»  يعقوب أرتين ودوره في الحياة المصرية (1842-1919)
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» مئة ..وتستمر الإبادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» القرصنة في البحر المتوسط في العصر العثماني:
السبت 12 مارس 2016 - 19:25 من طرف عطا درغام

» الأرمن في مصر في العصر العثماني
السبت 12 مارس 2016 - 19:24 من طرف عطا درغام

 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث

الولايات المتحدة الأمريكية والقضية الأرمنية 1915 -1923

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الولايات المتحدة الأمريكية والقضية الأرمنية 1915 -1923

مُساهمة من طرف عطا درغام في الثلاثاء 30 يونيو 2015 - 13:59

الولايات المتحدة الأمريكية والقضية الأرمنية
1915 -1923
الباحثة :غادة خميس شعبان موسي
عرض : عطا درغام
في إطار سسلسلة حلقات الدراسات التاريخية التي تتعرض للقضية الأرمنية ، تأتي دراسة الباحثة غادة خميس شعبان موسي بعنوان (الولايات المتحدة الأمريكية والقضية الأرمنية 1915 -1923) ، وتعرض فيها لموقف الولايات المتحدة الأمريكية من القضية الأرمنية خلال الفترة مابين 1915 ( عام الإبادة الأرمنية ) وحتي عام 1923 ، الذي شهد وأد القضية الأرمنية علي الساحة الدولية بموجب معاهدة لوزان (يولية 1923) ؛ إذ فرضت الولايات المتحدة نفسها كقوة علي المجتمع الدولي بسياستها التي تعد إرثا من التناقض، حيث دفعتها المصالح للاهتمام بالقضية الأرمنية ، هي نفسها المصالح التي أدت إلي التخلي عنها .
وتطرح الباحثة سؤالا ، تجيب عنه الدراسة مؤداه : هل اهتمام الولايات المتحدة بالقضية الأرمنية يعد جزء لا يتجزأ من مشروعها الكبير في وراثة دورالقوي التقليدية ، لا سيما بريطانيا رغم زعمها بانتهاج سياسة العزلة ؟ أم أنها كانت مجرد توجهات عاطفية وإنسانية إزاء شعب مسيحي ؟
وتشير الباحثة إلي أهمية الدراسة في أنها تشكل خطوة مهمة ، ليس لاستكشاف أفق السياسة الأمريكية فحسب ، بل الأهم شطر الدولة العثمانية وأوربا.
فقد أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية قوة محورية في العلاقات الدولية خلال فترة تسويات ما بعد الحرب وركنا لا يستهان به في صناعة القرار السياسي الدولي..
وتذكر الباحثة الصعوبات التي اكتنفت الدراسة ، وتمثلت في : الضبابية التي اتسمت بها السياسة الأمريكية إزاء القضية الأرمنية مما استلزم جهدا فائقا في تحليل ورصد ومقارنة الأحداث ، و تباين الآراء وتضادها، وصعوبة التعامل مع المراجع الأجنبية التي تباينت في أشكالها وتنوع لغاتها مابين الإنجليزية والفرنسية والتركية .بالقضية الأرمنية مما استلزم جهدا فائقا في تحليل ورصد ومقارنة الأحداث ، و تباين الآراء وتضادها، وصعوبة التعامل مع المراجع الأجنبية التي تباينت في أشكالها وتنوع لغاتها مابين الإنجليزية والفرنسية والتركية .
اعتمدت الباحثة في دراستها علي المنهج الوصفي التحليلي القائم علي وصف ورصد وتحليل الأحداث، وكذلك المنهج المقارن في ضوء مقارنة مجموعة من الأحداث التي اعترضت السبيل طوال مدة الدراسة.
قسمت الباحثة الدراسة إلي أربعة فصول ، تسبقها مقدمة وتنهيها خاتمة .
جاء الفصل الأول تحت عنوان " الولايات المتحدة الأمريكية والقضية الأرمنية قبيل الحرب العالمية الأولي "، وقد تعرض لبداية العلاقات الأمريكية بالأرمن العثمانيين داخل الدولة العثمانية في ضوء مبدأ مونرو.
وتشير الباحثة إلي أن بداية المعرفة الأمريكية بالأرمن، كان من خلال عمل البعثات التبشيرية الأمريكية التي وصلت إلي أراضي الدولة العثمانية عام 1810 ، ونجحت في وضع الأساس لعمل تبشيري استمر لأكثر من مائة عام ، وقد قام هؤلاء المبشرون بنقل خبراتهم في الشرق الأدني من خلال مذكراتهم الشخصية والببلوجرافيا التي قدمت للرأي العام الأمريكي الأقليات والثقافة العثمانية.
نما عمل هذه البعثات خلال القرن التاسع عشر خلافا للسياسة الأمريكية التي ظلت متمسكة بمبدأ العزلة التي وضع أساسها جورج واشنطن في مرسومه الصادر في 22 أبريل 1793 ، والذي عرف باسم إعلان الحياد، وسار علي نهجه من خلفه من الرؤساء حتي جيمس مونرو الذي قام بصياغة تصريح رسمي ، اتخذ نبراسا للسياسة الأمريكية ، وهو ماعرف بمبدأ مونرو الصادر في 3 ديسمبر 1823 ، الذي لم يكن سوي مرحلة تاريخية من مراحل البناء الداخلي والاقتصادي لنمو الأمة الأمريكية الجديدة في إطار وحدتها الجغرافية في حدود دوائرها السياسية الإقليمية.
ثمة حقيقة جدير بالذكر مؤداها : أن المصالح التجارية الأمريكية كانت السبب وراء الوصول الأمريكي إلي أراضي الدولة العثمانية ، ونجحت في تعيين أورفلي قنصلا في أزمير عام 1824 ، ومن أجل تقديم رعايا أكثر للمصالح الأمريكية المبعثرة في الدولة العثمانية تم تأسيس قنصلية عامة في الأستانة وتعيين قنصل عام بها ، كما تم تعيين ثمانية قناصل في الأسكندرونة وبيروت وأرضروم وخربوط والقدس وسيواس وأزمير وبغداد، ثم أعقبها افتتاح قنصليات أخري في حلب ومرسين وطرابيزون وسيواس وأزمير وبغداد، ومع هذا ليس لم يكن هناك سفير أمريكي بصفة رسمية لدي الدولة العثمانية حتي عام 1906 .
وفي البداية اقتصرت مهمة الدبلوماسيين الأمريكيين علي تقديم الحماية للمواطنين الأمريكيين ومصالحهم الفردية والجماعية مع الامتناع عن التدخل في السياسة الداخلية للدولة العثمانية ؛ لأن ذلك يتوافق مع السياسة الداخلية التقليدية للولايات المتحدة .
وتؤكد الباحثة أن أصول المصالح الأمريكية في الدولة العثمانية والتي أوجدت علاقات مباشرة إلي الأرمن، ترجع إلي ذلك النشاط غير الرسمي من جانب البعثات التبشيرية التي استطاعت أن تؤسس عدة مراكز لها في الدولة العثمانية ،ولعبت دورا محوريا في حياة هؤلاء الأرمن العثمانيين .
أدركت الإرساليات الأمريكية البروتستانتية أهمية التعليم في ميدان العمل التبشيري ، ولذا أقبلت الإرساليات الأمريكية علي التعليم ومولته بالأموال الكثيرة وزودته بالمبشرين المتحمسين،وقد منح تأسيس هذه الإرساليات للأرمن الكاثوليك والبروتستانت فرصا لمواصلة تعليمهم في وطنهم الأم أوفي الخارج ،ومن ثم الهجرة إلي أوربا والولايات المتحدة الأمريكية .
كما أدخلت الإرساليات التبشيرية الصحافة المطبوعة والدوريات الأدبية ، مما ساهم في تطوير الأرمن لمراكزهم الثقافية ، وإحياء دراسة اللغة الأرمنية الكلاسيكية ، ونشر الإنجيل باللغة الأرمنية القومية. يضاف إلي ذلك حرص البعثات التبشيرية علي إنشاء المدارس ونشر التعليم العالي تمثل في إنشاء العديد من الكليات الأمريكية : كلية سوكوتري للبنين والبنات ، المعهد العالي للبنات في أزمير، كلية الفرات في خربوط وكلية أخري للبنات في مرعش، مما كان له أكبر الأثر في تخرج عدد كبير من الأرمن أسهم في النهضة الأرمنية وتطويرها ومنهم خشادور أبوفيان مؤسس الأدب الأرمني الحديث.
وامتد نشاط الإرساليات التبشيرية إلي إرسال آلاف الأرمن للولايات المتحدة الأمريكية للحصول علي دورات متنوعة وهو ماجعل رجال بعثات الإرساليات التبشيرية يقولون " إن أمريكا اكتشفت الأرمن وإن الشعب الأرمني يدين بما لديه من وعي وأفكار عرقية للتأثير الأمريكي".
وتتطرق الباحثة إلي الموقف الأمريكي من الإصلاحات السياسية للأرمن ، حيث أشارت إلي ترحيب الولايات المتحدة بحركة التنظيمات بداية من الخط الشريف الذي أصدره السلطان محمود الثاني في 26 مايو 1836 ثم خطي كلخانة في عهد السلطان عبد الحميد الأول وهما : خط كلخانة في 3 نوفمبر 1839 وهمايوني في 18 فبراير 1856 ، وبمقتضاهما كفل أمن الرعايا المسيحيين وأرواحهم وأعراضهم وملكياتهم ، وألغي ضريبة القواعد العسكرية وسمح لأهل الذمة بأداء الخدمة العسكرية.
ورغم فشل تطبيق هذه التنظيمات بشكل عام ، فإن الجو الذي خلقته قد أدي إلي إحداث بعض التغييرات في الحياة الأرمنية علي المستويين السياسي والفكري.
وتشير الباحثة إلي تفاقم المسألة الأرمنية مع هذه التغيرات والتطورات، إذ تشير إلي تدخل روسيا التي تسعي لتحقيق طموحها في الدولة العثمانية ، واستخدمت الأرمن كأداة للوصول إلي الأستانة بوصفها حامية للشعوب السلافية التي تحتج بشدة علي سوء معاملة المسيحيين داخل الإمبراطورية ولا سيما البلقان ، مما أدي إلي تأزم الموقف وتدخل الدول الكبري، أعقبه عدة اجتماعات ، فعقد اجتماع في الأستانة في 23 ديسمبر 1876 نتج عنه دستور ليبرالي ساوي فيه بين جميع الرعايا العثمانيين ، واجتماع آخر في لندن في 31 ديسمبر 1877 أسفر عنه تقديم ورقة للسلطان عبد الحميد عرف باسم "بروتكول لندن" تضمنت فيه الدول الأوربية للإصلاحات التي وعدت الحكومة العثمانية بإجرائها.
وخلال تلك الفترة بعد انتهاء الحرب الروسية التركية التي اندلعت في 24 أبريل 1877 واستمرت ثمانية أشهر ، رضخت روسيا للإنذار البريطاني ، وبدأت المفاوضات مع الدولة العثمانية ، وأسفرت علي توقيع صلح أدرنة في 31 يناير 1878 ، والتي مهدت الطريق لتوقيع معاهدة ( سان إستيفانو) في 3 مارس 1878 وجاءت مادتها "ال16 " الخاصة بالأرمن ،وتعد هذه المعاهدة أول معاهدة في العصر الحديث يرد فيها اسم أرمينيا ، لكن جاء اعتراض الدول الكبري التي رأت انفراد روسيا بالمكاسب في البلقان والقوقاز ، وخشيت بريطانيا أن تؤدي سان استيفانو إلي زوال الإمبراطورية العثمانية وظهور العملاق الروسي كقوة جديدة، الأمر الذي يؤدي إلي الإخلال بمبدأ التوازن الدولي.
وفي ظل هذه الظروف ، بدأت فعاليات مؤتمر برلين خلال الفترة من 13 يونية وحتي 13 يولية 1878 ، وفي 13 يويو 1878 خرجت معاهدة برلين ، وذكرت المسألة الأرمنية في المادتين 61 ، 62 . واللتين كانتا مخيبتين لآمال الأرمن في الاستقلال.
وتشير الباحثة إلي تجاهل الإصلاحات التي أقرتها معاهدة برلين نتيجة تقصير أوربا في القيام بواجبها تجاه القضية الأرمنية ،وبتقصيرها أصبحت بصفة غير مباشرة مصدر كل تعقيد أحاط لاحقا بالقضية الأرمنية، مما أدي إلي سوء العلاقة بينه وبين الأرمن ، فحدثت المذابح الأرمنية الرهيبة .
ومع ازدياد الاضطرابات الأرمنية في عام 1893 ، صارت المؤسسة التعليمية الأمريكية مصدرا من المصادر الرئيسية للفتنة ، فقامت السلطات العثمانية بفتح جميع الرسائل الخاصة بالإرساليات الأمريكية والمؤسسات التابعة لها في المناطق التي شهدت قلاقل وفتن ، الأمر الذي دفع القنصل الأمريكي في مارسوفان مخاطبة الوزير الأمريكي بالأستانة لوضع حد لهذه الاتهامات.
ومنذ منتصف عام 1891 وحتي منتصف عام 1894 قام الثوار الأرمن بسلسلة من الانتفاضات والاغتيالات في الولايات الأرمنية والعاصمة العثمانية ، قابلها الباب العالي بسلسلة من التنكيلات والمصادرات والمحاكمات .
وفي المدة من 15 أغسطس إلي 15 سبتمبر 1894 ، وقعت مذبحة ساسون ، وحاول السلطان العثماني أن يمنع تسرب أحداث ساسون إلي أوربا وأمريكا ، وإزاء ردود الفعل الغاضبة اضطرت الحكومة العثمانية في 22 نوفمبر 1894 إلي إرسال بلاغ رسمي إلي الخارجيات الأوربية والأمريكية خلاصته أنها اتبعت هذا السلوك لإخماد الفتنة التي أشعلها الثوار الأرمن. ورغم المبررات أصرت الدول الأوربية علي تشكيل لجنة تحقيق في ملابسات أحداث ساسون.
وتشير الباحثة إلي حقيقة مهمة مؤداها ، أنه نتيجة لتغير الموقف الأمريكي إزاء السياسة العثمانية بات واضحا أنه بدأ ينظر إلي الأمريكان علي أنهم حلفاء الأرمن ، وأن أمريكا هي المقر الرئيسي للنشاط الثوري الأرمني ، وسعي الأرمن إلي الحصول علي الجنسية الأمريكية للاحتماء بها من ملاحقة السلطات العثمانية وتحقيق أنشطتهم الثورية ،وهو ما لم تجهله الدولة العثمانية فشددت مراقبتها علي الأرمن الحاملين للجنسية الأمريكية ، وقامت بإلقاء القبض علي كل من اشتبه فيه.
ومن جانب آخر ، بدأت الدولة العثمانية تضع العراقيل علي سفر الأرمن إلي الولايات المتحدة، وبلغ بالسلطان عبد الحميد أن أعلن نيته في طرد كل الأرمن الحاملين للجنسية الأمريكية منذ عام 1869 .
ومع تصاعد الأحداث أرسلت الحكومة الأمريكية البارجتين ماريل هيد وسان فرانسيسكو إلي المياه العثمانية لمتابعة الاضطرابات الأرمنية وتوفير الحماية للمواطنين الأمريكيين.
وتشير الباحثة إلي أنه نتيجة للمذابح العثمانية التي شهدها القرن التاسع عشر ضد الأرمن بداية هجرة الأرمن فرارا من سوء المعاملة وتدهور الأوضاع داخل الأراضي العثمانية إلي أوربا ، وإذا لم تكن الولايات المتحدة قد قامت بدور سياسي فعال لمساعدة الأرمن إلا أن الأراضي الأمريكية احتضنت عددا كبيرا منهم.

وكان لتواجد عدد كبير من الأرمن في الخارج له أكبر الأثر في تعاون الحركات الثورية الأرمنية مع الحركات العثمانية المعادية للسلطان ، فاتحد حزب الطاشناق مع تركيا الفتاة في أول مؤتمر للأحرار العثمانيين المنعقد في باريس بين يومي 4-9 فبراير 1902 ، والمؤتمر الثاني في باريس خلال الفترة من 27-29 أغسطس 1907 .وفي 24 يوليو 1908 أعيد العمل بالدستور الذي أوقف العمل به منذ 30 عاما.
وما أن شاعت أنباء عودة الدستور، حتي بدأت أفواج المنفيين السياسيين من عرب وأرمن تتدفق علي العاصمة، كما أصدر السلطان فرمانا بالعفو عن جميع السجناء السياسيين ، ولقد منح الدستور جميع الشعوب نفس الحقوق والواجبات دون تميز في الدين أو العرف أو القومية .
ورغم ذك ،ومثلما بدأت مذابح أضنة فجأة توقفت فجأة . وإزاء هول الكارثة وضغظ الرأي العام المحلي والأوربي ، بدأت الحكومة مضطرة إلي إجراء تحقيق لم يكشف نتائجه عن المحرضين الحقيقيين للمذابح ، كما لم يساعد الجو السياسي السائد وقتذاك القيادات الأرمنية علي الإصرار علي إجراء تحقيقات متعمقة والحصول علي تعويضات عن الخسائر في الأرواح والأموال.
وتشير الباحثة إلي حدوث تغيرفي العلاقات العثمانية الأمريكية نتيجة سياسة السلطان عبد الحميد الاستبدادية، وعندما تولي السلطان محمد الخامس نظرت الحكومة الأمريكية إلي نظامه الجديد بعين الرضا ؛ إذ رأوا فيه بداية جديدة لعهد جديد من الإصلاح والحكم الدستوري ،لكن سرعان ماحدث تحول في هذه العلاقة، فقد شهدت الفترة مابين عامي ( 1908-1914 ) مجموعة من التحولات المأساوية غير المتوقعة ، وذلك عندما تحول العثمانيون الشبان من دعاة المساواة إلي متعصبين متطرفين ، صمموا علي خلق نظام جديد وعلي طمس المسألة الأرمنية.
وإزاء كل هذه الأحداث ، ثمة تناقض أوربي من المسألة الأرمنية ؛ إذ حددت كل حكومة أوربية موقفها من المسألة الأرمنية في ضوء المصالح الخاصة بكل منها،
وتستعرض الباحثة في الفصل الثاني ( المذابح الأرمنية في الدولة العثمانية 1915-1916 )، الذي تناولت فيه موقف كل من الأرمن والأمريكيين من دخول الدولة العثمانية الحرب وسيناريو الإبادة الذي وضعه العثمانيون للتخلص من الأرمن ، وذلك من خلال روايات المبشرين الأمريكيين في المقام الأول والمصادر الأمريكية والتي من المفترض أنها اتسمت بالحيادية ؛ لأنها لم تكن طرفا في الصراع الدولي في تلك الفترة.
تؤكد الباحثة أن المبشرين الأمريكيين توصلوا من خلال الأعمال اليومية في شبكة من المؤسسات الدينية والتعليمية تعمل تحت رعاية اللجنة الأمريكية للإرساليات الأجنبية إلي فهم أساساد التواجد في الإمبراطورية العثمانية عن كثب ، مما ساعدهم علي ان يكونوا أكثر الجنسيات الأجنبية فهما للعلاقات العثمانية الأرمنية ، لذا أصبحت التقارير التي قدمها المبشرون الأمريكيون المتمركزون في المقاطعات الأرمنية المختلفة في عامي 1915-1916 لجيمس بارتون رئيس لجنة تقصي الحقائق الأمريكية أداة أساسية لكشف حقيقة ما حدث للأرمن خلال هذه الفترة علي الأراضي العثمانية .
ففي الثاني من نوفمبر 1914 يصدر أنور باشا إلي الأميرال سوشون بمهاجمة الموانيء الروسية في البحر الأسود ، لتعلن روسيا الحرب علي الدولة العثمانية ، والخامس من نوفمبر تضم روسيا وبريطانيا صوتيهما إلي صوت القيصر ، ليجيء دور محمد الخامس ليعلن الحرب في 11 نوفمبر 1914 ، وحدث ما يخشاه الأرمن، وشهدت هضبتهم الحرب الثالثة عشر والأخيرة بين روسيا والدولة العثمانية ، الجولة الرابعة بينهما منذ ضم أرمينيا الشرقية إلي روسيا.
وفي حين كان علي القوات العثمانية أن تحارب في ست جهات، ظلت جبهة القوقاز جبهتها الرئيسية ، وكان الأرمن الروس انخرطوا في الجيش إعلان عشية إعلان روسيا الحرب ،وهو مالم يفعله الارمن العثمانيون، بل الأكثر من ذلك شهد الجيش التركي عددا ليس بقليل من حالات فرار الأرمن من الجندية .
ومما زاد من صعوبة الموقف أن الدولة العثمانية صبغت دخولها الحرب صبغة دينية عندما أعلن شيخ الإسلام مصطفي خيري في 23 نوفمبر 1914 فتوي الجهاد الديني ، وأقره السلطان محمد رشاد الخامس بصفته المدعاه وهي خلافة المسلمين باعتباره فرض عين علي جميع مسلمي العالم ضد الدولة المسيحية باستثناء الألمان والنمساويين باعتبارهم حلفاء الدولة العثمانية .
وأعقب تعليق منشور الجهاد موجة من العنف اجتاحت الولايات العثمانية ؛ مثلما حدث في أرضروم، حيث دمرت كل النوادي والمدارس والكنائس الأرمنية وقتل أربعة من الأرمن بينهم امرأة في الشوارع.
ونشرت الصحافة الأمريكية " بأن المسيحيين يشنقون في الشوارع والميادين دون محاكمة ، وتظل جثثهم معلقة لأسابيع علي أعمدة الإنارة في الشوارع والأتراك من المارين يبصقون علي الجثث ".
وخلال المعارك بين القوات العثمانية والروسية ،عاني المدنيون الأرمن علي يد الأتراك الذين اتهموهم بالخيانة ، ليبدأ سيناريو الإبادة الجماعية للأرمن ، ولتكون بلدة أورمية الفارسية هي أولي المناطق التي شهدت المذابح ، ففي رواية الطبيب الأمريكي سيدر بأنه : قتل ما لا يقل عن 800 أرمني و2000 آخرين توفوا نتيجة الأوبئة ، وإن أكثر من نصف سكان البلدة فروا إلي روسيا ".
وبعد الفشل العثماني علي جبهة القوقاز واندحاره في الخليج العربي وفشل حملة جمال باشا علي السويس وتراجعه أمام تقدم الحلفاء في الشرق، كان لابد من كبش فداء لتعليق الفشل عليه ، ووجدوا ضالتهم في الأرمن متهمين إياهم بالخيانة العظمي ؛ لأنهم لم يعاونوهم ويتطوعوا في الجيش العثماني أسوة بالأرمن الروس.
لذا ، حرص العثمانيون علي إنزال أقصي عقوبة بهؤلاء، وبدأت باعتقال الفارين من الخدمة العسكرية وإعدامهم في الحال دون إجراء محاكمة ، كما اتهم الأرمن بالتجسس ونصبت المحاكم العسكرية في كل مكان ، وألقي القبض علي كل من كان موضع شك .
وقد أخبر أنور باشا وزير الحربية السفير الأمريكي بالأستانة أن الحكومة العثمانية مع بدء عملياتها العسكرية في القوقاز قد أرسلت إلي بعض زعماء الأرمن تحذيرا بانه إذا ما قدم أي أرمني أدني مساعدة للروس ، فإنها لن تكتفي بإجراء التحقيقات بل ستنزل العقاب بالشعب الأرمني كله ، مما جعل الأرمن يدركون أن تركيا الفتاة تبنت سياسة عبد الحميد بإبادة الأرمن .
وتشير الباحثة إلي اختلاف المؤرخين في تحديد تاريخ الاتحاديين اتخاذ قرار إبادة الأرمن في الدولة العثمانية ، فالفريق الأول ذهب إلي أن هذا القرار قد اتخذ في عام 1910 أثناء انعقاد مؤتمر الحزب في سالونيك ويدعمون رأيهم ببرقية السفير البريطاني جيرالد لوثر إلي السير إدوار جراي وزير خارجية بريطانيا في 6 سبتمبر 1910 والتي يشير فيها إلي " أن جمعية الاتحاد والترقي عدلت نهائيا عن فكرة تتريك جميع الشعوب غير التركية بالطرق الدستورية وبأساليب الاستمالة وكسب العواطف.. إن سياستها في عثمنة الإمبراطورية ؛ تعني سحق العناصر غير التركية ".
أما الفريق الثاني ، فيري بأن الاتحاديين انتهزوا الفرصة التي سنحت لهم أثناء الحرب ولا سيما أن أعمال البرلمان العثماني قد توقفت في الفترة الممتدة مابين شهري مارس وسبتمبر 1915 بموجب مرسوم سلطاني ، مما جعل اعتراض المندوبين الأرمن مستحيلا ،ويدعم هذا الفريق رأيه بدليلين :
أولهما : مذكرة اجتماع الاتحاديين ، الذي عقد في نهاية يناير 1915 ، ونشرت من قبل الصحفي الكردي مولان زادة رفعت، حيث تشير بعض العبارات الواردة علي لسان المجتمعين باعتزامهم علي إبادة الارمن.
الدليل الثاني : ما ذكره السفير الأمريكي مورجنتاو في مذكراته في ربيع 1914 وضع الأتراك خطتهم لإبادة الشعب الارمني وانتقدوا أسلافهم لعدم تخلصهم من الشعوب المسيحية أوهدايتهم للإسلام منذ البدء.
سبق السيف العذل، وحدثت عمليات الإبادة الجماعية للأرمن، وقد نجح رجال البعثات التبشيرية الأمريكية خاصة ، والقناصل الأمريكيين وعلي رأسهم السفير الأمريكي هنري مورجنتاو بتزويد الحكومة الأمريكية بصورة ماحدث داخل الأراضي العثمانية من مذابح الارمن .
اعتمدت الباحثة علي هذه الروايات بالإضافة إلي ملفات الخارجية الأمريكية في تحديد مراحل سيناريو الإبادة الذي اتبعه العثمانيون.
فتمثلت الخطوة الرئيسية الأولي في تجريد الأرمن من السلاح ، بدءا بالجنود الذين كانوا يخدمون في الجيش التركي وانتهاء بالسكان المدنيين الذين سمح لهم بحمل السلاح منذ عام 1908 ، وتذهب روايات بأن الألمان هم من أشاروا علي العثمانيين ذلك ، ليحرموا الأرمن من كل وسائل الدفاع عن النفس.
وأخذت الحكومة العثمانية تشدد من رقابتها علي الأرمن ، فألغت تذاكر المرور الداخلية التي كانت تتيح لهم الانتقال عبر أنحاء البلاد ، أما الأرمن الحاملين لجنسية إحدي الحكومات الحليفة أو المحايدة ومنها الأمريكية والراغبين بالسفر إلي الخارج، فكان عليه أن يسرد الأسباب الشخصية او التجارية لسفره علي ألا يدخل البلاد مرة أخري حتي انتهاء النفير العام، علي ألا يسمح لأي أرمني يحمل أي جنسية إلي الدخول من الخارج إلي الممالك العثمانية.
وتاتي الخطوة الثانية وفقا لسيناريو الإبادة ، وتتمثل في القضاء علي زيتون وفان .
فمنذ مارس 1915 ، قررت الحكومة العثمانية تدمير مركزي المقاومة الرئيسيين وهما : زيتون وفان ، فكان أول من تعرض للترحيل والقتل هم أرمن زيتون الواقعة في ولاية مرعش بقيليقية والتي كانت مركزا تقليديا لمقاومة الأرمنية.
بدأت الأحداث بمهاجمة 30 جنديا من شباب زيتون جنود الدرك العثماني لاتهامهم باغتصاب الفتيات الأرمنيات ، إلا أن هؤلاء تنصلوا من المسئولية بمساندة السكان المحليين .
وفي 18 أبريل 1915 ، صدرت الأوامر بنفي سكان المدينة، فيما بين 4300 و4500 أسرة مكونة من حوالي 28 ألف نسمة تم نقلهم من زيتون ومارش إلي شمال غرب حيث أقاليم قونية وقيصرية وكاسيتا موني وغيرها . في حين سيق آخرون إلي جنوب شرق في مناطق بعيدة كدير الزور.
وخلال عدة أسابيع ، أخليت زيتون والقرى المحيطة بها ، وانتهت من الوجود كبلدة أرمنية فطرد سكانها وتشردوا واحتل العثمانيون المدينة، وغيروا اسمها ليحل محل هؤلاء الأرمن المسلمون النازحون من مناطق الصراع في تراقيا وبلغاريا ، وهو النهج الذي سارت عليه الحكومة ،وأكدتها الوثائق الروسية التركية.
في الفترة الممتدة من 15-18 أبريل 1915 ، نهب الجنود العثمانيون 80 قرية أرمنية ، كان قد أعيد احتلالها من قبل العثمانيين وذبحوا سكانها ، ثم في 15 أبريل صدرت الأوامر بتجميع 500 شاب أرمني لسماع أوامر السلطان ، عند الغروب ساروا علي الاقدام خارج المدينة ، وقتل كل واحد منهم بالرصاص بشكل وحشي ، وخلال ثلاثة أيام بلغ عدد القتلي في الإقليم 24 ألف، تبعها حدوث مشادات في قرية شاداك الأرمنية بين الأرمن والعثمانيين.
وتورد الباحثة رواية الآنسة جرايس المقيمة بمدينة " فان " " عندما طلب جودت من أرمن المدينة أن يزودوه بثلاث آلاف رجل ،وكان أرمن فان يستشعرون المصير الذي ينتظر أي رجل يتم تسليمه، فلجاوا إلي وساطة الطبيب الأمريكي أوشر ليخفض عدد المطلوب تجنيدهم إلي أربعمائة شاب ويدفع البدل النقدي عن الباقي، وهو ما قوبل بالرفض " ، وسرعان ماتصاعدت الأمور وهدد جودت إذا ما أطلق المتمردون طلقة واحدة .
وفي 20 أبريل 1915 اشتعل الموقف عندما حاول عدد من الجنود الأتراك اغتصاب بعض النسوة الأرمنيات وقتلهم رجلين من الأرمن حاولا منعهما ، وقد شهد هذه الحادثة كل من الطبيب أرنست باور والمبشر السويسري الهير سبوري.
وأصدر جودت بك أوامره عبر الإقليم " يجب القضاء علي الأرمن ، وإذا قام أي مسلم بحماية مسيحي أولا سيحرق منزله ثم يقتل المسيحي أمام عينيه ، ثم يقتل هو نفسه وعائلته.
وفي نفس الوقت ،أخذ أرمن فان يستنفرون المتطوعين الأرمن في أذربيجان لمساعدتهم في مواجهة الأكراد والعثمانيين المتكالبين عليهم ، ولإثارة الرأي العام لصالح أرمن فان ، قام اللاجئون الأرمن الذين تمكنوا من الوصول إلي الخطوط الروسية بنشر أنباء عن استمرار ذبح المسيحيين علي يد المسلمين ، إن أكثر من سكان عشر قري بالقرب من فان أعمل فيهم القتل جميعا ، ومن ثم صبغوا الصراع علي أنه صراع ضد المسيحية ،وكأن الحروب الصليبية أخذت تفرض ظلالها مرة أخري علي العالم.
تشير الباحثة إلي انضمام الروس إلي الأرمن في فان في حربهم ضد العثمانيين ، وتمكنوا من إقامة دولة أرمنية في فان ، إلا انها لم تستمر طويلا . فسرعان ماتبخرت آمال الأرمن والروس بعد الهجوم الذي قامت به القوات العثمانية بقيادة جودت بك ، فاستطاع تحرير فان من الروس والأرمن ، فانهارت الدولة الأرمنية الجديدة وولت القوات الروسية الأدبار، وهرب في إثرها مائتا ألف لاجيء حيث صدرت الأوامر بالفرار مع الجيش الروسي .
وثمة عدة آراء أشارت إليها الباحثة حول تقييم دور ثورة فان وفيما تلاها من مذابح الأرمن ، ثمثلت في ثلاث اتجاهات :
الاتجاه الأول: الكتابات الأرمنية التي حاولت التقليل من فان ، بأنها لم تكن سوي دفاع عن الحي الأرمني في المدينة.
والاتجاه الثاني : الكتابات التركية، فذهب الكاتب التركي غورون- إلي أن أرمن فان قاموا بتسليم المدينة للروس، وعرضوا أمن تركيا للخطرلما اقترفوه من أعمال التخريب والتجسس والانتفاضة ، مما أوجب ترحيلهم من خط الجبهة والمناطق القريبة من خطوط السكك الحديدة وخطوط الاتصالات .
الاتجاه الثالث: ويتزعمه المؤرخ جستن مكارثي، فوصف ماحدث بأنه حرب أهلية نظرا لوجود عدد كبير من السكان المسلمين في منطقة القوقاز في الإمبراطورية الروسية قاموا بمساعدة العثمانيين ، وإن الأنشطة الأرمنية في الجزء الخلفي من الجيش العثماني كانت عاملا هاما في الهزائم العثمانية .
وفي الخطوة الثالثة من سيناريو الإبادة : اعتقال المثقفين الأرمن ، حيث قدمت ثورة فان مبررا للحكومة العثمانية القيام بحركة اعتقالات واسعة النطاق للسياسيين والمفكرين الأرمن ، ليس فقط في العاصمة ،ولكن أيضا في شتي الولايات التي يسكنها الأرمن .
زعم الاتحاديون بوجود خيانة أرمنية واسعة النطاق قادتهم إلي تنظيم محاكمة ملفقة، بلغت ذروتها بشنق أعضاء حزب الهنشاك المودعين غيابات السجون الاتحادية منذ أكثر من سنة ، ومن ثم إتماما لهذه المرحلة اعتقلت السلطات التركية ( 600) شخص من أرض روم و500 شخص من سيواس و800 من ديار بكر و200شخص من قيصارية ليواجهوا المصير ذاته، وتهمتهم الوحيدة أنهم أرمن كما يعلق مورنجتاو .
وتؤكد تقارير لجنة التحقيق الأمريكية الواردة من خربوط بأنه " تم القبض علي الأساتذة الجامعيين والمدرسين وأكثر الاشخاص المؤثرين في المجتمع، وتم سجنهم ليوم أو يومين ، ثم أخذهم إلي الجبال قرب ميدان باخور وأطلقت النارعليهم وقطعت رءوس القياديين من بينهم للتأكد من موتهم.
وفي إطار السياق نفسه يؤكد أحد القساوسة الأمريكيين – الذي ظل يعمل إرساليا في الدولة العثمانية لمدة أربعين عاما – بأن في قيصارية وسيفاز وطرابيزون وماورد وغيرها من البلدان تعرض وجهاء الأرمن ورموزهم الثقافية للشنق والإعدام رميا بالرصاص ، وقد فشلت المساعي لإطلاق سراحهم .
وتأتي الخطوة الأخيرة من سيناريو الإبادة وفقا للسيناريو الذي أشارت إليه الباحثة ، وسنوردها من خلال تقارير القناصل وشهود العيان الأمريكيين .
وتشير التقارير إلي تشابه الاستراتيجية المتبعة في تنفيذ برامج النفي التي نفذها العثمانيون بحق الأرمن ، وإن اختلفت في التفاصيل . يخرج المنادي في شوارع المدن والقري ليعلن أنه علي كل ذكر أرمني أن يحضر إلي دار الحكومة، ولكن طلب التواجد أمام دار الحكومة كان يعتبر مرحلة مبدئية ، فيزج بهم في السجون لمدة يوم أو يومين ، ثم يقتادونهم إلي خارج البلاد في مجموعات مقيدة بالحبال معلنين أن وجهتهم إلي الجنوب إلي الموصل أو دير الزور.
ونظرا لأن معظم الرجال تم تجنيدهم إجباربا ،فإن أربعة أخماس المهجرين كانوا من النساء والأطفال، وقد حاولت بعض الأسر الأرمنية حماية أطفالها من الترحيل بوضعهم لدي المؤسسات التابعة للدول الحليفة للدولة العثمانية والمحايدة ، فاستقبل الطبيب الامريكي كرافورد وزوجته ثلاثمائة طفل تركهم أهلهم من الأرمن مع بعض الأموال والمتعلقات .
وعلي جانب آخر تم بيع عدد كبير من الصبية والفتيات في أسواق الرقيق بأسعار لم تتجاوز في بعض الأحيان عشرة أو اثني عشر شلنا، بينما قدم عدد آخر من الصبية الصغار إلي الدراويش حيث تم تربيتهم في مدارس دينية كمسلمين .
أما النساء ، فقد كانت لديهن بديل للتخلص من الترحيل إذا ما اعتنقن الإسلام، إلا أن تغير ديانة بالنسبة لامرأة أرمنية عام 1915 ،كان شيئا ماديا أكثر كونه من عقيدة .
وفي رواية ماري ريجرز ، بأنه تم إجبار عدد من الفتيات اللاتي كن تلميذات في الإرسالية الأمريكية في خربوط علي الزواج من أتراك في مقابل حماية عائلاتهم من الترحيل، وفي بعض الأحيان كن ينجحن في ذلك، وأحيانا كانت محاولاتهم تبوء بالفشل .
كانت علي كل قافلة من الأرمن ان تخوض معارك شتي مع أنواع عدة من الأعداء مع الدرك المرافقين للقوافل والفلاحين الأتراك والقبائل الكردية وقطاع الطرق من كل الأنواع.
ويصف لنا الطبيب الأمريكي في ديار بكر – فلويدو سميث- بعض الحالات التي عالجها والتي كانت قد خلفتها الوحشية العثمانية ( علي حد تعبيره)- " طفلان يبلغان من العمر سبعا وتسع سنوات وامرأة حاولوا ضرب أعناقهم. ولقد كانت الجروح العميقة المحفورة في مؤخرة العنق وبعمق يساوي سمك عضلات هذه المنطقة.
وفي هذا الصدد نورد رواية إيزابيلا هاراي، وصفت ما رأته من قافلة الترحيل التي كانت بدأت في أرضروم ،وخيمت آنذاك خارج خربوط في صيف 1915 " بعد أن مررت أنا ورفاقي الأمريكيون بالمخيم ، خرجت إلينا النساء تحملن أطفالهن الرضع ، ويتوسلن إلينا أن نأخذهن لننقذهن من الموت..وطلبن شيئا من الطعام والماء، ولم يسمح لنا بالتوقف والتحدث معهن ، فكان الحراس يضربوهن ليردوهن مع رفيقاتهن، ومررنا علي المخيم دون أن نستطيع أن نعطيهم أية مساعدة مهما كانت ..لم يكن هناك ماء فيما عدا مجري قذر أجبر الناس أن يشربوا منه ،وأجبروا علي السير حتي وصلوا إلي حلب ".
وفي رواية أحد الضباط العرب ، الملازم أول حسن معروف الذي خدم في الجيش العثماني ، قدم وصفا لما حدث في موش و وبتليس وسعرت وأرزنجان .
ففي موش حرقوا النساء وأطفالهن في أكواخ خشبية. وبين جركس كوي وخنوص كان يوجد مسيلين امتلاء بجثث الأطفال والرجال ، أما في بلدة قرة شوبان فيذكر أنه شاهد عددا كبيرا من الجثث التي تطفو في نهر مراد.
وتورد الباحثة بعد ذلك أسماء الولايات الأرمنية وإحصاء سكان كل ولاية الذين انتهي مصيرهم إلي النفي والتشريد او الإبادة.
ففي ولاية خربوط الذي بلغ عدد سكانها 168 ألف أرمني ، تعرضوا لنفس المصير الذي تعرض له أرمن الولايات الاخري ، وكذلك ديار بكر الذي يبلغ عدد سكانها 500 الف نسمة ، منهم 120 ألف أرمني ، أمر بالقبض علي 674 من أعيان الأرمن وأغرقوا في نهر دجلة ،بالإضافة إلي اثني عشر ألف عامل من الولايات المجاورة قتلوا رميا بالرصاص أو بالفأس، وتم تهجير هؤلاء نحو ملاطيا شرقا وماردين جنوبا .
وفي سيواس التي يبلغ عددها 165 ألف أرمني ، تم نفيهم في اتجاه ملاطية ،وأعدموا علي ضفاف نهر الفرات ،أما الناجون الذين لجأوا إلي الإرساليات التبشيرية فقد تم نقلهم . وفي بتليس البالغ عددها 180 الف أرمني فهوجموا من القوات التركية وقتل ما بها من سكان عدا ألف امرأة نفوا إلي الموصل في العراق ، ولم يصل منهم سوي ستمائة فقط .
وفي طرابزون نحو 60 الف أرمني، . وهكذا أخليت الولايات الست أو ماكانت تعرف بأرمينيا التاريخية في غضون ثلاثة أشهر من مايو وحتي يوليو 1915 ؛ إذ تمكن 200 الف أرمني من أصل مليون و200 ألف من الوصول إلي القوقاز وخضع حوالي 200 الف للتتريك ،ولم يتمكن سوي بضعة لآلاف أن يتجنبوا النفي والموت ؛إذ وصل نحو 50 ألف منهم إلي حلب أو الموصل وقتل سائر الأرمن البالغ عددهم 700 ألف أثناء مسيرات النفي في الطرق.
وثمة حقيقة جديرة بالذكر مؤداها : أن العثمانيين لجأوا إلي نفي أرمن الولايات الشرقية بسبب تدخلهم في النشاطات العسكرية علي جبهة القوقاز ، والحال بالنسبة لأرمن الأناضول وقيليقية يبقي دونما تبرير ، نظرا لوقوع هذه الجهات بعيدا عن القوقاز، إلا إذا كان منهج الإبادة سياسة اتبعها الاتحاديون للقضاء علي الأرمن الذين كان يشكلون عقبة في سبيل تحقيق حلمهم الطوراني .
وترصد الكاتبة في الفصل الثالث " الموقفين الرسمي والشعبي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث توضح الباحثة أن تفاعل الحكومة الأمريكية مع الأحداث الأرمنية أسس نموذجا عاما ، أصبح فيما بعد علامة ثابتة لسياستها الخارجية ، وهو إرث من التناقض . فالمصالح الشخصية التي فرضت علي الولايات المتحدة الأمريكية الوقوف إلي جانب الأرمن ، هي نفسها المصالح الشخصية التي جعلتها تتخلي عن الأرمن.
في البداية تشير الباحثة إلي منع الدولة العثمانية تسرب أي أنباءعما يحدث داخل أراضيها ، لا سيما بعد اتخاذها قرارا بتهجير الأرمن إلي المناطق الداخلية في صحراء بلاد الشام من خلال العديد من الإجراءات ومنها ، مراقبة المراسلات ومنع القناصل الأمريكيين من استخدام الشفرة في رسائلهم ، كما قامت بقطع خطوط الكابل من الأناضول ووضعت رقابة علي الاتصالات الدبلوماسية.
يضاف إلي ذلك، تعرض بعض القناصل للتهديد لمنعهم من الكشف عن أحداث المذابح الارمنية، مثل ماحدث مع القناصل الامريكيين في بغداد ومعمورة وطرابيزون وحلب .وامتدت هذه الإجراءات أيضا إلي الصحف الوطنية العثمانية.
ويذهب مورجنتاو أن العثمانيين أرادوا ألا يسمع الأمريكان والأوربيون عما يحدث إلا بعد إبادتها للأرمن بشكل كامل.
وعلي الرغم من ذلك ، وكل هذه الإجراءات لقمع الخبر بدأت تتسرب أخبار الأحداث الأرمنية إلي هنري مورجنتاو السفير الأمريكي بالأستانة من خلال تقارير القناصل الأمريكيين وعدد من رجال البعثات التبشيرية الأمريكية والألمانية والبريطانية وغيرها .
وفي إطار ذلك ، ظلت مهمة السياسة الخارجية للولايات المتحدة حماية المواطنين الأمريكيين وحاملي جنسيتها .وظل مورجنتاو ممثلا لهذه السياسة الحريصة علي رعاية مصالحها دونما توريط نفسها في المشكلات العثمانية الاوربية ، كما ساعد حسن تعامله مع المشكلات ، أن يظهر في أعين أنور باشا وطلعت بك بأنه حريص علي المصالح العثمانية ، مما أعطاه مرونة في التفاوض بشأن الأرمن .
وخلال ذلك ، ففي واشنطن لم تتضح صورة حقيقية عما يجري للأرمن داخل الأراضي العثمانية ، فأرسل وزير الخارجية برقية إلي مورجنتاو للتحقيق في التجاوزات المبلغ عنها في الإمبراطورية العثمانية .
وبعد أن تأكد مورجنتاو بأن مايحدث في الولايات العثمانية بحق الارمن ليس اضطرابات ، أصدر أوامره إلي القنصل الأمريكي في تبريز بتشكيل لجنة لإغاثة للأرمن .
في شهر فبراير 1915أخذت الأحداث تتصاعد في مدينة فان، وبدأ سيل من التقارير الواردة من المبشرين الأمريكيين والألمان وعدد من شهود العيان، تصل السفارة الأمريكية ، الأمر الذي دفع مورجنتاو أولا إلي التصرف بصفة غير رسمية ، فأجري مقابلة مع مسئولي الحكومة العثمانية الذين أكدوا له أن هذه القلاقل جرت من قبل الغوغاء، وسيتم السيطرة عليها بسرعة ، الأمر الذي لم يتقبله السفير الأمريكي، فلجأ إلي مقابلة وزير الحربية أنور باشا الذي أعرب عن وجود إجراءات وترتيبات قد اتخذت بشأن الأرمن بسبب قيامهم بالانضمام إلي جانب القوات الروسية المعادية ، مما عرض مؤخرة الجيش التركي في القوقاز إلي مخاطر عدة.
أخذ الأتراك ينفذون خطتهم ، فرحلوا جميع العناصر غير الموثوق بها من منطقة الجبهة ، علي غرار عمليات الترحيل التي أجرتها ألمانيا وبلجيكا وفرنسا ، وهو ما دفع قوي الوفاق الثلاثي – بريطانيا وفرنسا وروسيا – تقديم احتجاج مشترك للحكومة العثمانية من خلال السفير الأمريكي في باريس .
والجدير بالذكر ، وخلال ذلك أدركت كل من ألمانيا وبريطانيا عطف الرأي العام الأمريكي علي القضية الأرمنية ، فحرصت الحكومة البريطانية تؤكد علي أن ألمانيا ، المتحكم الرئيسي في الأحداث داخل العاصمة العثمانية ، وأنها القوي الوحيدة التي من الممكن أن تضع حدا لمآسي الأرمن .
فالألمان أنفسهم ساعدوا العثمانيين في عمليات التهجير والقتل ، فالبارون فان ونجنيهايم لم يكن لديه شفقة لتوسلات الأرمن ، فمصالح الحرب الألمانية كانت لها الأولوية القصوى علي أية اعتبارات إنسانية
وكما تشير الباحثة ، يذهب السفير الأمريكي مورجنتاو إلي أن غاية كل هذا واضح لا لبس فيه ، بان ألمانيا تبني خط حديد برلين بغداد ،
وإزاء تصاعد الأحداث ، والتهجير القسري وعمليات القتل الجماعي للأرمن ، كانت تقارير القناصل الأمريكيين تنهمر علي السفارة الأمريكية في الاستانة وعلي وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن ، لا سيما بعد أن أصبحت مقر القنصليات الأمريكية معسكرا لعدد من اللاجئين.
وعلي الرغم من هذه التقارير والبرقيات التي كانت تصل إلي واشنطن ، فلم تتخذ الولايات المتحدة أي إجراءات حاسمة ، سواء لدي الحكومة الألمانية باعتبارها الحليف الرئيسي للعثمانيين ، أو لدي السلطات العثمانية ، إلا أن القناصل الأمريكيين حاولوا استغلال نفوذهم للتدخل لدي السلطات العثمانية ، ونظرائهم من قناصل الدول الحليفة والمحايدة .
واستمرت جهود السفير الأمريكي مورجنتاو داخل أروقة صناع القرار في الأستانة ، مستغلا مهارته الدبلوماسية وإدراكه بطبيعة الساسة العثمانيين في التعامل مع وزير الداخلية طلعت بك في محاولة منه ، إن لم يكن إلغاء قرار التهجير ، فليكن التخفيف منه ، ولكن طلعت بك أكد علي أن أسباب السياسة الحالية للعثمانيين تتمثل في أن :
• الأرمن أثروا علي حساب العثمانيين
• قرروا أن يهيمنوا علي الدولة العثمانية وذلك بتأسيس دولة منفصلة
• ساعدوا الروس ضد الحكومة العثمانية
شارك مورجنتاو في جهوده في الدولة العثمانية كل من القناصل الأمريكيين ورجال البعثات الامريكية ، ونذكر منهم أوسكار هازر القنصل الأمريكي في طرابيزون لبذل جهود مضنية لإلغاء تنفيذ التهحير في ولايته .، وأسفرت مساعيه في تحقيق بعض النجاح ، فقد استثني من قرار الترحيل العاملين في المناصب الحكومية ، وأيضا المرضي والحوامل في طرابيزون ولكن لفترة زمنية محددة.
ومع تزايد الأمور سوءا وارتفاع وتيرة المذابح ، هدد مورجنتاو بنشر جميع التقارير التي لديه أمام الرأي العام العالمي ، محذرا وزير الحربية أنور باشا بأنها كفيلة أن تدمر الدولة العثمانية في أعين العالم.، في حين أعلن وزير الخارجية الأمريكية ، بأن الحكومة العثمانية أرسلت لجميع الدول بما فيها الولايات المتحدة بأنها لن تسمح بأي تدخل أجنبي في شئونها الخاصة ، فمعاملة رعايا الدولة العثمانية من قبل الحكومة العثمانية ، تعد مسألة داخلية بحتة.
وباتت حقيقة ما يحدث للأرمن واضحة أمام الرأي العام العالمي ، لا سيما بعد استقالة سيخ الإسلام اعتراضا علي مايحدث للأرمن أمام الحكومة ، وإصدار فتوي بعدم شرعية ترحيلهم، وإزاء ذلك لم تقم الولايات المتحدة سوي بتشكيل لجنة غير رسمية لتقصي الحقائق الخاصة بالأرمن في الإمبراطورية العثمانية ، وقامت بدراسة التقارير الواردة من قبل أعضاء الإرساليات واللاجئين والأشخاص المحايدين .
وجاء رد الفعل الأمريكي في عدة اتجاهات ، فتقدم وزير الخارجية بطلب غير رسمي نيابة عن الأرمن إلي السفير الألماني ، يطالبه باستخدام نفوذه لدي الحكومة الألمانية من أجل التدخل لصالح الارمن في الدولة العثمانية ، وعلي الجانب الآخر أرسلت الخارجية إنذارا سلمه مورجنتاو إلي الحكومة العثمانية ، مما جعل الصحافة الألمانية تطلق تحذيرات ضد الولايات المتحدة وأن الألمان لن يتدخلوا في المذابح التركية ضد الخونة ، بل لن تسمح للولايات المتحدة بالتدخل .
وفي هذا الإطار ،أتاحت الصحافة الأمريكية الفرصة لبعض الساسة العثمانيين وكبار الكتاب للتعبير ، فأصبحت الصحافة الأمريكية مجالا للرأي والرأي الآخر، وقد حاول كبار الساسة العثمانيين مخاطبة الرأي العام الأمريكي وإسقاط التهم إليهم بإبادة الأرمن.
وتشير الباحثة إلي سعي بعض العثمانيين إلي التشكيك في دور الإرساليات الأمريكية واتهامها بالمحاباة للأرمن المسيحيين علي حساب الأتراك ، وقد ااستشهد رضا بك مفتي زادة علي سبيل المثال بما ذكره الطبيب يارو أحد أعضاء الإرسالية الامريكية في فان أثناء الحصار " كان علينا محاربة ليس فقط الأتراك ، لكن أيضا كل الأمراض المعروفة".

عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الولايات المتحدة الأمريكية والقضية الأرمنية 1915 -1923

مُساهمة من طرف عطا درغام في الثلاثاء 30 يونيو 2015 - 14:00


وتؤكد الباحثة ان العثمانيين ، حاولوا استغلال الصحف الامريكية أيضا في التأثير علي الرأي العام الأمريكي، والدفاع عن الصورة السيئة التي تكونت في العقل الجمعي الأمريكي عن العثمانيين .
ومن جانبها ، حاولت ألمانيا تدعيم موقف حليفاتها ،فخرج إعلان من برلين إلي باقي الصحف الدولية عن إعلان عثماني بنشر الكتاب الأبيض لقتل الأرمن ، واشتمل الكتاب علي تسع مواد ، نشر علي خمسة أشهر من سبتمبر 1915 وحتي يناير 1916 وينقسم إلي قسمين : الأول – الدفاع الألماني عن السياسة العثمانية تجاه الأرمن ، والثاني – الاحتجاج الألماني عن المذابح الأرمنية .
وخلال تلك الفترة ، شهدت الأراضي الأمريكية عددا من المؤتمرات سواء الإقليمية أو الدولية لمناقشة القضايا الخاصة بمصير الأمم المضطهدة ، ورغم ذلك لم يوجه أي اهتمام حقيقي بأرمينيا وبمستقبلها ، وتم الاكتفاء بالتعرض للمسألة الأرمنية كواحدة من قضايا الأقليات المضطهدة .
ومع هذاأ لم تتراجع الحكومة الأمريكية عن تقديم العون بصورة لا يضر مصالحها مع الدولة العثمانية، وفي إطار إنساني تمكنت إحدي سفن الأسطول الامريكي في 24 أغسطس 1916 من نقل آخر دفعة من النساء والأطفال الأرمن الذين مكثوا في الأسكندرونة أربعة أيام يتضورون جوعا وفي حالة سيئة إلي مدينة الإسكندرية .
وتشير الباحثة إلي دور السفير الأمريكي مورجنتاو وزوجته لإنقاذ الأرمن بدءا من محاولاته مع المسئولين العثمانيين احتجاجا علي معاملتهم للأرمن ، وإرسال العديد من البرقيات والنداءات إلي المسئولين في وزارة الخارجية تحثهم علي العمل لإنقاذ الأرمن ، مرورا بالتقارير المقدمة عن الفظائع في بعض وسائل الإعلام ومحاولته لجمع الاموال لمساعدة الناجين ونقل مئات الآلاف منهم إلي الولايات المتحدة .
ومع تزايد وتيرة المذابح الأرمنية ، عرض السفير الألماني علي نظيره الأمريكي فكرة نقل بعض الأرمن إلي الولايات المتحدة الامريكية ، مع احتمالية أن تقوم الحكومة الألمانية بنقل بعضهم إلي بولونيا ليحل اليهود محلهم إذا تخلوا عن مخططاتهم الصهيونية ، ورحب مورجنتاو ووجد أنها الحل الوحيد للإبقاء علي حياة من بقي من المهجرين علي قيد الحياة .
وبدأ مورجنتاو في تنفيذ الفكرة علي مسارين :الأول – عرض الفكرة علي وزارة الخارجية ، والمسار الثاني : وجه نداء من خلال الصحف .
ورحبت بالفكرة العديد من هيئات المجتمع المدني ومنظمات الإغاثة الأمريكية ، وعلي الفور بدأت اللجنة الأمريكية المكلفة بالتحقيق في الفظائع التي ترتكب بحق الأرمن بالتعاون مع لجنة الرحمة بالدعوة إلي توجيه نداء لجمع التبرعات لإنقاذ حوالي 550 ألف أرمني من الممكن إرسالهم إلي الولايات المتحدة الامريكية .
وثمة هناك معوقات حالت دون تهجير الارمن إلي الولايات المتحدة ؛ إذ رأي البعض أنه من الأفضل إغاثة الارمن بالأموال وليس الهجرة.
ورغم ذلك ، نجح بعض الأرمن في إلهجرة إلي الولايات المتحدة الامريكية ، فأظهرت إحدي الدراسات الإحصائيات لعدد من المهاجرين إلي الولايات المتحدة خلال عام 1916 بأن عدد المهاجرين بلغ 58.2% من إجمالي العدد الكلي للمهاجرين من الجنسيات الأخري .
وتتناول الباحثة في نهاية الفصل موقف الرأي العام الأمريكي من مذابح الأرمن ، الذي جاء منطلقا من حقائق ثابتة بأن هناك أموالا أمريكية وأرواحا أمريكية دفعت ثمنا للنهوض بالشعوب المستعبدة في الإمبراطورية العثمانية .
وقد نجحت الجالية الأرمنية داخل الولايات المتحدة في تجنيد الإعلام الأمريكي لكسب الرأي العام الأمريكي وتعاطفه مع الأرمن ، وكذلك نشطت في الحصول علي الدعم السياسي المالي والمعنوي للشعب الأرمني ، لا سيما وأن الشعب الأمريكي كان معتادا للاستجابة للأزمات الإنسانية.
ونشرت الصحف الأمريكية علي لسان الأرمن ، أن الوقت حان بالنسبة لأصدقاء أرمينيا لكي يبرهنوا علي إذا ما كانوا يعنون أي شيئ من صداقتهم هذه.
وبرز في الصورة الاحتجاجات الرسمية التي دعمها الغضي والاشمئزاز من الرأي العام الأمريكي، وقد طلب المكتب الأمريكي للإرساليات من الرئيس ويلسون في 27 اكتوبر 1915 أن يبذل كل ما في وسعه لمساعدة الأرمن . وعلي الجانب الآخر حرصت الجالية الأرمنية علي إظهار الأرمن أمام الرأي العام الأمريكي كمجني عليهم في سبيل الدفاع عن المسيحية .
وأمام الفظائع والقتل والتشريد والنفي القسري وحالات التجويع التي تعرض لها الأرمن ، أخذت الخارجية الأمريكية علي عاتقها مهمة إغاثة اللاجئين الأرمن ، فنجحت في الحصول علي تصاريح قوات الحلفاء لعبور المناطق الواقعة تحت الحصار البحري لدول الحلفاء لتسليم الإمدادات ، إلا أن الحكومة العثمانية رفضت في باديء الأمر إيصال أية مساعدات للأرمن معللة موقفها هذا بأنها ليست ضرورية .
وتحت ضغوط الدبلوماسية الأمريكية وافقت علي توزيع المساعدات الموجودة في ميناء بيروت من خلال جمعيتي الصليب الأحمر والهلال الاحمر.إلا أنها لم تسمح بوصول الإمدادات إلي الولايات الأرمنية .
نتيجة لذلك ، تعالت نداءات الجالية الأرمنية في الولايات المتحدة مطالبة الرئيس ويلسون بأن يتقدم بطلب شخصي إلي السلطات العثمانية للسماح إلي الصليب الأحمر الأمريكي القيام بهذه المهمة المباركة من أجل الأشخاص الذين راحوا ضحايا لأكبر سلسلة ممنهجة من المذابح سجلها التاريخ .
وبالفعل ،استمرت المنظمات الأمريكية في إغاثة الأرمن في أداء عملها ، فقام الصندوق الامريكي الأرمني للإغاثة بإرسال جميع الأموال التي لديه علي دفعات متساوية .
وعلي الرغم من أن ويلسون لم يبذل الكثير من أجل إنقاذ الأرمن خلال عامي 1915-1916 ، ومع هذا حرص وفد من الدارسين الأرمن بجامعة أوديسا علي إرسال شكر وعرفان الأرمن للرئيس ويلسون علي تبني الحكومة الأمريكية قضيتهم في الدولة العثمانية .
وفي الفصل الرابع والأخير ، الذي يحمل عنوان ( القضية الأرمنية وتسويات مابعد الحرب ) ، تتناول الباحثة أثر دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب علي القضية الأرمنية ، وموقف الرئيس ويلسون من القضية الأرمنية والدور الذي لعبته الولايات المتحدة في مؤتمر السلام وإرسال الولايات المتحدة بعثتي كنج – كرين والجنرال جيمس هاربورد لدراسة إمكانية فرض الانتداب وتبني الرئيس الأمريكي لفكرة الانتداب علي أرمينيا الذي تم رفضه من قبل مجلس الشيوخ وقبول ويلسون التحكيم في مسألة الحدود بين الجمهورية الأرمنية الوليدة وجيرانها ، ثم عودة الولايات المتحدة للعزلة ، ولكنها ظلت تراقب الأحداث في لوزان لتحقيق مصالحها الاقتصادية مما أدي لوأد القضية.
تشير الباحثة ألي أن الأرمن كانوا ضمن طوائف الشعب الأمريكي الذين شجعوا الحكومة الأمريكية علي دخول الحرب إلي جانب الحلفاء، وساعد علي ذلك توتر العلاقات الأمريكية الألمانية في مطلع عام 1917 التي جاءت علي هوي الأرمن وضد ما كان يأمله ويلسون الذي اضطر أن يقف أمام الكونجرس في 4 أبريل 1917 يطلب إعلان الحرب علي ألمانيا ، وفي خطابه لإعلان الحرب ذكر ويلسون : " إننا لا نحارب، وليس عندنا ضغينة لأحد ، فنحن لا نحمل أي شيء للحكومات المتحالفة مع الحكومة الألمانية ، لأنهم لم يعلنوا الحرب علينا".
وعقب دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الأولي، بدأ المسئولون الأمريكيون في وضع آلية من شأنها تقديم وصايات لإقرار تسوية عالمية عادلة ، فاقترحت وزارة الخارجية الأمريكية علي الرئيس في 4 أغسطس 1917 تشكيل لجنة لسد الفراغ في المعلومات المتاحة للحكومة الأمريكية بشان المسائل التي يحتمل أن تظهر في مؤتمر السلام عند انعقاده.
وتطرقت الباحثة للموقف الأمريكي من ثورة البلاشفة سنة 1917 ،حيث ظل الرئيس الأمريكي ويلسون علي موقفه رافضا تفكيك روسيا إلي قوميات ، وبالتالي تردد في تأييد أي عمل من شأنه أن يعزز انفصال أي إقليم من الأقاليم ، وعلي الرغم من موقف ويلسون ،فلم يمنع ذلك السياسة الخارجية الامريكية من اعترافها بالسلطة السوفيتية الجديدة .
وإزاء اندلاع الحرب في القوقاز ، طالبت روسيا الحكومة الأمريكية أن تقوم بحماية سواحلها في القطب الشمالي، وأرسل سميث برقية إلي واشنطن محذرا بأنه إذا فشلت في سرعة المساعدات إلي القوقاز ، فهذا من شأنه أن يساعد علي تركيز القوات التركية والألمانية ضد القوات البريطانية في بغداد ، وجاء الرد الأمريكي بأن الحكومة تفتقر الوسائل اللازمة لإيصال كميات كبيرة من المساعدات مباشرة إلي أرمينيا أوإلي مكان آخر في منطقة القوقاز .
وفي واشنطن لم يبد ويلسون ولا وزير خارجيته أو قائد آخر استعدادا لتقديم التزامات مكلفة لإنقاذ الأرمن.
وفي 11 يناير 1918 ، أصدرت الحكومة السوفيتية قرارا حول أرمينيا العثمانية ، وأعلنت تأييد روسيا لقضية الأرمن وحقوقهم في أرمينيا التركية التي تحتلها القوات الروسية ، وتتيح لهم فرصة تشكيل حكوماتهم وتوطيد استقلالهم .وبناء علي طلب مجلس المفوضين رحلت القوات الروسية عن المقاطاعات الأرمنية في الدولة العثمانية مما يعني عمليا ترك الأرمن تحت رحمة الجيوش الزاحفة.
وفي ربيع 1918 ، أرسل سميث النداءات لوزارة الخارجية الامريكية موضحا خطورة الموقف في أرمينيا ، مؤكدا علي أن العثمانيين لا يزالون يتقدمون ، و
أن القوات العثمانية ستحتل غالبية أراضي القوقاز إذا لم تصل المساعدات المالية والعسكرية ، وأن وضع الأرمن في خطر حقيقي .
هذا ،وقد شهدت الأراضي الأرمنية العديد من الصراعات ، أظهرت التناقض الصارخ للسياسة السوفيتية ، ففي حين أسهم لينين في إقرار حق تقريرالمصير ، جاء صلح بريست ليتوفسك لتقبل الانسحاب ليس فقط من أرمينيا العثمانية ، ولكن أيضا من بعض مقاطعات أرمينية السوفيتية كذلك – ليترك الأرمن دون حماية إزاء الاحتلال العثماني الوشيك ، بل الأكثر من هذا تعهدت بحل وتسريح الفرق الارمنية ليجعل دفاع الأرمن عن النفس أمرا أكثر صعوبة وحرمانهم من حق تقرير المصير.فقد قضت علي آمال الأرمن.
أصبح الأرمن بمفردهم ، ولم يكن أمام مجلسهم الوطني في تفليس لاستكمال مفاوضات السلام الدائرة في باطوم مع العثمانيين ، لينقذ ما يمكن إنقاذه سوي وجوب إعلان استقلال أرمينيا ، وذلك بتارخ 28 مايو 1918 ، لكن قيام جمهورية أرمينية لم يعلن إلا في 30 مايو علي الاجزاء غير المحتلة من أرمينية الشرقية وتولية السلطة في البلاد إلي حين إجراء انتخابات .
وخلال ذلك ، لم تقدم الولايات المتحدة أية مساعدات للارمن ، لدرجة أنها لم تعترف دبلوماسيا بالجمهورية الوليدة ،ولم تعلن الحرب علي الدولة العثمانية بالرغم من أن الحلفاء طالبوها بذلك .
ومن ثم ، فإن النداءات الخارجية للأرمن لم تلق استجابة من قبل الولايات المتحدة التي ظلت تراقب دون أن تصدر أي رد فعل .ومع هذا ،تمكن الارمن من دحر القوات العثمانية مما اضطر الأخيرة إلي الجلوس إلي مائدة المفاوضات وتوقيف هجومها والانسحاب إلي يريفان وإبرام معاهدة باطوم في 4 يونية 1918 ، والتي تألفت من أربع عشرة مادة وأربعة ملاحق.
وبموجب المادة الثانية من هذه المعاهدة صارت مساحة جمهورية أرمينية حوالي عشرة آلاف كيلو متر مربع مقصورة علي يريفان وإيتشميادزين وماجاورهما . لذا، سميت بجمهورية يريفان الأرمنية،كما نصت المادة الخامسة علي تعهد حكومة جمهورية أرمينية بعدم السماح بتشكيل أي فرق أو جيش داخل أراضيها ،وجاء في المادة الحادية عشرة ، تتعهد حكومة أرمينية بان تبذل قصاري جهدها في إخلاء مدينة باكو فور توقيع هذه المعاهدة من القوات الأرمنية الموجودة فيها والعمل علي منع وقوع صدام أثناء عملية الإخلاء.
وتوالت الهزائم المتلاحقة علي الدولة العثمانية ؛ إذ توفي السلطان محمد الخامس في 28 يونية 1918 ويخلفه السلطان محمد السادس الذي سرعان ما غدا ألعوبة في يد ثالوث الاتحاد والترقي – أنور وجمال وطلعت – وفي الوقت الذي كانت تعصر فيه الأخطار بالدولة العثمانية ، شدد الأسطول البريطاني حصاره علي الدردنيل ، فأيقنت الدولة العثمانية أن دول الوفاق بمقدورهم التغلغل بحرية تامة عبر تراقيا الشرقية حتي أبوابها ، مما حدا بالدولة العثمانية أن تعلن رغبتها في التفاوض علي الصلح علي أساس النقاط التي وضعها رئيس الولايات المتحدة الأربعة عشر ، وفي 30 اكتوبر 1918 تم التوقيع علي هدنة مدروس بين الحكومة العثمانية وبريطانيا ، وكانت بمثابة تسليم تام للحلفاء بدون قيد أو شرط ، وهو مالم يحدث لأي من دول الوسط ، فأجبر العثمانيون علي ترحيل قواتهم من ما وراء القوقاز وأذربيجان الفارسية ، وتسليم السيطرة علي المضايق إلي الحلفاء ، وتأمين المرور إلي البحر الأسود واحتلال استحكاماته ، وتسليم أسري الحرب التابعين للحلفاء بلا قيد او شرط ، وتسريح جميع الجنود سوي مايلزم منهم للمحافظة علي الحدود وضمان الأمن الداخلي ، وتسليم جميع السفن الحربية الموجودة في المياه التركية ، واحتفظ الحلفاء بحق احتلال ولاية من الولايات الأرمنية عند حدوث ثورة فيها .
وبينما رفضت الولايات المتحدة الامريكية التصديق علي هدنة مدروس ، كان الأرمن يتنفسون الصعداء، وباتوا يعلقون آمالهم علي دول الحلفاء وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية .
لم تقدم الولايات المتحدة الدعم اللازم للجمهورية الارمنية ، ولم تعترف علي المستوي السياسي ، لكن علي الجانب الإنساني عندما كان علي الأرمن أن يتحملوا شتاء قاسيا 1918-1919 ، فصرح هربرت هوفر رئيس إدارة الإغاثة بان التقارير الواردة من أرمينيا كانت صدمة ، فقد تسبب العجز في الخبز والوقود والدواء وملاجيء الأيتام في ان يصل معدل الوفاة ثلاثة آلاف شهريا، وبلغ الأمر أن أكلت النساء الحشائش والحيوانات الميتة ، كما ترددت أنباء عن اكل لحوم البشر . وفي المدن الكبري انتشرت جثث الموتي والقتلي في الشوارع .
وتذكر الباحثة ،أنه خلال الفترة من يناير 1919 وحتي يوليو 1920 ، أرسلت الولايات المتحدة إلي أرمينيا 129 ألف طن من المواد الغذائية والحليب وأكثر من 16 ألف طن من الملابس والصابون والإمدادات الطبية ، كما قدمت 155 مليون دولار علي هيئة قروض لحكومة أرمينية والتي تسلمت 630 ألف دولار من الحكومة البريطانية ، بالإضافة إلي تبرعات لجنة إغاثة الشرق الأدني بأكثر من 11 مليون دولار والصليب الأحمر كهبة 500 ألف دولار.
تطرح الباحثة سؤالا مؤداه : إذا كانت الولايات المتحدة قد قدمت المساعدات الإنسانية للأرمن ، فهل كان من الممكن أن تؤيد سياسة ويلسون الحلم الأرمني في مؤتمر الصلح ؟
بداية ، راقب الأرمن مايحدث علي الساحة الدولية ، وحاولوا الحصول علي دعم الحلفاء وتأييدهم ، فقام بوغوص نوبار رئيس الوفد الأرمني – الأرمن الغربيين وأرمن المهجر – في باريس بإرسال برقيات تهنئة لقادة الحلفاء بانتهاء الحرب ، وقد حملت ردودهم وعودا براقة للأرمن .
ونشطت الدوائر الأرمنية في مختلف عواصم دول الحلفاء لتدعيم القضية أثناء مؤتمر الصلح ، ولكسب الرأي العام العالمي إلي جانبهم ؛ إذ أرسلت خطابا تضمن مطالب الشعب الارمني سلمه رئيس وزراء إيطاليا للسفير الأمريكي الذي بموجبه سلمه للرئيس الأمريكي.
وجاء رد الرئيس الأمريكي ويلسون مؤكدا علي عطف الحكومة الأمريكية والشعب علي قضية الأرمن وأمله في أن يحصل الشعب الأرمني من خلال القنوات الشرعية في مؤتمر السلام علي ما يرغب .
وخرج مؤتمر الصلح في باريس بنظرية الانتداب في 30 يناير 1930 ، حيث قضي بأن تنفصل سوريا والعراق وأرمينيا عن تركيا ويشرف عليها وصي من قبل الأمم المتحدة.
وعقب عودة ويلسون من باريس في نهاية فبراير 1919 للحصول علي مشروع عصبة الأمم ، كانت القضية الأرمنية أحد أدوات ويلسون لكسب التأييد الشعبي للعصبة.
وفي الفترة من 24 فبراير حتي 22 أبريل 1919 ، طالب المؤتمر القومي الأرمني بأن يسند الوفاق " الانتداب علي أرمينية " للولايات المتحدة الأمريكية ".
ومن جانبه ، لم يعارض ويلسون الفكرة إلا أنه طلب أن يتشاور مع مستشاريه أولا، وفي السادس من مايو أبلغ ويلسون مجلس الأربعة الكبار صعوبة تنفيذ اقتراحهم ، مؤكدا أن مستشاره القانوني أبلغه بأنه ليس لديه سلطة لإرسال قوات إلي الدولة العثمانية ، وأكد ويلسون أنه بذل قصاري جهده لإيجاد مخرج قانوني ولكنه فشل.
وفي 8 مايو 1919 ، عرض جورج لويد خريطة الانتدابات ، وتحصل فيها الولايات المتحدة الانتداب علي أرمينيا والأستانة ، وفي 14 مايو قدم مجلس الأربعة الكبار اقتراحين ، جاء رد ويلسون بأنه سيقبل الاقتراح فيما يتعلق بقبول الانتداب علي أرمينيا والأستانة إلا أن ذلك مرهون بموافقة مجلس الشيوخ .
والجدير بالذكر أن ويلسون رفض إرسال قوات أمريكية إلي أرمينيا متعللا بأن ذلك يتوقف علي موافقة الكونجرس ، وأنه وعد فقط بتقديم الاقتراح إلي الشعب الأمريكي والكونجرس ليدلوا بدلوهم فيه .
واتفق ويلسون والحلفاء علي أن هناك مناطق عدة في الإمبراطورية العثمانية ينبغي ان تقطع وتوضع تحت الانتداب .ولكن، وجدت صعوبة في تقسيم بعض المناطق بين دول الحلفاء. فلذا ، عرضت الولايات المتحدة إرسال لجنة إلي الشرق الأدني لتقصي الحقائق حول الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وتقرير أنسب الوسائل للنهوض بها .
أرسلت الولايات المتحدة خلال عام 1919 بعثتين لجمع المعلومات اللازمة عن منطقة الشرق الأدني، وفي ضوئها سيتم وضع تصور للدور الأمريكي في تسويات ما بعد الحرب ، تمثلت الأولي في المندوبين الأمريكيين كنج وكرين وخلص تقريرهما إلي الثناء علي قرار مؤتمر الصلح المبني بفصل أرمينيا عن السلطنة العثمانية نظرا لتخلف العثمانيين عن حكم رعاياهم مما أدي لحدوث المجاذر ، وهي السب الأهم لفصل أرمينيا في دولة مستقلة وأيضا عدم التجانس بين الأرمن والعثمانيين .
والبعثة الثانية : بعثة جيمس هاربورد، وكلفت بجمع إحصائيات ضرورية لفهم المتطلبات التي يمكن ان تلقي علي كاهل الولايات المتحدة إذا قبلت الانتداب علي أرمينيا ، وأوصي التقرير في 16 اكتوبر 1919 بأن يتولي الانتداب علي أرمينيا والقوقاز نفس الدول المنتدبة علي الأناضول والأستانة والروميلي، وأوردت لجنة هاربورد في تقريرها اثني عشر سببا لقبول الولايات المتحدة الانتداب علي أرمينيا كان أهمها :
• الحفاظ علي الأمن العامي وتأمين ممرات الاتصال الدولية
• أمريكا هي الأمل الوحيد للارمن
• سيؤدي الوجود الأمريكي إلي وقف عمليات ذبح الأرمن
بالإضافة إلي تضمن التقرير ثلاثة عشر سببا آخر تحول دون قبول الولايات المتحدة الانتداب. منها التكلفة الكبيرة التي ستقع علي الحكومة الأمريكية ، ومن الممكن أن تتشتت القوات الأمريكية البرية والبحرية التي ينبغي عليها للمسئولية المستقبلية في القارة الأمريكية، يضاف إليهما الظروف الصعبة التي من الصعب التصرف معها لبعد النفوذ الأمريكي ،وكذلك الولايات المتحدة لديها أولويات والتزامات كثيرة ومشاكل داخلية نمت بعد الحرب.
وإزاء اندلاع الثورة في الأناضول، وبروز الطموح السياسي لمصطفي كمال الذي أعلن بعد إقالته من قبل السلطان العثماني " سوف أبقي في الأناضول حتي ينال الشعب استقلاله " ، وفي هذا السياق عقد مؤتمرين الاول في أرضروم في ( 23 يولية-7 أغسطس 1919) والثاني في سيواس ( 4-11 سبتمبر 1919 ) وكان هناك شبه إجماع ان الولايات المتحدة ليس لها مطامع استعمارية وإنها الدولة الوحيدة التي تستطيع أن تخلص الدولة العثمانية من المأزق الحرج الذي وقعت فيه.
كما أرسلت الشاعرة "خالدة أديب " رسالة مطولة إلي مصطفي كمال تناشده التفاهم مع أمريكا وقبول انتدابها ، وذكرت أن الانتداب الأمريكي أقل الحلول ضررا، كما أنه سيؤمن دفاعنا ضد الاستعمار الأوربي.
وعلي صعيد آخر ، بينما كانت الحرب الأهلية الروسية محل شك ، رفضت القوي الأوربية الاعتراف بأرمينيا، ولكن هزيمة جيوش روسيا البيضاء في أوائل 1920 أجبرت دول الحلفاء علي رأسهم بريطانيا إلي ضرورة الاعتراف بجمهوريات ما وراء القوقاز كحكومة أمر واقع.
وقد صدرت عدة قرارات عن عصبة الأمم المتحدة لدعم القضية الأرمنية ، فقد قررت في اجتماعها الاول عام 1920 بالإجماع " إنه يجب علي الدول الكبري اتخاذ إجراء ما لوضع حد لمأساة الشعب الأرمني المروعة بأقرب فرصة ممكنة وحماية مستقبل الشعب الأرمني "
وفي 24 أبريل 1920 ، بدأت فعاليات مؤتمر سان ريمو ،والذي عقد فقط لصياغة شروط السلام التي ستعقد مع الدولة العثمانية وتحديد الخطوط الرئيسية لتحقيق ذلك، وقد ناشد المجلس الأعلي للحلفاء الرئيس ويلسون بأن تقبل الولايات المتحدة الانتداب علي أرمينيا ، كما طالب ويلسون أن يكون المحكم في مسألة الحدود بين أرمينيا وتركيا، وفي 17 مايو أرسل ويلسون موافقته علي قبول التحكيم للحدودإلي المجلس الأعلي للحلفاء في باريس بواسطة السفير الأمريكي.
وبموجب ما جاء في سان ريمو، فقد تقرر فقد الدولة العثمانية لجميع الولايات العربية وولايات أرمينيا وسنجق ازمير، وأن يناط إلي لجنة دولية تحديد حدود أرمينية علي ألا تضم قيليقية أو طرابيزون وتعطي فقط أرضروم.
وثمة حقيقة جديرة بالذكر تشير إليها الباحثة في سياق تناولها لرفض مجلس الشيوخ لفكرة انتداب الولايات المتحدة علي أرمينيا ؛لم تكن الظروف التي عرضت فيها القضية الأرمنية علي مجلس الشيوخ في صالح الأرمن ، بالإضافة إلي العداوة التقليدية بين الحزبين المسيطرين علي الحياة السياسية ، إذ رفض أعضاء مجلس الشيوخ الانتداب الأمريكي علي أرمينيا ، حيث اعتمد المعارضون لفكرة الانتداب علي ما جاء في تقرير هاربورد.
وفي 10 أغسطس 1920 ، نجحت الدبلوماسية الأوربية أن تملي علي الأستانة قبول معاهدة سيفر التي كرست تمزيق الدولة العثمانية واختزالها في دولة أناضولية صغيرة محصورة بين بلدين لا تزال حدودهما غير مرسومة وهما : أرمينيا واليونان.
وفي الجانب السياسي بأرمينيا علي الدولة العثمانية :
• أن تعترف بأرمينيا دولة حرة مستقلة
• أن توافق الدولة العثمانية وأرمينيا علي قرار رئيس الولايات المتحدة بشأن مسألة الحدود بين تركيا وأرمينيا في ولايات أرضروم وطرابيزون وفان وبتليس
• يعقد اتفاق لتعيين الحدود بين أرمينيا وأذربيجان وجورجيا توقعه الدول الثلاث.
• توافق أرمينيا علي البنود التي يراها الحلفاء ضرورية لحماية صالح السكان وحرية التجارة.
جاء قرار الرئيس الامريكي في صالح الأرمن ، إذ قرر أن تترك لأرمينيا ولاية فان وكذلك ولايتي أرضروم وبتليس وقسم صغير من طرابيزون ، لتأمين المنفذ البحري، ولهذا سارع مصطفي كمال إلي القضاء علي هذه الجبهة ، فقامت القوات العثمانية بالهجوم علي أرمينيا والاستيلاء علي قارص وأردهان وأولطي والكسندربول ، وأجبر الأرمن علي التوقيع علي معاهدة الكسندربول في 2 ديسمبر 1920 وبموجبها انسلخ من الأراضي الأرمنية 30 الف كم 2، علي أن تسحب جميع وفودها من أوربا ، وألا يسمح لها بزيادة عدد جيشها عن 1500 جندي ومثل هذا العدد في قوات الشرطة ، وحظر التجنيد الإجباري، وأن تتعهد الدولة العثمانية بالدفاع عن أرمينية حين وقوع هجوم خارجي عليها بموجب طلب من أرمينيا، وأن يسير تبادل الأسري بين البلدين، وأن تلغي أرمينيا جميع معاهداتها المعقودة ضد العثمانيين.
وهكذا ،تخلص الكماليون من الخطر الأرمني، إلي أن لعبت المصالح السياسية والتوازنات الدولية والأنظمة الاستعمارية مع الشوفينية العثمانية الدور الأكبر في وأد القضية الأرمنية بموجب معاهدة لوزان في 24 يولية 1923 ، بشكل يتماشي مع أماني العثمانيين ،فلم ترد في أي من بنودها أية إشارة إلي الأرمن ، بل تضمنت نصوصا عامة حول ضرورة عدم اضطهاد الأقليات غير المسلمة في الدولة العثمانية.
وتري الباحثة أن الولايات المتحدة آثرت مصالحها السياسية والاقتصادية ، واكتفت بمراقبة ماتفعله الدول الأخري عن كثب ، وبالتدخل في مناسبات معينة، مما يتضح معه أنه لم تكن هناك عزلة سياسية في الواقع ، ولكنه كان استعلاء أمريكيا ، يأبي أن يكون لغيرها زعامة العالم سياسيا ، فضلا عن زعامته اقتصاديا فتزعمت كافة المؤتمرات التي عقدت لنزع السلاح البحري بداية من مؤتمر واشنطن عام 1922 حتي مؤتمر لندن 1930.
وتورد الباحثة في الخاتمة ، أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال الدراسة وتتمثل في :
إن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية التي وضع قواعدها الأولي جورج واشنطن بضررة الابتعاد عن مشاكل القارة الأوربية والاهتمام ببناء المجتمع الأمريكي وازدهارها ، والتي تجسدت فيما بعد بمبدأ مونرو (1825) في محاولة لعدم تدخل الأوربيين في مشاكل العالم الجديد مقابل عدم تدخل الولايات المتحدة في مشاكل القارة الأوربية.
وفي واقع الأمر، كان يتم تفسير هذا المبدأ طبقا للمصالح الأمريكية ، ولم تتمسك به حرفيا ، وهو ما ألقي بظلاله علي تعاملها مع القضية الأرمنية قبل الحرب العالمية الاولي إذ اهتمت بشئون الأرمن ،ولكن بطريق غير مباشر من خلال البعثات التبشيرية الأمريكية التي وطأت الأراضي العثمانية.
تعاملت السياسية الأمريكية إزاء القضية الأرمنية بإرث من التناقض ، وهو ماظهر جليا في تعاملها مع مذابح الأرمن 1915-1916 ، وما تبعها من تسويات أدت في نهاية الأمر إلي وأد القضية الأرمنية في لوزان 1923.
لم تنقذ السياسة الولسونية المثالية الأرمن ، فمع إعلان ويلسون لمبادئه الأربعة عشر ووعود الحلفاء للأرمن بأن محنتهم في سبيلها للانتهاء شعر الأرمن بان طموحاتهم وأمانيهم ستتحقق . لكن جاءت تسويات مابعد الحرب علي العكس، ففي 30 يونيو 1918 يعلن عن ميلاد الجمهورية الأرمنية ولم تعترف بها الولايات المتحدة الأمريكية إلا في أبريل 1920 وبالرغم من إبداء ويلسون استعداده لقبول الانتداب الامريكي علي أرمينيا وإرساله لبعثتين لتقصي الحقائق لدراسة إمكانية الانتداب والوقوف علي حقيقة الوضع ، إلا أنه فضل عرض تأجيل مشروع الانتداب علي مجلس الشيوخ إلي بعد ان تتم مناقششته والتصويت علي معاهدة فرساي وميثاق عصبة الأمم ، مما ساهم في وأد المشروع.
ألقت لغة المصالح المتبادلة بظلالها علي تعامل الولايات المتحدة مع القضية الأرمنية ، ففي حين صرحت عشرات الحكومات رسميا بما فيها كندا وفرنسا وإيطاليا وروسيا وغيرها باعتبار مذابح الأرمن العثمانيين (1915-1916) أول إبادة جماعية في العصر الحديث، وفي حين صوتت أربعين ولاية أمريكية علي مشروع قرار بأن ماحدث للأرمن العثمانيين خلال الحرب العالمية يمثل أول إبادة جنس في العصر الحديث ، ولكن ما زالت واشنطن مصرة علي موقفها بتجنب اتخاذ أي موقف رسمي حرصا علي مصالحها مع شريكها الرئيسي في الشرق الأوسط " تركيا " ، وكذلك إسرائيل التي ترفض الاعتراف بأية إبادة غير الهولوكوست النازي .
وهكذا ، فطالما لغة المصالح هي التي تحكم سياسات الدول ، فستظل المشكلات الإنسانية كالقضية الأرمنية معلقة بدون حل .





عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى