منتديات عطا درغام
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» التحليل النفسي للجنون
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:53 من طرف عطا درغام

» محاكمة ألف ليلة وليلة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:50 من طرف عطا درغام

» فنون الحياة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» المسألة الكردية: الوهم والحقيقة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» أسود سيناء
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:48 من طرف عطا درغام

» 100 عام من الإبادة إلي السيادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:51 من طرف عطا درغام

»  يعقوب أرتين ودوره في الحياة المصرية (1842-1919)
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» مئة ..وتستمر الإبادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» القرصنة في البحر المتوسط في العصر العثماني:
السبت 12 مارس 2016 - 19:25 من طرف عطا درغام

» الأرمن في مصر في العصر العثماني
السبت 12 مارس 2016 - 19:24 من طرف عطا درغام

 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث

الأرمن والغرب والإسلام :جناة وضحايا و متهمون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الأرمن والغرب والإسلام :جناة وضحايا و متهمون

مُساهمة من طرف عطا درغام في الثلاثاء 30 يونيو 2015 - 13:32


الأرمن والغرب والإسلام :جناة وضحايا و متهمون
تأليف : الدكتور محمد رفعت الإمام
عرض : عطا درغام
تنقسم الدراسة إلي تسعة فصول رئيسية ، تسبقها مقدمة وتنهيها خاتمة .
ويشير الكاتب في المقدمة ، أنه لا يهدف من هذه الدراسة التأريخ لمذابح الأرمن العثمانيين في منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدا بين عامي 1894-1896 ، زمن السلطان عبد الحميد الثاني ، ولاترمي إلي رصد مواقف الغرب نحوها ، بل تركز علي رؤية الغرب لموقع الإسلام ودوره في هذه المذابح من خلال قراءة النصوص المعاصرة المختلفة .
ويؤكد الكاتب أن الدراسة لا تتناول الإسلام من منظور النصوص والعقائد ، ولكن من زاوية الممارسات والتوظيفات والإسقاطات، وأدبيات البحث قد استخدمت في الغالب الأعم مصطلح " تركي " بمعني " مسلم " و" محمدي" تعبيرا عن ممارسات الدولة العثمانية بصفتها الدولة الإسلامية الأم الكبري.
وثمة حقيقة يشير إليها الكاتب مؤداها ، أن بؤرة الدراسة تتركز علي تحليل مضمون النصوص الغربية عن مذابح الأرمن العثمانيين بين عامي 1894 – 1896 للوقوف علي الرؤية التي تطرحها لدور الإسلام وموقعه في نشوب هذه المذابح وتأجيجيها.
ويذكر الكاتب أن مكتبة البحث تكونت من تشكيلة مصادر متنوعة الضروب ، ورغم تباين أنماطها ، فإن روافدها المختلفة قد تجمعت معا لتصب في مجري أخرج المذابح الأرمنية من نسقها الصراعي بأبعاده الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية وأدخلها في إطار ديني مؤداه : صراع الإسلام ضد المسيحية ، وفي سياق حضاري فحواه : تخلف الشرق وتمدن الغرب .
وفي هذا السياق ، قسم الكاتب الدراسة إلي ثلاثة محاور أساسية ، تناول المحور الأول منها الخطوط العريضة لنشأة القضية الأرمنية في الدولة العثمانية وتطورها حتي اندلاع المذابح بين عامي 1894 – 1896 ، ومن خلال المحور الثاني يثار سؤالان كبيران هما : كيف وضع الغرب المذابح في صورة صراع الإسلام ضد المسيحية ؟ ومن المسئول عن صناعة هذه الصورة ؟ ويتكرس المحور الثالث لرصد السياق العام الذي بموجبه اكتست المذابح، أو بالأحري ، اكتست رداء دينيا .
ويستعرض الكاتب في الفصل الأول ميلاد القضية الأرمنية وتطورها ،ويشير الدكتور محمد رفعت الإمام إلي ثمة عوامل أثرت في ميلاد القضية الأرمنية ، فعلي المستوي الخارجي ضم روسيا لأرمينية الشرقية ، مما جعل الأرمن العثمانيون يأملون في خطوة مماثلة ، والتدخل الروسي في البلقان بدعوي حماية السلاف والأرثوذكس ، وعلي المستوي الداخلي إصلاح أحوال الأقليات الدينية ، مما يكفل لهم الأمن علي أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم .
وأسهم التعليم في تفعيل اليقظة الأرمنية مستفيدا من مناخ الإصلاح والتنظيمات ، ولا يخفي في هذا المنحي تأثير الطباعة والصحافة اللتين قامتا بدور محوري في تنمية الوعي السياسي لدي جموع الأرمن العثمانيين القاطنين الأناضول .
ويؤكد الكاتب أن الأرمن امتلكوا آليات بدء إحياء سياسي بعد خمسة قرون من سقوط آخر مملكة أرمينية مستقلة في عام 1375 علي أيدي سلاطين المماليك في مصر ، لكن هناك عوامل قد حالت دون أن يقوم الأرمن العثمانيون بحكم ذاتي ، منها تناثر الأرمن في النسيج المسلم بما لا يساعدهم علي تكوين نواة دولة مستقلة ، ومما زاد في تعقيد الموقف الأرمني أن الزعامة الأرمنية تكونت من نخبة رأسمالية مدينية أقامت في المراكز الحضرية داخل الدولة العثمانية أو خارجها ولم تقم في أرمينية بين جموع الريفيين ، يضاف إليهما أنه لم يكن للأرمن قادة عسكريون أو أعيان يستنهضون همم الأهالي ماعدا شريحة ضئيلة .
والجدير بالذكر أن التوازنات الدولية لم تكن في صالح الأرمن العثمانيين ، ورغم ذلك لم يطمح الأرمن العثمانيون إلي الانفصال عن الدولة العثمانية أو حتي الاستقلال الذاتي عن الدولة العثمانية ، وتطلعوا فقط إلي إصلاحات داخلية تبغي الحماية لأنفسهم ولأملاكهم من الموظفين ومن عصابات السلب فضلا عن مساواتهم مع المسلمين في نطاق بقائهم ضمن رعاياها .
بعد نشوب الحرب الروسية – العثمانية 1877 – 1878 ، استاء الأرمن من أوضاعهم خصوصا وأن الأكراد استغلوا ظروف الحرب وهاجموا القرى الأرمنية ، وفي ذلك الوقت ازدادت قناعة الأرمن العثمانيين بعدم جدية الإدارة العثمانية في تنفيذ الإصلاحات ، ليس هذا فحسب بل خيمت عليهم هواجس باحتمالية أن تنكل بهم الحكومة العثمانية جزاء علي اشتراك الأرمن الروس ضدها في الحرب .
ويؤكد الكاتب نجاح المساعي الروسية أثناء المفاوضات بين الروس والعثمانيين ، إذ تضمنت معاهدة " سان ستيفانو " المبرمة في 3 مارس 1878 المادة " 16 " الناصة علي : " أن خروج جنود روسيا من إرمنستان وإرجاعها إلي الدولة العثمانية يمكن أن ينجم عنه المناقشة والاختلاف فيما بينهما ؛ فلهذا يتعهد الباب العالي بإجراء الإصلاحات علي حسب الاحتياجات المحلية في الولايات التي يسكنها أرمن ، وتأمين المسيحيين من تعدي الأكراد الجراكسة " .
ثمة حقيقة يشير إليها الكاتب وهي أن المساومات السياسية والصفقات الدبلوماسية والتوازنات الدولية بين المؤتمرين في برلين قد أطاحت بطموحات الأرمن العثمانيين ؛ إذ تغيرت المادة " 16 " من معاهدة " سان ستيفانو " بكل إيجابياتها إلي المادة " 61 " من معاهدة برلين الغامضة والعائمة . وقد نصت علي : " أن يتعهد الباب العالي – وبدون تأخير – بإدخال التحسينات والإصلاحات التي تستلزمها المتطلبات المحلية في الولايات التي يقطنها الأرمن ، وضمان أمنهم تجاه الجراكسة والأكراد ، كما يتعين علي الباب العالي من حين لآخر أن يحيط القوي الكبرى – التي ستقوم بالإشراف علي تنفيذ الإصلاحات – علما بأي أمر يتعلق بذلك " .
ويتناول الفصل الثاني مذابح العثمانيين 1894 -1896 ، حيث أنه بحلول منتصف ثمانينات القرن التاسع عشر ، انشغلت أوربا بمصالحها الكبرى وتوازناتها عن متابعة القضية الأرمنية المختزلة في المادة " 61 " ، فولدت أهم التنظيمات الثورية خارج حدود الدولة العثمانية ، وتأسس حزب الهنشاك ( الناقوس) الاشتراكي الديمقراطي الأرمني في جنيف بسويسرا عام 1887 ، وحزب الطاشناق ( الاتحاد الثوري الأرمني ) في تفليس عاصمة إقليم القوقاز الروسي عام 1890 وعلي أثر هذه انشغال أوربا بمصالحها انتهج عدد ليس بالقليل من الأرمن العثمانيين السبل الإرهابية بغية حل قضيتهم .
انطلقت الأنشطة الثورية الأرمنية بدء من عام 1890 ضد السلطنة العثمانية في ظل انشغالات القوي الأوربية الكبرى وتحديات الإدارة العثمانية وتوجسات النخبة البيروقراطية والرأسمالية الأرمنية وتزايد تعديات الأكراد علي الأرمن في الولايات الست وغيرها .
ومنذ منتصف عام 1891 وحتي منتصف عام 1894 ، قام الثوار الأرمن بسلسلة من المظاهرات والانتفاضات والاغتيالات في الولايات الأمنية والعاصمة الثانية ، قابلها السلطان بسلسلة من التنكيلات والمصادرات والاتهامات والمحاكمات ، ولم يقف عند ذلك ، بل تولد عن تصاعد الأزمة الأرمنية – العثمانية تدشين المذابح كآلية لمواجهة انتفاضة الأرمن وحل قضيتهم .
ورغم كل ذلك ، نجد احتجاجات الدبلوماسيين الأوربيين التي لم تجد صداها عند الإدارة العثمانية ، فقبضت علي كل قيادات حزب الهنشاك ، وبذلك ظل الطاشناق هو التنظيم الثوري الوحيد النشط في تبني حل القضية الأرمنية ؛ إذ في يوم الأربعاء 26 أغسطس 1896 احتل " 26" طاشناقيا عثمانيا مسلحين بتفجيرات البنك العثماني في حي جالاتا العثمانية واحتفظوا ب" 150 " رهينة من موظفي البنك وعملائه ،وأعلن الطاشناقيون أن مبتغي احتلالهم البنك هو الضغط علي أوربا للتدخل بإيجابية لتنفيذ الإصلاحات الأرمنية، وأنهم سيحتلون البنك لمدة يومين ، فإذا لم تستجب مطالبهم ، فسوف ينسفون البنك والموظفين والرهائن ، وتمثلت مطالبهم في تعيين مندوب سام أوربي للولايات الأرمنية الست ، يعين المندوب السامي موظفين محليين ، تكوين جهاز الشرطة من عناصر أرمنية – عثمانية ، إصلاحات قضائية ، حرية العبادة والتعليم والصحافة ، وإعادة الأملاك المصادرة ، السماح بعودة الأرمن الهاربين ، ومنح عفو عام للأرمن السياسيين ، تشكيل أوربا لجنة مؤقتة للإشراف علي الإجراءات السابقة .
وبينما فشلت القوات العثمانية في استرداد البنك عنوة ، نجح السفير الروسي في الأستانة ماكسيموف في عقد تسوية بين الحكومة الروسية والطاشناقيين تم علي أثرها البنك وترحيلهم دون التعرض لهم إلي الخارج علي وعد بتدخل أوربا لحل القضية الأرمنية .
واتخذت الحكومة العثمانية من هذه الحادثة ذريعة لارتكاب مذابح بدعوي أنها رد الفعل الشعبي التلقائي إزاء الإجرام الأرمني ، وفي حين كان الطاشناقيون يبحرون علي متن السفينة " جيروند " الفرنسية إلي مارسيليا ، تركوا وراءهم الأرمن يكفرون عن جريمتهم الإرهابية دون تلبية المطالب الإصلاحية .
وينتهي الكاتب ، إلي أنه علي الرغم من الجدل حول عدد ضحايا الأرمن في مذابح 1894 -1896 الذي يتراوح بين " 100 – 150 " ألف نسمة ، فإنه من الثابت نزوح آلاف آخرين إلي البلاد العربية وروسيا والبلقان وأوربا والولايات المتحدة مما أدي إلي تخلخل البنية الديموجرافية ليس في إرمنستان وبالذات أرضروم وفان وبتليس فقط ، ولكن أيضا في بقية الخريطة السكانية العثمانية .
وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان " مذابح دينية "، فيشير الكاتب إلي وصف الأدبيات موضع البحث مجريات المذابح الأرمنية بين عامي 1894 -1896 في سياقين متباينين ؛ أولهما – وهو عابر سياق إنساني ، وثانيهما سياق ديني.
ويكمن سبب وصف توصيف المذابح الأرمنية بأنها أبشع جرائم القرن في إصرار مرتكبيها علي تزويرها ؛ إذ تتكرر نفس الرواية في كل مكان.
وفي هذا السياق تطرح الأدبيات الغربية في صورة نمطية مؤداها أن مسلمين يذبحون مسيحيين ، مختزلة الأكراد والأتراك والجراكسة واللاظ وغيرهم بكل خلفياتهم ومحركاتهم في " مسلمين " ، وكذا الأرمن بكل واقعهم وطموحاتهم في " مسيحيين " وتكاد تتفق الرؤى الرسمية وغير الرسمية علي رسم هذه الصورة جملة وتفصيلا . وتتأكد هذه الحقيقة بجلاء من متابعة العناوين الرئيسية للصحافة الغربية.
ومنها علي سبيل المثال ، نشرت جريدة " الهاليفاكس هيرالد في عددها الصادر يوم الخميس 24 أكتوبر 1895 ، وعلي صفحتها السادسة ، عنوانا كبيرا يقول " الهجوم علي المسلمين " وفي 20 نوفمبر ، نشرت ذات الجريدة في صفحتها الرئيسية عنوانا رئيسيا " أبيدوا المسيحيين " وآخر فرعيا : " أصبحت تركيا سلخانة كبيرة ".
ومن منظور رسمي ، يورد الكاتب برقية أرسلها جويت القنصل الأمريكي في ولاية سيفاس إلي تيريل السفير الأمريكي بالأستانة يوم الثلاثاء 12 نوفمبر 1895 يخبره فيها بابتداء " مذبحة ضد المسيحيين " في الإقليم . وفي اليوم التالي ، أكد القنصل للسفير علي " استمرار المذابح الرهيبة ضد المسيحيين في سيفاس " .
وعلي المستوي الشعبي ، نشرت الصحافة عدة مقالات إما تغذي الرؤية الدينية للمذابح الأرمنية أو تصب مباشرة في صلبها .
وفي هذا السياق يذكر الكاتب ، أنه إذا كان ممكنا انتقاد الصورة التي أفرزتها الوسائط الإعلامية بدعوي أن الصحافة تسعي دوما إلي التهويل والتضخيم بل والمبالغة ، فمن المفارقات أن القنوات الدبلوماسية الرسمية بكل حساسياتها ودقتها قد تعاطت المذابح الأرمنية من منظور " مسلمين يذبحون مسيحيين " علي نحو ماصوره الإعلام المقروء .
ويدلل الكاتب علي ذلك من خلال الوثائق الفرنسية الرسمية الخاصة بأحداث المذابح الأرمنية في خريف عامي 1895 و 1896 . ، بالنسبة للحالة الأولي وهي خاصة بمذابح ولاية ديار بكر ، ثمة برقيات تجسد الأوضاع في الولاية أرسلها ميريه نائب القنصل بديار بكر إلي كومبون السفير الفرنسي بالأستانة في برقيته المرسلة في 2 نوفمبر 1895 بأن المدينة " تموج بالدم والنار " وفي اليوم التالي ، أرسل برقية ثانية ذكر فيها أنه رأي من مقر إقامته " الجنود والضباط الأكراد بأعداد كبيرة يطلقون النار علي المسيحيين " .
وفي الحالة الثانية ، أحداث البنك العثماني في أواخر أغسطس 1896 ونتائجه ، ففي تقرير مطول ومفصل بعث به يوم 3 سبتمبر 1896 دولا بولينيير القائم بالأعمال الفرنسي بالأستانة إلي هانوتو وزير الخارجية الفرنسية عن هذه الأحداث وملابساتها وتداعياتها يصور فيها مجريات الأمور علي أنها مذابح للمسيحيين علي أيدي عصابة من البلطجية .. السكان المسلمين المتلهفين علي النهب وعلي دماء المسيحيين .." وقد فسر تخاذل السلطات العثمانية عن إنقاذ مصير البنك العثماني وهو مؤسسة مصرفية كبري بأنها ترغب بالأمور أن تصل إلي نقطة تبرر الغضب المفرط لدي المسلمين .
وفي الفصل الرابع الذي يحمل عنوان ( تديين الإصلاحات الإدارية ) حيث يشير الكاتب إلي وضع السلطات العثمانية مسألة الإصلاحات الإدارية في ولايات شرق الأناضول في إطار ديني محض ، كما سبق وأن تعاطت المذابح الأرمنية من منظور ديني ، في الوقت الذي نادت فيه بعض الأصوات الغربية التي ناشدت السلطات العثمانية والرأي العام للنظر إلي مسألة الإصلاحات الإدارية في السياق العام لأوضاع الدولة العثمانية .
وفي هذا الخصوص ، برز صوتان : أولهما ديني ممثلا في بابا روما لاون الثالث عشر ، وثانيهما سياسي مجسدا في جلادستون رئيس الوزراء البريطاني الأسبق آنذاك ، فالبنسبة لبابا روما ، فقد دعاه السلطان عبد الحميد في مطلع عام 1895 للتحكيم في مسألة الأرمن ، واستجاب البابا وبعد دراسة للقضية اقترح الآتي " تدخل القوي العظمي ، الحصول علي ضمانات عملية لتنفيذ جميع الإصلاحات ، تعين حكام مسيحيين في الولايات ذات الأغلبية المسيحية " .وقد أغضبت هذه المقترحات السلطان بشدة.
وجاءت رؤية جلادستون في كلمته التي ألقاها في اجتماع مقاطعة شيستر لمناصرة المعذبين من المسيحيين في الدولة العثمانية ، أوضح أن المسألة المثارة ليست حزبية وليست دينية محضة ، وناشد الرأي العام بتحاشي الانسياق خلف رأي مسبق يتعامل مع تنفيذ أو عدم تنفيذ الإصلاحات الإدارية من منظور ديني.
وخرج الاجتماع بتوصية مؤداها : سوف تحصل الحكومة البريطانية علي مساندة مطلقة من قبل الأمة في أي إجراء تتبناه لضمان تفعيل الإصلاحات التي تبتغي ضمان حياة آمنة للأرمن وأعراضهم ودينهم وممتلكاتهم والتأكيد علي أنه لم يتم تفعيل أي من الإصلاحات دون أن تكون تحت الرقابة الوثيقة للقوي العظمي الأوربية .
ويشير الكاتب إلي الموقف الروسي والفرنسي ، حيث لم تعر حكومتا سان بطرسبرج وباريس اهتماما ملحوظا بالبعد الديني في مسألة الإصلاحات الإدارية علي عكس لندن التي صممت علي اختيار ولاة المقاطعات والحكام من المسلمين والمسيحيين علي حد سواء ، وان يكون المندوب المفوض من قبل السلطان والمكلف بتنفيذ الإصلاحات مسيحيا .
وثمة تيار غربي جارف تبنته الصحافة ، ربط عضويا بين تنفيذ الإصلاحات الإدارية ونشوب المذابح الأرمنية .
وفي هذا الصدد نشرت ( الديلي نيوز ) اللندنية في 10 سبتمبر 1895 تقارير عن تكوين الضباط الأتراك من أصحاب الرتب الصغيرة جماعات معادية للمسيحية من اجل ذبح المسيحيين في حالة موافقة الباب العالي علي الإصلاحات بالشكل الذي تصر عليه القوي العظمي.
وفي هذا السياق أيضا ، نشرت جريدة ( الهاليفاكس هيرالد ) الكندية علي صفحتها الأولي : " أن السلطان عبد الحميد الثاني بعد يوم أو يومين من توقيعه علي خطة الإصلاح أمر بمذابح الأرمن حتي لا يكون هناك مجال للحديث عن أية أغلبية مسيحية في أي من الولايات " .
ومابرحت هذه الجريدة تروج للعلاقة الوثيقة بين الإصلاحات والمذابح " الرامية إلي القضاء علي المسيحيين في آسيا الصغري.. كي لا يطالبوا بحقوق تتناسب مع أعدادهم .. بل وحرمانهم من أي حق في المطالبة بأي نفوذ "
ويؤكد الكاتب أن الرؤية الإعلامية لم تكن بمعزل عن الرؤية الدبلوماسية ؛ إذ يلاحظ الربط بين قبول الإصلاحات وقيام المذابح في المراسلات الرسمية .
وفي هذا الإطار برقية بتاريخ 31 أكتوبر 1895 أرسلها ميريه نائب القنصل الفرنسي بديار بكر إلي كوميون السفير الفرنسي بالأستانة يحيطه علما بأن " المسلمين قد أرسلوا برقية إلي السلطان يحتجون فيها ضد الإصلاحات .
ويشير الكاتب إلي أنه ، إذا كانت الدوائر الإعلامية والدبلوماسية قد ربطت عضويا بين تنفيذ الإصلاحات ووقوع مذابح دينية ، فإن الدوائر البحثية لم تشذ عن هذه القاعدة ، فقد بلور ديلون في مقالته التيارات السائدة في الغرب بصدد العلاقة بين الإصلاحات والمذابح ، وتبعا لرؤيته ليس المطلوب من وراء الإصلاحات إقامة مملكة أرمنية أو إمارة ولا دولة مستقلة ولا حتي حكم ذاتي مسيحي ؛ ولكن المطلوب فقط أن يتمكن هؤلاء البشر الذين يدينون بالمسيحية في الأناضول من خلال بعض الوسائل الفعالة أن يمارسوا ديانتهم وشعائرهم التي ألفوها هناك منذ قرون عديدة قبل السماع عن الأتراك والأكراد، بيد أنه يتوقع عدم تنفيذ الإصلاحات من منطلق وحسب الوجهة العثمانية تخالف شريعة الله وستؤدي إلي إيثار المسيحيين علي حساب الآخرين وستكون مدعاة للكراهية العرقية والتطرف الديني وإطلاق مشاعر الغضب الجامح الخامل داخل نفوس المسلمين
أكثر من هذا ، وكما يري ديلون ، أن فرصة الإصلاحات ستؤدي أن يسعي الأرمن للحصول علي مردود سياسي ، ولذا فمن الأفضل أن تبقي الأمور علي ماهي عليه ، أي مزيد من المذابح الجماعية وفي خلال بضع سنين ستحل قضية الأرمن برمتها بعد القضاء عليهم تماما .
وفي الفصل الخامس الذي يحمل عنوان ( تشويه الشعائر والرموز الدينية )
يشير الكاتب إلي طرح الأدبيات الغربية المذابح الأرمنية بين عامي 1894 – 1896 أمام الرأي العام في دائرة ثالثة رمت إلي تشويه صورة الإسلام وشعائره ، وقد صيغت هذه الدائرة من عدة تكوينات متضافرة .
وفي هذا الصدد ، علقت جريدة " الهاليفاكس هيرالد " علي ممارسات السلطة العثمانية القمعية ضد أرمن فان بانها " تنفذ اوامر القرآن " بغرض تقليص أعداد الجنس المستهدف إلي أقصي حد " حتي لا يبقي لديه القوة او القدرة علي التفكير في ثورة " .
ويضاف إلي ذلك تشويه شهر رمضان ، واستهجان الوضوء ، فمثلا وصفت جريدة " الهاليفاكس هيرالد " الأوضاع المأساوية للارمن المعتقلين في سجن بيتليس قائلة : " .. والماء غير صالح للشرب ، ولذا يلجأ الأرمن غالبا إلي الشرب من مياه المراحيض التي يتوضأ منها المسلمون للصلاة " .
ويشير الكاتب إلي أن استقرت في العقل الجمعي الغربي فكرة مؤداها أن الصلاة – عماد الدين الإسلامي – تحض علي ذبح الآخرين ونهبهم وسلبهم وانتهاك حرماتهم ، حتي يوم الجمعة لم يسلم من تقديم صورة مغلوطة عنه.
حتي المسجد – مكان عبادة المسلمين – بأنه بؤرة التجمع للانطلاق صوب المذابح، ويرتبط بهذه الفكرة ، إبراز دور رجال الدين المسلمين في صياغة الأحداث وتوجيهها والتحكم في مسارها .
والجدير بالذكر ، أن التنكيل برجال الدين يكاد يكون ملمحا أساسيا في كل المصادر التي تابعت أحداث مذابح 1894 -1896 .
ولم تقتصر رؤية الأدبيات الغربية لسخرية الإسلام / المسلمين من المسيحية / المسيحيين عند هذا الحد ، بل تجاوزته إلي السخرية من الأيديديولوجية والسياسة عليه، وفي هذا الاتجاه نشرت " الهاليفاكس هيرالد " لقرائها خبرا في 13 يونية 1895 ذي دلالات جد خطيرة .ففي صبيحة يوم الاحد 28 أبريل 1895 ، اكتشف المسيحيون في عربكير صليبا إلي جوار الكنيسة الكاثوليكية مكتوبا عليه تهديدات لهم باللغة التركية ، وفي صبيحة 28 أبريل ، عثروا عند مدخل أحد الأبواب الكنائس البروتستانتية علي رأس كلب معلق عليه صليب مكتوب علي أعلاه : " الإنجليز والفرنسيين والروس والأمريكان والألمان" .
ويشير الكاتب إلي أن الأدبيات الغربية اكتظت بمنظومة نعوت سلبية وسيئة وصفت بها المسلمين ؛ منها : الرعاع ، السوقة ، المتوحشون ، وعلي هامش هذه التوصيفات الحادة للمسلمين ، انتقدت الادبيات ذاتها مجمل الحضارة الإسلامية واصفة إياها ب الحضارة الهمجية ، وحسب " الهاليفاكس هيرالد " الكندية : " إن سوء الإدارة الحكومية والمذابح التي ارتكبها المسلمون في حق الأرمن وعذاب شعب قد ترك تأثيرا عميقا ليس قثط علي بريطانيا المسيحية ، ولكن علي كل بلد متمدن " .
وفي الفصل السادس الذي يحمل عنوان ( موت المسيحية وحياة الإسلام )، يؤكد الدكتور محمد رفعت أن هناك قضية شائكة أثارتها الأدبيات مؤداها : أن السياسة العثمانية في ردائها الإسلامي ترمي إلي إفناء المسيحية في الشرق بالقضاء علي الجنس الأرمني.
وفي هذا الصدد ، ثمة كتابات حذرت الرأي العام الغربي من أن أمر المذابح يتعلق بكل مستقبل الدين المسيحي والأنشطة المرتبطة به؛ إذ أن المشكلة المعلقة تحمل بين طياتها حياة أو موت المسيحية .
وإثر المذابح الغربية استدعت الأدبيات الغربية التاريخ الدموي الذي صاحب نشر المسيحية حتي المذابح الأرمنية ، أقرت الأدبيات بان المذابح الأرمنية هي الأكثر لعنة في التاريخ ، لأنها سوف تحط من شان المسيحية ، وتعرقل نمو المجتمع المتحصر، كما أنها ليست جريمة وحماقة ، ولكنها ضربة قاضية لعالم والحضارة الإنسانية تحت شعار العصبية المحمدية .
والجدير بالذكر أن الأدبيات الغربية ، نظرت إلي الأرمن في وقت تلتهب فيه المشاعر الدينية ،وتتصادم المصالح علي أنهم رسل الحضارة الغربية في الأناضول .
وقد ردت بعض الأدبيات الغربية التفوق الأرمني في المنظومة العثمانية إلي اعتناق المسيحية، وعلي هذا المنوال ، قمت جريدة الهاليفاكس هيرالد الأرمن إلي قرائها علي أنهم التجار والوكلاء في الشرق وأنهم شعب صبور وأمين ومنتج ومقتصد وسر تفوقهم علي أرباب أعمالهم من البرابرة الأتراك هو عقيدتهم المسيحية القوية وتمسكهم بالكتاب المقدس.
وثمة قضية خطيرة يشير إليها الكاتب ، وهي أن المسلمين حكومة وشعبا قد فرضوا الإسلام عنوة علي الأرمن ليكون بمثابة طوق النجاة من المذابح .
ويذكر الكاتب أن الخطاب الغربي بخصوص أسلمة الأرمن لجأ إلي صيغة الفعل المبني للمجهول اوتعبيرات عامة وكما تذكر " الديلي نيوز " أن : " العديد من أعيان كوش قد أجبروا علي اعتناق الإسلام بغية إنقاذ أرواحهم وممتلكاتهم وشرفهم وزوجاتهم وبناتهم " .
ويلاحظ أن الأدبيات كلها أجمعت علي أن الأسلمة استهدفت المرأة الأرمنية ، وكذا الطفل بالأساس ، وفي هذا المنحي ، ثمة رباط عضوي وثيق بين فرض اعتناق الإسلام واغتصاب المراة ، وحسب شهادة ميريه نائب القنصل الفرنسي بديار بكر " أجبرت الأرمنيات الحسناوات لمرات عديدة علي الامتثال لشهوات الجنود، "، وبعد ذلك " أخبرن بأن في إمكانهن البقاء علي قيد الحياة إذا قمن بتغيير دينهن "
يضاف إلي ذلك ثمة حالات أخري استهدفت مذهبا دينيا بذاته ، وفي هذا الصدد يؤكد الكاتب علي تضارب المصادر وتناقضها ففيي 5 نوفمبر 1895 وعلي صفات المجلة المعاصرة الصادرة بلندن ونيويورك أقر ماك كول بأن المذابح وما نجم عنها من أسلمة راهنت علي الأرمن الأرثوذكس فقط. وفي مطلع عام 1896 نشرت " الهايفاكس هيرالد " خطابا من مرعش فحواه أن الأرمن البروتستانت في قرية أباستان قد تحولوا إلي الإسلام جماعات كوسيلة من النجاة بأنفسهم.
ويشير الكاتب إلي شفافية الموقف العثماني بصدد أسلمة الأرمن ، فإن الواقع العملي كان يسير في الاتجاه المعاكس.ففي 30 يناير 1896 نشرت الصحافة المعاصرة برقية من سكان بيرجيك بقيليقية إلي قصر يلديز ك " زعماء الأرمن الجريجوريين والبروتستانت والكاثوليك يعلنون فيها عن رغبة كل أرمن البلدة في اعتناق الإسلام " . ومع أن القنوات الإعلامية قد نعتت هذه البرقية بأنها مزورة ، فإن الدوائر الدبلوماسية تؤكد علي مصداقية معناها وفحواها .

وفي الفصل السابع الذي حمل عنوان : ( النظام العثماني شريكا ) ، يحمل الكاتب السياسة العثمانية الرسمية المسئولية نسبيا في صناعة الصورة السلبية التي رسمتها الأدبيات الغربية ، فيشير إلي استخدام البيانات العثمانية التوضيحية والتفسيرية الموجهة إلي الغرب مصطلح "مسلم" للدلالة علي الضحايا من الأتراك والجراكسة والأتراك وغيرهم علي أيدي الأرمن .
وفي هذا الصدد يشير الكاتب إلي أن أخطر ما لجات إليه الإدارة العثمانية لتبرير سياستها القمعية وتفسير الممارسات الشعبية الدموية ضد الأرمن هو " اتهام الأرمن بالهجوم المسلح علي المساجد والمصلين أثناء الصلوات ". وقد أولت الأوساط الدبلوماسية هذه المسألة اهتماما ملموسا ، وفي هذا السياق المراسلات التي دارت يوم 2 نوفمبر 1895 بين كومبون السفير الفرنسي بالأستانة وبين ميريه نائب القنصل الفرنسي بديار بكر، تساءل السفير : يدعي الصدر الأعظم أن الصراع نشب نتيجة هجوم الأرمن علي المساجد ، هل هذا صحيح ؟ " وفي نفس اليوم رد عليه نائب القنصل بقوله : " منذ عدة أيام يعد المسلمون لمذبحة وقاموا بتنفيذها بمحض إرادتهم ودون أي شيء يدعو إلي استفزازهم . إن اجتياح الأرمن للمساجد ليس إلا خبرا مختلقا جملة وتفصيلا " .
كما انطبعت في المخيلة الغربية صورة الأكراد أنها وجه آخر للاتراك ؛ أي المسلمين ، وارتبط ذكرهم بالنهب والسلب والتدمير والاغتصاب وإراقة الدماء، وفي هذا السياق ، ففي الوثائق الرسمية نجد، أخبر ميريه هانوتو في 5 أكتوبر 1894 بأن السبب الجوهري في التمرد الأرمني ببيتليس يكمن في " مضايقات الأكراد للأرمن " .
يضيف الكاتب إلي كل ماسبق ، إسهام الإعلام العثماني نسبيا في تحويل مجري المذابح الأرمنية 1894 -1896 إلي صراع إسلامي – مسيحي ؛ إذ أن الإدارة العثمانية قد فرضت رقابة صارمة وستارا حديديا علي المطبوعات ، ونشرت الحقائق إما مقلوبة أو مغلوطة وإما مبتورة أو مشوهة .
ويحمل الفصل الثامن عنوان : ( الغرب والشراكة الكبري )، ويؤكد الكاتب أن الغرب يتحمل المسئولية بنسبة أكبر ؛ إذ بالمثل تماما استخدمت الادبيات مصطلح " المسيحيين " بدلا من الأرمن ، وعلي ذكر المذابح الأرمنية ، طرحت صورة مغلوطة للرأي العام الغربي عن أوضاع المسيحيين في الدولة العثمانية .
وجدير بالتسجيل، يؤكد الكاتب إلي أن حملات جمع التبرعات التي أديرت في سياق ديني قد أسهمت في تكوين صورة الأزمة الإسلامية المسيحية .
وفي خط متواز مع تداعيات صبغ عمليات التبرعات بطابع مسيحي محض ، فإن التأثير السلبي للإرساليات التبشيرية يعد عمودا فقريا في هيكلية الصورة ، فكانت الدوائر الدبلوماسية والإعلامية تستقي معلوماتها الأساسية عما يحدث في الأناضول وقيليقية من خلال برقيات وخطابات برقيات أعضاء الإرساليات، ولا ريب أن هذه المعلومات تهيمن عليها الروح التبشيرية وتنزلق بالرأي العام في خضم الصراع الديني .
ومن ناحية ثانية ، نتج عن النشاط الإرسالي بين الأرمن انتعاش الأرمن اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وتميزهم عن جيرانهم الأكراد المثارين بقوة الدين، ولذا ، أضحت مقاومة الإرساليات وأعضائها – المؤازرين للأرمن – فرضا من منظور ديني .
ومن ناحية ثالثة ، زاد الإرساليون من لهيب النار المشتعلة في الفضاء العثماني عندمما أوعزوا للغرب ، حكومات وشعوب ، بان القضية دينية بحتة.
ومن ناحية رابعة ، تسببت الإرساليات في انتقاد الدبلوماسيين الغربيين للدولة العثمانية بشكل سافر.إذ نظرا لخطورة موقف الإرساليات ، طالب تيريل السفير الأمريكي بالأستانة الباب العالي في منتصف نوفمبر 1895 " بضرورة حماية الإرساليات ، وشدد علي ان الولايات المتحدة تعتبر تركيا مسئولة عن حياة أفراد الإرساليات ، بل مسئولة في حالة مس حتي شعرة من رأس أي أمريكي " .
ويشير الكاتب إلي أن الأمر لم يقتصر علي الإرساليات البروتستانتية التي ترعاها الولايات المتحدة ، بل امتد – وبشكل اكثر سفورا – إلي الإرساليات الكاثوليكية التي ترعاها فرنسا .
ويضاف إلي ماسبق ، ثمة تيارات دعت الأنظمة الغربية إلي أن تتدخل في الشأن الأرمني بالدولة العثمانية تحت شعار المسيحية-. ففي الأوساط الأمريكية – وهي أوساط صديقة للنظام العثماني آنذاك – ثمة أصوات قد تعالت منددة بأوربا المسيحية.
وفي الدوائر الفرنسية –وهي ليست ضد السلطنة العثمانية – تنوعت الرؤية إلي المذابح الأرمنية من منظور إنساني ، وأحيانا سياسي ، ولكن طغت بشدة وجهة النظر المسيحية البحتة .
وفي النطاق البريطاني – وهي معتدلة مع دولة الخلافة – انبثقت تيارات تطالب لندن بالتدخل ضد الممارسات العثمانية إزاء الأرمن ، ولذا يجب علي التاج البريطاني أن يقرر عدم ترك المسيحيين تحت رحمة المسلمين دون حماية ، وخصوصا ان بريطانيا صاحبة الأخلاق السامية .
وفي هذا السياق ومن رؤية مسيحية ، يؤكد الكاتب تعرض علاقة الغرب بالدولة العثمانية لهجوم صارخ في وسائل الإعلام . فقد انتقد ماك كول أوربا المسيحية بشدة لأنها تعتبر السلطنة دولة متحضرة .وإذا أدركت أوربا المسيحية أن الحكومة التركية هي بمعني الكلمة " عبارة عن عصابة منظمة تخضع لنير استبدادها أكثر مناطق العالم جمال وثراء معانيه من الأنين والعذاب لعملت علي وضع نهاية لعار استمرار مثل هذا القطيع من البربر .." .
وفي الفصل التاسع ( الظالم والمظلوم ) ، يشير الكاتب إلي أن الغرب أسهم سلبيا في تمزيق وحدة الكنيسة إثر الأنشطة التبشيرية الكاثوليكية والبروتستانتية بين أتباعها ، مما تمخض عنه انسلاخ قطاعات ليست بالقليلة عن جسد الكنيسة الأرمنية الأم .
ويؤكد الكاتب أن الموقف الأوربي ممما يحدث في الاوساط العثمانية كان يتلخص في إجماع دولها العظمي علي أن مصلحتهم المشتركة تقضي بترك بنية الدولة العثمانية تتصدع شريطة أل يؤدي إلي انهيارها التام، بيد أن دعم هذه الدول للحركات الانفصالية والثورات الداخلية قد أسهم في تعجيل انهيار الدولة العثمانية .
وتطرح الادبيات الأدبية الغربيى صورة مؤداها ان المجتمع العثماني كان مقسما إلي طوائف دينية أو ملل منعزلة عن بعضها البعض ودون أي تواصل اجتماعي بين أفرادها ، الذين يعيشون في جو من الكراهية المتبادلة ، وفي هذا السياق يذكر أن هذه المنظومة كانت تعيش نسبيا في وئام وتتعاون في شتي الأمور.
ويشير الكاتب إلي أن توزيع السكان – لا سيما في المدن العثمانية لم يكن دوما ذا صبغة طائفية ، وحتي القرن التاسع عشر ، كان النظام القضائي العثماني يعكس التعددية الطائفية ، إذ كان لكل طائفة دينية محكمتها الخاصة وقضاتها .
ومع هذا ، يؤكد الكاتب إلي بذور الشقاق التي أخذت تنمو بين عناصر الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر بفعل عوامل خارجية وداخلية ، وفي هذا السياق يذكر شهادة فائز الغصين عن تحول العلاقة بين الأكراد والأرمن بعد ان كان يجمعهم الوئام .
ويشير الكاتب إلي الدور المحوري للدين في العمليات السياسية والاجتماعية ، ولكن يصعب فصله عن بقية العوامل، حيث كانت الدولة العثمانية تعتبر نفسها دولة إسلامية ، كما كان عامة الناس في الفضاء العثماني مدركين جيدا الفوارق بين المسلمين وغيرهم خصوصا المسيحيين .
وفي هذا السياق ، فعلي المستوي الداخلي يعد التزام الإدارة العثمانية رسميا بتطبيق الشريعة أحد أبرز مظاهر تأثير الإسلام ، وقد تجلي بوضوح في تنظيم القضاء والإقرار بسلطة القضاة وصلاحيتهم.
وعلي المستوي الخارجي ، أسهم الإسلام بفاعلية في صياغة توجهات السياسة العثمانية الخارجية علي قاعدة " دار الإسلام " في مواجهة " دار الحرب " وواجب علي المؤمن توسيع الأولي علي حساب الثانية .
وجدير بالذكر أن الجامعة الإسلامية التي أرادت أن تستقطب جميع المسلمين حول السلطان – الخليفة تعد رد الفعل لتنامي النعرات الألمانية والسلافية خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
ويؤكد الكاتب أن المفهوم العثماني للإسلام فد تشكل في إطار سياقات خاصة؛إذ ان الأتراك قد اعتنقواالإسلام بمحض إرادتهم ، ولذا لن يضمروا في أنفسهم أية ضغائن أو أحقاد شطر هذا الدين الذين ذابوا فيه وتناسوا كليا تاريخهم وهويتهم في فترة ما قبل الإسلام حتي أن كلمة تركي صارت مرادفا للمسلم في المعاجم الغربية .
ويثير الكاتب سؤالا حول ، كيف تحول الأناضول من هويته المسيحية إلي الإسلام؟ وهل تمت أسلمته عن طريق الاستيراد أم عن طريق التحويل الجبري؟
لا مراء في أن أسلمة الاناضول لم تكن مفاجئة ، بل مرت عبر سلسلة طويلة من التآكلات المتواصلة، وفي هذا الصدد يشير الكاتب إلي أن ثمار زواج الأتراك من مسيحيات قد أسهم – بحكم الشريعة – في زيادة صفوف المسلمين بالأناضول .
ومما هو جدير بالذكر ،ورغم الاجتياح الإسلامي للأناضول ، فإن الجماعات المسيحية ظلت في نمو وصعود مستفيدة من النسق العثماني ذاته الذي ألحق الضرر بتعداد المسلمين .
ويشير الكاتب إلي أن الجماعات المسيحية في الأناضول – لا سيما الأرمن – باتت تشكل معضلة شائكة أمام النظام العثماني ؛ إذ يكون الأرمن أكبر أقلية مسيحية تحت الحكم العثماني إبان منتصف تسعينات القرن التاسع عشر، فقد مثلوا عقبة دينية امام تفعيل مشروع الجامعة الإسلامية بالأناضول .
وفي خط مواكب لهذه التطورات ، بررت المذابح الأرمنية تصور الغرب التقليدي للإسلام وللدولة العثمانية بصفتها دولة إسلامية ، وصار الهدف الأسمي قبل كل شيء – رغم صعوبة تنفيذه- هو إنقاذ الشعوب المسيحية الواقعة تحت النير التركي ( الإسلامي).
وفي الواقع ، وجد العثمانيون أنفسهم بحكم الجغرافيا في مواجهة دول أوربا الغربية المسيحية وقد ركزوا علي هويتهم الإسلامية بصفتهم مجاهدين في سبيل الله رفعوا راية الإسلام رغم أنهم استخدموا مسيحيين في جيوشهم ، وعلي الجانب الآخر ، اعتبر الغرب بفرعيه الأوربي والأمريكي العثمانيين ممثلين للحضارة الأخري مقابل الحضارة الحديثة .
والجدير بالذكر أن الصورة التي ترسخت في ذهن الغرب عن العثمانيين تأرجحت بين الحسن والقبح ، إذ اعتبر الغرب العثمانيين مجتمعا منحطا تارة وشهوانيا تارة ، ثم تغيرت إلي الهوس بكل ماهو عثماني منذ عام 1863 ، ثم ثلاشي هذا الهوس خلال القرن التاسع عشر ،لتحل محله الصورة البشعة القديمة لوحشية العثمانيين ( المسلمين ) وهمجيتهم وفساد حكمهم.
وفي مواجهة هذه الصورة ، بقيت الدولة العثمانية تكافح للحقاظ علي كيانها أمام مجابهة تعاظم الإمبريالية الأوربية وتسلطها .
وينهي الكاتب دراسته بخاتمة تحمل عنوان ( براءة من ؟) ؛ إذ يشير الكاتب أن القرن التاسع عشر لم يكن قرنا للهزائم العثمانية العسكرية فقط ، ولكنه قرن تحجيم العثمانيين وجرح عزة نفوسهم وكرامتهم، فثورات الأقليات المسيحية ، وتدخل الغرب لصالحهم ، قد أفضي إلي انسلاخات متتالية عن الحسد العثماني ، ومن ثم أصبحت المسألة القومية للأقليات قضية محورية في السياسة العثمانية .
ويؤكد الكاتب ، أن القرن التاسع عشر ، لم يكن قرن المذابح المسيحية وحدها ، بل شهد أيضا المذابح الكبيرة ضد الشعوب المسلمة . وقد استقر معظم الناجين من هذه المذابح في الأناضول وبالذات في المناطق المأهولة بالأرمن " ن الذين سيطر عليهم الشعور بالثأر فغدوا جلادين لإفناء الأقليات الأخري بشكل جماعي وعلي رأسهم الأرمن .
وفي خضم هذه التفاعلات والانفعالات التي أحاطت بالنظام العثماني ، تصاعد الشعور تجاه الأقليات من مجرد نفور إلي كراهية سافرة، ومما زاد في تصعيد الكراهية ضد الأقليات المسيحية أن النظام العثماني لم يستوعب مطالبها القومية وروج إشاعات سلبية جدا عن ثوراتها الشعبية وصرح فقط عن القتلي المسلمين .
ويشير الكاتب إلي مبالغة الغرب في بياناته عن مذابح الأقليات المسيحية وتعاطيه لها من منظورأحادي متجاهلا مذابح المسلمين . وبذا ، انشغل الرأي العام الغربي بما جري للمسيحيين دون النظر إلي مايجري للمسلمين.
يضاف إلي ماسبق ، أقحم المتصارعون الدين في اللعبة السياسية بدءا من الأقليات المسيحية ومرورا بالنظام العثماني وانتهاء بالغرب ، والعكس كذلك ، كما أسهم قطبا الصراع في تعقيد القضية الأرمنية وأدخلاها في معترك معقد قوامه صراع الإسلام ضد المسيحية ،مالبث أن تمخض عنه خاسر واحد ووحيد هو الشعب الأرمني .

عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى