منتديات عطا درغام
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» التحليل النفسي للجنون
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:53 من طرف عطا درغام

» محاكمة ألف ليلة وليلة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:50 من طرف عطا درغام

» فنون الحياة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» المسألة الكردية: الوهم والحقيقة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» أسود سيناء
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:48 من طرف عطا درغام

» 100 عام من الإبادة إلي السيادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:51 من طرف عطا درغام

»  يعقوب أرتين ودوره في الحياة المصرية (1842-1919)
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» مئة ..وتستمر الإبادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» القرصنة في البحر المتوسط في العصر العثماني:
السبت 12 مارس 2016 - 19:25 من طرف عطا درغام

» الأرمن في مصر في العصر العثماني
السبت 12 مارس 2016 - 19:24 من طرف عطا درغام

 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث

الأرمن تحت حكم الاتحاديين (1909-1918)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الأرمن تحت حكم الاتحاديين (1909-1918)

مُساهمة من طرف عطا درغام في السبت 17 يناير 2015 - 9:45


في أعقاب ثورة تركيا الفتاة عام 1908 ، تدفق علي الدولة العثمانية مناضلو تركيا الفتاة واللاجئون السياسيون الأرمن والبلغار ناهيك عن أتراك من روسيا. وهكذا ، تغلغلت في الدولة ذخيرة كاملة من الأفكار الجديدة: التجديد الإسلامي والشعبية والقومية والتضامنية والاشتراكية. بيد أن تيارين كبيرين انبثقا في طوفان الأفكار التي اجتاحت الدولة واستقطبا حولهما مجمل الحياة الفكرية.إذ يقف التيار الإسلامي علي طرف المروحة الإيدليوجية، في حين يقف التيار التغريبي علي طرفها الآخر.
وبين هذين التيارين المهيمنين علي المسرح الفكري العثماني ، يظهر تدريجيا تيار من نمط ثالث يتحسس خطاه: إنه النزعة التركية القومية. وقد انبثقت هذه النزعة من لقاء تيارين بعد اندلاع ثورة 1908 هما : حركة مسلمي روسيا الذين وجدوا في اتحاد الشعوب التركية في روسيا القوة الضرورية لمقاومة خطر الجامعة السلافية، وحركة علمية ثقافية ولدت في الأستانة تتجه إلي استكشاف ماضي الأتراك وهويتهم.هذا، وقد جندت لجنة الاتحاد والترقي، وهي لا تزال في سالونيك، عددا من الكتاب والشعراء للبحث عن لغة جديدة ؛أي تركيبة مبسطة ونقية من المفردات العربية والفارسية.
هنا تحديدا ، بدأ الاتحاديون مساعيهم إلي فرض استعمال اللغة التركية علي جميع قوميات الدولة العثمانية.واعتلي ضياء جوك آلب (1876-1924) علي رأس جميع الكتاب والشعراء حتي أضحي  أيديلوجي لجنة الاتحاد والترقي التي تبنت تدريجيا النزعة التركية علي يديه.ودعت قومية آلب إلي ضرورة ثورة اجتماعية تبحث عن نتاج تركيب بين الثقافة القومية والحضارة الأوربية. وبذا، أرسي جوك آلب أسس مفهوم رومانتيكي للنزعة التركية القومية. بيد أن هذه الأفكار لم تجد جمهورا لها ساعتئذ خارج أوساط محدودة في سالونيك والأستانة.
وبعد أن غدا الاتحاديون القوة السياسية المسيطرة علي الدولة العثمانية، لزم عليهم العمل من أجل إنقاذ وحدة دولتهم المهددة بدرجة خطيرة وتطبيق الجزء الأول من شعارهم : "الاتحاد". فما هي السياسة التي سوف يتبعونها إزاء مشكلة " الأقليات الإثنية"؟.
نظر الاتحاديون إلي "الاتحاد" علي أنه اتحاد جميع العناصر الإثنية في الدولة العثمانية؛ أي إنهاء الاتجاهات الخصوصية او الاستقلالية أو الانفصالية بين صفوف قوميات الدولة ، أكانت مسلمة أم مسيحية ، وفي حالة غير المسلمين ، أراد الاتحاديون القضاء علي " الملل" ؛ الجماعات العرقية- الدينية شبه المستقلة لأنها- في منظورهم- لا تتماشي مع مفهومهم عن الاتحاد، بل إنها تمثل تحديا حقيقيا للمفهوم الذي يتصورونه عن الدولة.ومن هنا ، لا بد أن يكون الجميع مواطنين عثمانيين سواسية أمام القانون لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات ، ولا يوجد بعد يونانيون ويهود وعرب وأتراك وأرمن .
بيد أن قوميات الدولة العثمانية لها مفهوم آخر عن الاتحاد. فبالنسبة لغير المسلمين ، كان الاتحاد يعني المساواة يعني المساواة بين الملل، بل تنمية نظام الاستقلال الثقافي الذي بموجبه يصيرون أرمن أو يونانيين أولا ثم رعايا عثمانيين ثانيا.
والواقع أن هذه الاختلافات في طريقة فهم" الاتحاد العثماني" والتي كانت مطموسة مؤقتا في فورة حماس الثورة، قد ظهرت بشكل سافر غداة يولية 1908.إذ منح مناخ الحرية طموحات القوميات وسائل جديدة للتعبير عن ذاتهم بخلاف البندقية أو القنبلة مثل التطور غير العادي للصحافة وظهور صحف بشتي لغات الدولة مع تكاثر الأندية الثقافية والجمعيات ذوات الأساس الإثني أو الديني.
كما أتاح البرلمان منبرا للقوميات كي تسمع صوتها . ولكن برلمانا يشمل تحت قبته أخلاط غير عناصر: تركية وعربية وألبانية ويونانية وأرمنية وسلافية ويهودية لا بد وأن يتسم بغياب الانسجام. ورغم هذا ، اتخذت الأقليات والنواب والأحرار موقفا اكثر ليبرالية شطر المشكلة القومية كما طرحها الاتحاديون. وفي محازاة الوسائل الشرعية، ما انفك الغليان القومي يتواصل خلال شتاء 1909 : إذ استوقفت الصدامات بين الأكراد والأرمن شرقي الأناضول ونشبت القلاقل في ألبانيا. وهكذا ، زادت إعادة الدستور حدة المشكلات القومية بدلا من تخفيفها . عندئذ ، راح الاتحاديون  يجربون التفاوض مع حزب الطاشناق الأرمني والبطريركية اليونانية . لكن انقلاب أبريل 1909 الذي قامت فيه الأقليات بدور( الألبان)أوأيدته( اليونانيون)، وبعد مذابح أضنة التي دشنت مناخ تخوف شديد لدن الأرمن، لهذا كله ، اجتهد الاتحاديون في تطبيق تصورهم للاتحاد عن طريق سلسلة من التدابير : إغلاق الجمعيات والأندية ذوات الطابع الإثني، القضاء علي الجماعات المسلحة في مقدونيا، إلزام غير المسلمين باداء الخدمة العسكرية. وأخيرا ، سعي الاتحاديون إلي تعزيز توحيد البلاد عبر مركزة النظام التعليمي وفرض تفتيش علي مدارس الأقليات وفرض اللغة التركية علي المدارس والمحاكم. وفي كلمة : انتهاج سياسة عثمنة ثقافية. ولكن هذه التدابير لم تثمر إلا عن استثارة السخط لدي الألبان والعرب مرورا بيونانيي الدولة وأرمنها.
في تلك الأثناء، وقعت الحرب الإيطالية – التركية (1911-1912) واندلعت القلاقل في ألبانيا مما أدي إلي أصداء عميقة في الأستانة وتدشين سلسلة من الأزمات السياسية.عندئذ ، تعززت المعارضة . ففي نوفمبر 1911 ، تشكل حزب الائتلاف الليبرالي" الأحرار" في مجلس المبعوثان وأضحي بؤرة معارضة برلمانية انتقدت النزعة المركزية لدن الاتحاديين. ومن خلال مفارقة مأساوية، جاءت الضربة من مقدونيا- الإقليم الذي ظل مخلصا بامتياز للاتحاديين- عندما تكونت جماعة الضباط المخلصين من بين صفوف الضباط المعادين للاتحاديين والعازمين علي إنهاء الاضطهاد الذي يمارسونه. عندئذ، ألف المشير أحمد مختار الغازي" الوزارة العظمي" في 23 يولية 1912 ، واستبعد منها جميع الاتحاديين ، وحل البرلمان . وبذا ، فقد الاتحاديون كل مواقعهم السياسية.
وقتئذ، رغم تزايد اعتداءات الأكراد علي الأرمن بولايتي أرضروم وبيتليس منذ أبريل 1912 ، فقد ظل البطريرك الأرمني في الأستانة وحزب الطاشناق علي ولائهما للباب العالي آملين تنفيذ الإصلاحات في الولايات الأرمنية. وتجدر الإشارة إلي أن كبرييل نورادونجيان – الفقيه الأرمني في القانون الدولي العام ومستشار الباب العالي- قد اختير وزير للخارجية في وزارة الغازي(1912-1913 ).
وعندما اندلعت الحرب البلقانية (1912-1913) ، أمرت الدولة العثمانية بتجنيد الأرمن في جيوشها لأول مرة، وشكلت منهم وحدات خاصة وزعتها علي الجبهات الحربية. ولم يعارض الأرمن هذا. بل وجدوها فرصة لإثبات ولائهم للدولة العثمانية. ومن ثم ، تحقيق مطالبهم بها.
بيد أن إخفاق حكومة الأحرار في الحرب البلقانية ، عزز معارضة الاتحاديين الذين نجحوا في الاستيلاء علي السلطة بعد الانقلاب المشهور بالهجوم علي الباب العالي في 23 يناير 1913.وهكذا ، وصل الاتحاديون إلي السلطة من جديد وظلوا بها حتي نهاية الحرب العالمية الأولي. وانتهي الفاصل الليبرالي الذي لم يستمر إلا ستة أشهر.
وفي موازاة الدوامات السياسية التي مرت بها الدولة العثمانية ، مرت في الوقت ذاته بأزمة معنوية عميقة.إذ بدأ الارتياب في التوجهات والأيديولوجيات التقليدية : الإسلامية والتغريبية. وفي المقابل ، ازدادت النزعة التركية القومية ترسخا بين عامي 1911-1912 . ولم تعد المسألة مجرد تنقية اللغة التركية وإيجاد أدب قومي، بل صارت مسألة عمل في كافة المجالات التاريخية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية من أجل وحدة جميع الأتراك داخل الدولة وخارجها. وبعبارة أخري: البحث عن بنية جديدة ومتجانسة للدولة التركية عوضا عن الدولة العثمانية متعددة القوميات والمستثمرة والمستغلة والضعيفة. والواقع أن الشبيبة التركية كانت مهيأة لتبني الأفكار الجديدة . فلما كانت هذه الشبيبة لا تجد نفسها لا في "إسلام محافظ" ولا في " غرب مفتوح" ، فإنها باتت تنهمك في البحث عن هويتها.
هذا ، وقد خرجت الدولة العثمانية من الحرب البلقانية متهدمة ومستنزفة ومحرومة من جزء مهم من مواردها البشرية والمالية. ولهذا ، انكب الاتحاديون علي إعادة بنائها ، والبحث عن سبل جديدة للبقاء أمام دولنهم . وسوف نشهد، وقتئذ تنحية الأيديولوجية العثمانية التي كانت توجه العمل السياسي للاتحاديين . فمنذ حرمان الدولة من الولايات البلقانية ، شكلت كلا أقل اختلاطا عن ذي قبل.
هنا ، وجد الاتحاديون أنفسهم مدفوعين إلي إعادة التفكير في إستراتيجيتهم برمتها. والحق ،أن انطلاق جواد النزعة التركية كان قد ابتدا منذ أن تحول المدافعون عن التعايش الأخري بين جميع عناصر الدولة إلي تمجيد الأمة التركية إثر الانتكاسات الأولي التي كابدها نظام تركيا الفتاة منذ نهاية 1908 . ثم ما لبثت أن تعزز هذا الاتجاه غداة الحروب البقانية.
.......................................................................
ومنذ ظهور الاتحادييين علي المسرح السياسي راهنت علي القيم التعبوية. إذ بدأت بامتطاء جواد النزعة العثمانية؛ ثم تحولت إلي تمجيد  الأمة والإخاء الإسلاميين.
وأخيرا، تحمست بشدة للوحدة القومية لتكون أحد دعامات النجاة النادرة التي يمكن التشبث بها. وفعلا ، تم الوصول إلي إجماع واسع حول هذا الهدف تحديدا في عام 1914. بيد أن غير الأتراك كانوا منذئذ شبه مستبعدين من هذا الإجماع. وحتي إذا كانت لجنة الاتحاد والترقي تغازل العرب، وتجتهد في الحفاظ علي اتصال مع الأقليات المسيحية خاصة الأرمن الذي يشكل تطلعهم إلي الحكم الذاتي إحدي المشكلات الرئيسية التي ينبغي علي الاتحاديين مواجهتها، فإن الأمة التركية وحدها هي التي تتعرف علي ذاتها فعليا. وهذا يعني أن المثل الأعلي للاتحاد والإخاء بين شتي جماعات الدولة- الذي دافع عنه المثقفون العثمانيون بحماس بالغ طيلة ما يربو علي نصف قرن- لم يعد يمثل عشية الحرب العالمية الأولي غير عقيدة جوفاء مناسبة فقط لتزيين الخطب الرسمية. وهكذا، انخرطت الدولة العثمانية تحت قيادة الاتحاديين في طريق الثورة القومية التي ستدفعها دفعا إلي الانزلاق في اتون الحرب  كي تكتسب ثباتا.
كما أن هذه النزعة القومية الكاسحة ذات جناح اقتصادي. وتجدر الإشارة إلي أن أيديلوجيي  النظام الاتحادي لم يكتفوا فقط بالتشهير بمساويء الامتيازات والتغلغل الغربي في الدولة العثمانية، بل دعوا إلي تكوين بورجوازية قومية تركية قادرة علي مراوغة رأس المال الأوربي الجارف والإمساك بزمام المصير الاقتصادي للبلاد.هنا، لا بد من أجل تكوين هذه البورجوازية وخلق اقتصاد قومي؛ الاصطدام بمنافسة العثمانيين غير الأتراك. وتحديدا ، المسيحيون الاكثر توجها إلي التجارة الخارجية لا سيما الأرمن: عماد الاقتصاديات الزراعية والصناعية والتجارية والحرفية بالدولة العثمانية.
في ظل هذه الظروف، بدأ زعماء الأرمن مرة أخري يتطلعون إلي مساعدة خارجية أكثر نتيجة تخوفهم من هذه التطورات ووصول أكثر من "500"ألف مهاجر من المسلمين والمسيحيين الوافدين من البلقان إلي أرمينية الغربية. ناهيك أن الوضع الدولي المتوتر قد أنعش مجددا القضية الأرمنية. زد علي هذا، تخلت روسيا العدائية ضد الأرمن، ورات أن من صالحها  ( بعد خيبتها في الشرق الأقصي) لمنع سيطرة ألمانيا علي الاناضول أن تتبع سياسة أكثر ليبرالية وتستقطب إلي جانبها الأرمن من رعاياها ورعايا الدولة العثمانية أيضا.
ولهذا، تجدد النشاط السياسي الأرمني، فاتصل بوغوص نوبار باشا (1851-1930) – زعيم أرمن المهجر- بناء علي تكليف من الجاثليق الأرمني كيفورك الخامس (1912-1930) بساسة الدول الأوربية ليبين لهم وجوب تنفيذ الإصلاحات الأرمنية تحت الرقابة الروسية. عندئذ، تزعمت روسيا المطالبة الدولية بتنفيذ الإصلاحات.
وقد أفضت اتصالات روسيا مع الدول الكبري عن وضع خطة مشروع إصلاحي يتضمن بنوده: وضع أرمينية الغربية ( العثمانية) تحت إدارة حاكم غير تركي، تكوين شرطة مختلطة، حل القوات الحميدية، إنهاء استقرار النازحين من البلقان في الولايات الأرمنية، تعويض الخسائر الاقتصادية للأرمن‘ إبقاء الضرائب المجموعة من الولايات لصالح المشروعات المحلية مثل الإنفاق علي المدارس.أكثر من هذا ، وضعت قيليقية ضمن هذه الخطة. وحتي هذا الوقت ، لم يطلب الأرمن انفصال أرمينية الغربية عن الدولة العثمانية.
بيد ان ألمانيا والنمسا – المجر قد عارضتا هذه الخطة بدعوي انها سوف تؤدي إلي انفصال أرمينية الغربية عن الدولة العثمانية. ولكن روسيا واصلت مساعيها مما أسفر عن مشروع آخر يتضمن : اعتبار الولايات الأرمنية العثمانية التي يقطنها الأرمن " سبعا" هي : طرابيزون وأرضروم وسيواس وفان وبيتليس وخربوط وديار بكر ، وتقسيمها إلي إقليمين إداريين يتمتعان بحكم ذاتي محلي واسع النطاق تحت حماية  الدول الأوربية وبإشراف مفتشين ينتخبان من مواطني الشعوب الأوربية الصغيرة المحايدة. ويتكون الإقليم  الاول من  الولايات الثلاث الأولي، بينما يتكون الثاني من الولايات الأربع الباقية. ولم توضع قيليقية ضمن هذا المشروع. وفي 8 فبراير 1914 وافقت الدول الكبري والدولة العثمانية علي هذا المشروع. وبدات الأستانة في تنفيذه منذ مايو عندما عينت ويستنيك الهولندي وهوف النرويجي مفتشين عامين للإقليمين المذكورين.
ويمكن القول أن تدابير هذا المشروع الإصلاحي كانت أكثر الاقتراحات شمولية وأصدقها وعودا من بين كل البرامج التي قدمت منذ تدويل القضية الأرمنية في برلين1878. لكن، وحتي مثل هذه الإصلاحات قد أزعجت الإصلاحات الأتراك الذين رأوا فيها حكما ذاتيا تدريجيا ربما أفضي إلي استقلال نهائي علي نحو ما حدث في البلقان. زد هنا أيضا ، أن هذا المشروع أثار مشاعر عدائية للأرمن لأن الأتراك عدوه تدخلا غير مقبول من أوربا في شئونهم الداخلية.
بيد أن اندلاع الحرب العالمية الأولي التي أتت بما لا يشتهي الأرمن وقلبت كل الحسابات إزاء أول خطوة في مسألة حل القضية الأرمنية عن طريق الإصلاحات الإدارية. والحقيقة ان نشوب هذه الحرب قد عرقل مسيرة تنفيذ الإصلاحات وأربك الزعماء الأرمن بشدة: هل ستدخل الدولة العثمانية النزاع؟. وهل ستغدو الهضبة الأرمنية المسرح المحتوم لحرب روسية- عثمانية أخري؟ . ولما كانت أرمينية تقع علي طرفي الحدود، فهل سيلاقي الأرمن مجددا معاناة حادة بغض النظر عمن سيظفر في النهاية؟.
وكان يصعب جدا وقتئذ تحديد عدد الأرمن بدقة في الدولة العثمانية. ففي حين قللت الإحصائيات العثمانية الرسمية (1914) من أعدادهم(1.295.000 نسمة) بغية إثبات أنهم يؤلفون أقلية ، بالغت الإحصائيات الخاصة ببطريركية الأرمن بالأستانة (2.100.000 نسمة) المسئولة عن مصالح الأرمن بهدف الحصول علي امتيازات أكثر، ورغم تأرجح الحقيقة بين هذين الرقمين، فطبقا لإحصائيات البطريركية عاشت غالبية الأرمن بالدولة العثمانية في الولايات الست، بينما يقطن الأستانة حوالي "150" ألف أرمني ويسكن قيليقية حوالي"400" ألف ألف أرمني.
ولم تشارك الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولي عند اندلاعها في غرة أغسطس 1914 . ولكنها مالت إلي ألمانيا وعقدت معها اتفاقية سرية بالأستانة في 2 أغسطس شريطة أن يساعد الألمان في تحقيق حلم الطورانية: تتريك القوقاز وتوحيد الشعب التركي في الأناضول وإيران وما وراء القوقاز وروسيا وآسيا الوسطي في دولة تركية شاملة ذات بنية متجانسة ترتكز علي مفهوم القومية الواحدة والشعب الواحد.
ومن ناحية أخري، راحت الدولة العثمانية تستطلع سرا اتجاهات ممثلي قومياتها المتباينة في حال دخولها الحرب. وقتئذ، كان المؤتمر الثامن لحزب الطاشناق ينعقد رسميا في أرضروم بين يومي2-14 أغسطس. وعندئذ ، ذهب وفد اتحادي لمقابلة زعماء الطاشناق وعرض عليهم هذا الاقتراح: عند نشوب الحرب مع روسيا، يجب علي حزب الطاشناق ان يحرض الأرمن في أرمينية الشرقية ( الروسية) علي القيام بثورة فيها بهدف تسهيل دخول القوات العثمانية إلي ما وراء القوقاز. ويعدهم الاتحاديون بمكافأة نظير ذلك: إقامة دولة أرمنية مستقلة تضم أرمينية الشرقية وولايات أرضروم وفان وبتليس. بيد أن زعماء الطاشناق رفضوا هذا الاقتراح، واكدوا تعهد حزبهم بتبني الحياد. وفي حالة نشوب الحرب، فإن أعضاء الحزب مثل
وهكذا، قدم الطاشناقيون سلاحا إلي الاتحاديين كي يستخدموه ضد الأرمن، وقتئذ ، اختلقت القيادة العثمانية الإشاعات وخلقت نوعا " سيكوباتيا " في الجيش وبين السكان الأتراك عن قيام ثورة أرمنية ضد العثمانيين. ورغم هذا ، لم يكن لحظتئذ ثمة ما يوحي بأنه حتي نوفمبر 1914 كان الاتحاديون قد قرروا إبادة الأرمن في الدولة العثمانية رغم ارتفاع درجة التوتر بين الجانبين.

عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأرمن تحت حكم الاتحاديين (1909-1918)

مُساهمة من طرف عطا درغام في السبت 17 يناير 2015 - 9:45

ومنذ قيام الحرب العالمية الأولي في أغسطس1914 وعلي مدي ثلاثة شهور، استمرت ألمانيا تضغط علي الأستانة بأساليب متنوعة بغية ضمان دخولها الحرب وفتح جبهات متعددة في القوقاز وإيران ومصر لتشتيت قوي دول الوفاق( الحلفاء) . وأخيرا ، دخلت الدولة العثمانية الحرب ضد روسيا في أوائل نوفمبر 1914.
ودارت رحي الحرب بين الدولة العثمانية وروسيا علي جبهة القوقاز.ومارست القوات العثمانية إستراتيجية بهدف الاستيلاء علي إقليم ما وراء القوقاز الروسي وفتح الطريق شرقا إلي آسيا الوسطي الروسية والهند وإيران. ناهيك عن تحفيف الضغط علي حليفتيها ألمانيا والنمسا- المجر( الوسط) من شدة وطأة الهجوم الروسي في الجبهة الشرقية الأوربية. وسعي الاتحاديون إلي صبغ حربهم بالصبغة الدينية عندما أعلنوا في 23 نوفمبر 1914 الجهاد الديني باعتباره فرض عين علي جميع مسلمي العالم ضد الملاحدة.
وبينما كانت الحرب وشيكة الوقوع، حث الطاشناقيون ورجال الدين الأرمن بني جلدتهم كي يستجيبوا تماما لاوامر التعبئة. عندئذ ، انصرف الأرمن العثمانيون علي مضض إلي مراكز التجنيد طلبا للانخراط في صفوف الجيش"60" ألفا. وقدم الزعماء الطاشناقيون تعهدات متكررة للاتحاديين علي إخلاص الأرمن. بيد أن مكنونات الأرمن في سائر الدولة كانت تأمل انتصارا روسيا ربما يضع حدا لاضطهاداتهم. ولكنهم لم يعبروا علانية عن مشاعرهم وآثروا الفرار من الثكنات العثمانية في حالات متكررة.
أما علي الجانب الروسي، فمنذ دخول روسيا الحرب، انخرط الأرمن في صفوف الجيش (120ألف)، وأرسلوا إلي الجبهة الأوربية الشرقية.علاوة علي هذا ، تطوع الأرمن الروس لمساعدة القوات الروسية وإرشادهم عبر الجبال الأرمنية في جبهة القوقاز. وهو ما لم يفعله الأرمن العثمانيون.هنا ، وظف الاتحاديون تشكيل فيالق المتطوعين الأرمن الروس في مجري النظرية التي رددوها ساعتئذ: أن الروس يسلحون الأرمن في الولايات الشرقية سعيا للقيام بثورة عامة.
عهد الإستراتيجيون الألمان إلي الأتراك مهمة تشتيت جزء من الجيش القيصري علي جبهة القوقاز. وفي ديسمبر 1914 وصل انور باشا وزير الحربية العثمانية- وقد غدا القائد العام للجيوش العثمانية- إلي مركز القيادات العليا للجيش العثماني الثالث في أرضروم بهدف تجهيز عملية واسعة ضد القوقاز بغية فتح الطريق إلي تفليس وباكو. كان حلم أنور هو غزو ما وراء القوقاز وحث المسلمين في روسيا ليثوروا ويتوحدوا مع الشعوب التركية في آسيا تحت سيادة السلطان- الخليفة.
وقد انطوت خطة أنور باشا علي تطويق مدينة "صاريغاميش" الكائنة وسط الجبهة داخل الحدود الروسية علي الطريق إلي جارس. بداية ، نجحت خطة التطويق. بيد أن هذه الخطة افتقرت إلي التجهيزات المناسبة لمواجهة الشتاء القارس في الهضبة الأرمنية. ففي درجات حرارة بلغت معدلاتها عشرين درجة مئوية تحت الصفر، انغرست الآليات في طبقة صلجية بلغ عمقها أربعة أقدام، وتقهقر الجنود وهلكوا لانهم لم يكونوا مزودين بالثياب والإمدادات. وخلال شهري يناير وفبراير 1915، انسحب الجيش العثماني المقهور عبر الولايات الشرقية بينما كان الجنود المصابون بالتيفوس والكوليرا تبتلعهم الثلوج ويفترسهم الصقيع.
أدي التقهقر العثماني علي جبهة القوقاز الذي كان يوازيه تهديد الوفاق للعاصمة العثمانية عبر حملة الدردنيل وفشل الحملة العثمانية علي مصر خلال يناير – فبراير 1915 إلي أن يبحث الاتحاديون عن كبش فداء. وفعلا ، ألقوا لوم الهزيمة علي الأرمن. فقد استغل الاتحاديون المتطرفون وجود الأرمن الروس المتطوعين يقاتلون في الجيش الروسي، واتهموا الأرمن العثمانيين بالخيانة العظمي ، لأنهم لم يتطوعوا في جيشهم شان أقرانهم الأرمن الروس. ولم يتعاطفوا مع الدولة العثمانية، بل انضم بعضهم إلي روسيا.
وفي ظل هذا المناخ المستاء، اندفع الجنود ينهبون متاجر الأرمن ومنازلهم، واتهموا الجنود الأرمن بالتجسس والفرار من الجندية، وارتابوا في تسميم الخبازين الأرمن للمأكولات. واتهموا الفلاحين الأرمن بتقديم العون للأسري الروس. وفي فبراير 1915، جردت السلطات الجنود والشرطة الأرمن من أسلحتهم وأدرجوا في طوابير العمل، وأرغموا علي العمل في صيانة الطرق أو حمالين. وفي ذات الوقت، طرد الأرمن الحكومة وألغيت تذاكر المرور الداخلية التي كانت تبيح لهم الانتقال عبر أنحاء البلاد.
وهكذا، يتضح أن قرار إبادة الأرمن في الدولة العثمانية كان قد اتخذ في فبراير 1915 في سرية تامة. وكان الولاة والضباط الاتحاديون المحليون قد أبلغوا شفهيا أو برقيا بالمهمات المنوطة بها، بينما وقعت مهمة تنفيذ الخطة علي عواتق الدرك والعصابات والتشكيلات المخصوصة. ولم يكن الجيش متورطا فيها.
ومنذ مارس 1915 ، قررت الحكومة العثمانية تدمير مركزي المقاومة الأرمنيين الرئيسيين : زيتون وفان.
بالنسبة لزيتون- معقل النسور الأرمنية- الواقعة في ولاية مرعش بقيليقية، فقد كانت مركزا تقليديا للمقاومة الأرمنية.كانت الحالة متوترة في منطقة زيتون عند نشوب الحرب بسبب عدم إقبال الأرمن علي التجنيد وفرار بعضهم إلي الجبال وقتال مطارديهم من الأتراك. عندئذ، سارت مفرزة تركية نحو زيتون وحاصرتها واعتقلت وجهاء الأرمن فيها وأصدرت أمر نفي لسكان المدينة في 8 أبريل 1915. وخلال أسابيع أخليت زيتون والقري المحيطة بها. وسيق حوالي ثمانية آلاف أرمنيا إلي دير الزور علي حدود صحاري بلاد الرافدين. وسيطر النازحون المسلمون، غالبا من تراقيا وبلغاريا علي أملاكهم مباشرة.
وهكذا ، بدأت عمليات نفي الأرمن منذ أوائل أبريل 1915 من زيتون بعيدا عن الجبهة القوقازية: جبهة الحرب.
أما الأحداث في فان- إحدي الولايات الأرمنية الست شرقي الأناضول- فقد بدأت عندما طلب حاكمها جودت بك-صهر أنور- تجنيد "3000" أرمني . غير أن رفض الأرمن أدي إلي سلسلة مصادمات بينهم وبين الأتراك. وخلال الفترة بين 15-18 أبريل ، نهب الجنود الأتراك "80" قرية أرمنية وذبحوا سكانها، وحفروا الخنادق حول الأحياء الأرمنية في فان. وإزاء ذلك، بدأ الأرمن ينظمون عملية الدفاع عن المدينة. وبدأ حصار فان في 20 أبريل ، فغدت الأحياء الأرمنية معسكرات مطوقة، وكان "1500" أرمني من المتمرسين دون ان يتسلحوا بالأسلحة المناسبة علي أهبة الاستعداد لحماية السكان البالغ عددهم"30000" نسمة. عندئذ، اعتبر جودت أنه بذلك حصل علي دليل العصيان الأرمني المسلح الذي كانت الأستانة تنتظره منذ أكثر من شهرين. ورغم أن ما حدث في فان لم يكن ثورة، بل مجرد عملية دفاعية لمواجهة الحصار العثماني.
وعندما ترامت أنباء ثورة فان المزعومة إلي الأستانة ، اقتنع حزب الاتحاد والترقي بانه يملك الدليل علي خيانة الأرمن. ويؤكد مورجنتاو- السفير الأمريكي في الآستانة – أنه ذكر تفاصيل حقيقة أحداث فان" لانها كانت المرحلة الاولي والمحاولة المنظمة لضرب أمة بأكملها، بل لان الأتراك ذكروا هذه الحوادث مرارا لتبرير جرائمهم اللاحقة". وادعت الحكومة العثمانية لاحقا بان قرار نفي الأرمن اتخذ بعد ثورتهم في فان.
..................................................
وهكذا ، أعد المسرح لحل القضية الأرمنية نهائيا. ففي مساء24 أبريل 1915 اعتقلت السلطات الاتحادية أكثر من مائتي أرمني : كتاب وشعراء ومحرري جرائد ومدرسين ومحامين وبرلمانيين وغيرهم من زعماء الأرمن بالأستانة واقتيدوا بعيدا عن منازلهم ليلا ثم قتلوهم. وسجن نحو "600" آخرين من متقفي الأرمن ثم نفوا وقتلوا في الأشهر اللاحقة.
ورغم أن الاتحاديين قد استغلوا ثورة ڨان المزعومة في تبرير هذه الاعتقالات ، إلا أنهم زعموا بوجود خيانة أرمنية واسعة النطاق قادتهم إلي تنظيم محاكمات ملفقة بلغت ذروتها بشنق أعضاء حزب الهنشاك المودعين غيابات السجون الاتحادية منذ أكثر من سنة. وبدءا من هذا التاريخ ، أطلق عنان العنف ضد الأرمن العثمانيين.
ومنذ مايو أبرقت السلطات العثمانية أوامرها الصريحة إلي الحكام والقادة العسكريين بترحيل الأرمن عنوة من وطنهم الأم بحجة حماية المدنيين وحماية القوات المسلحة من خيانة متوقعة من الأرمن الممالئين لروسيا.
ويمكن رصد ملامح برنامج نفي الأرمن من الولايات الأرمنية شرقي الأناضول :أرضروم، بيتليس ، ديار بكر، طرابيزون، سيواس، خربوطعدا فان. إذ طبقت السلطات العثمانية السيناريو ذاته تقريبا في كل قرية ومدينة.
بعد تجريد الجنود الأرمن من أسلحتهم واعتقال النخبة الأرمنية ، صدرت أوامر النفي ، منح الأرمن مهلة بضعة أيام لمغادرتهم منازلهم. واعتقل الأتراك القلة الأرمنية التي لم تجند أو تعتقل وسجنوهم ثم أعدموهم. وفي المرحلة الثانية ، نفيت النساء والأطفال والمسنين بالقوافل. وتلا ذلك إخلاء الشرطة منازل الأرمن وتخزين الأثاث في الحفظ والصون ، ثم نظمت لجنة الملكية المهجورة ببيع الأبنية. ورتبت استقرارالمهاجرين من البلقان في منازل الأرمن الخالية. وبيعت النساء والأطفال بالمزاد العلني في حالات عديدة أو وهبوا للعائلات التركية والعصابات الكردية.
وهكذا ، نفذت الأستانة العملية في الولايات الشرقية علي مرحلتين :أولا ، قتل كل الرجال الأكفاء، ثم ثانيا ، نفي بقية الأرمن. بيد أن النفي لم يكن سوي الفصل الثاني من برنامج الإبادة.
كان المنفيون يرحلون سيرا علي الأقدام يجرون العربات خلفهم وهم يحملون الحد الأدني من الأمتعة. هلكت بعض القوافل خارج المدينة في الحال، واستمرت الأخري في مسيراتها.إلا أن المنفيين قد تلاشوا تدريجيا إثر الهجمات المتكررة من الدرك الأتراك والسكان المحليين المتأثرين بدعاية الجهاد والعشائر الكردية والعصابات. ونقل باقي أرمن الولايات الشرقية علي نحو منتظم إلي منطقة النفي جنوبا مثل " نهر يخترق الصحراء فغدا مسيلا ضعيفا".
إذن، خلال الفترة الممتدة بين مايو – يولية 1915 كان جميع أرمن الولايات الشرقية قد اختفوا (1.200.000) من منطقة كانت مركز أرمينية التاريخية.
لقد وقعت هذه الحوادث في أواخر الربيع وأوائل الصيف في هضبة جبلية يبلغ ارتفاعها "6000" قدم. وكانت وسائل الاتصالات نادرة ورديئة. ولم تكن ثمة خطوط حديدية أو قنوات مائية صالحة للملاحة ( نهر دجلة في ديار بكر والبحر الأسود في طرابيزون). فإن إلقاء المنفيين في المياه كان أحد الأساليب المختارة للقتل الجماعي. وكانت الجثث تطفو علي وجه المياه حيث تتصارع الكلاب والنسور مع بعضها البعض وتتخطف الجثث الملقاة علي قارعات الضفاف.
وبذا، فإن الشطر الأكبر من إبادة الأرمن قد انجز خلال الشهور الثلاثة الممتدة من مايو حتي يولية 1915. لقد تمكن "200" ألف أرمني من أصل "1.200.000" من الوصول إلي القوقاز، وخضع حوالي "200" ألف للتريك ، ولم يتمكن سوي بضعة آلاف أن يتجنبوا النفي والموت إذ وصل نحو "50"ألفا منهم إلي حلب أو الموصل. وقتل سائر الأرمن البالغ عددهم "700"ألف أثناء مسيرات النفي في الطرق والفيافي . وهكذا ، يتضح بان النفي كان يعادل الإبادة.
عندئذ، قطع برنامج النفي في اواخر يولية 1915 أشواطا كبيرة، ولم يعد ثمة أرمن في تلك الولايات التي كانت الدول الاوربية تطالب الباب العالي دوما بإجراء الإصلاحات فيها. بيد أن الاتحاديين قلقوا من الأرمن قاطني الأناضول وقيليقية. ومن صم ، جاء دورهم منذ نهاية يولية 1915.
هنا ، وقع الاتحاديون في تناقض جد صارخ . فقد أقاموا ترحيل أرمن الولايات الشرقية بناء علي بديهية إستراتيجية مؤداها: أن الحكومة العثمانية أرغمت علي نقل الأرمن الثائرين الذين يتدخلون في النشاطات العسكرية علي الجبهة القوقازية. والحال بالنسبة لترحيل أرمن الاناضول وقيليقية يبقي دونما تبرير نظرا لوقوع هذه الجهات بعيدا عن جبهة القوقاز. ناهيك أن الأرمن يشكلون فيهما أقلية. ولم يكن الموقف يسمح لهم بالتجسس او النشاط التخريبي أو مساعدة العدو.
ورغم هذا ، نفذت السلطات العثمانية حملة إبادة لأرمن الأناضول وقيليقية ونظمت لهم عملية نفي حقيقية. وتجدر الإشارة إلي ان عملية النفي عن هذه الأماكن أضحت ممكنة بسبب توافر وسائل الاتصالات وطرق المواصلات والخطوط الحديدية ( برلين- بغداد). وكانت هذه العملية منظمة بدقة؛ إذ أن خبرة الاتحاديين قد تراكمت أثر تجاربهم السابقة. زد هنا، انهم لم يكونوا متعجلين لأنهم أنجزوا فعليا الجزء الأكبر من العملية.أيضا، كان الأرمن في هذه المناطق ميسوري الحال مما اقتضي منهم جهدا زائدا للضغط عليهم. ورغم ان العملية كانت تضارع سابقتها ، إلا ان السلطات اجتهدت في إضفاء مظهر الشرعية عليها. إذ بالمقارنة مع عمليات النفي الأولي التي اتسمت بالفوضوية والوحشية والقسوة والتخلف، جاءت الثانية أكثر تطورا ومواراة.
وهكذا، نفي الاتحاديون أرمن الأناضول : حوالي "95"ألفا من ولاية أنقرة، و"11"ألفا من قسطموني شمال ولاية انقرة. وامتد النفي إلي أرمن ولاية قيصرية ، ثم ولاية بروصة شمال غربي الأناضول.
أما في مدينة أزمير ذات الطابع العالمي وجل سكانها من اليونانيين ، كان لا يعيش بها إلا "15" ألف أرمني. وقد رفض واليها تنفيذ أمر النفي خشية اندلاع القلق بين يونانيي المدينة، ولم يعتقل سوي زعماء الأرمن وسياسييهم ، ونفي "35"ألف أرمنيا ممن يقطنون أدرنة بين شهري أغسطس- أكتوبر 1915. وانقذ "150" ألف أرمنيا سكنة الأستانة.
وفي قيليقية ، كان النفي قد بدأ من زيتون بولاية مرعش منذ أبريل حتي يونية 1915 ورافقه إخلاء الأرمن من المدن الجبلية وقراها إلي قونية:أي في الاتجاه المعاكس لطريق النفي التقليدي. وعاد المنفيون في أغسطس من قونية إلي قيليقية . ثم استؤنف النفي بدءا من 20 يولية واستمر علي مراحل حتي أوائل سبتمبر 1915.
أيضا ،امتدت عمليات النفي إلي ولاية حلب العربية. بيدان واليها تمكن من إنقاذ الأرمن حتي يولية 1915. وفي الرها، شرقي ولاية حلب، قرر الأرمن ( حوالي "28" ألفا) مقاومة تدابير النفي. فحصنوا أنفسهم في الأحياء الأرمنية منذ 20 أغسطس حتي 20 سبتمبر 1915 . بيد أن الجيش العثماني نجح في احتلال المدينة، ونصب مذبحة مروعة ونفي الناجين.
أما في جبل موسي "موسي داغ " جنوبي ولاية حلب ، فقد رفض أرمنه الانصياع لأرمن النفي الصادر إليهم في 13 يونية 1915. وعندئذ ، تحصنوا بالهضاب واتخذوا موقعا استراتيجيا ونظموا دفاعا بطوليا . وبعد خمسة وأربعين يوما من الدفاع، تمكنت السفن الفرنسية والبريطانية في البحر المتوسط من نقل أربعة آلاف من أرمن موسي داغ إلي بورسعيد بمصر.
إلي أين سيق المنفيون؟ اختار الاتحاديون ولاية حلب لتصفية برنامج النفي . بداية لم يستقر المنفيون في حلب، إنما جمعوا في معسكرات انتشرت في ضواحي المنطقة. ثم وزعت السلطات العثمانية المنفيين في مجموعات لترحيلهم إلي مكانين رئيسيين:إلي الجنوب من سورية، وإلي الشرق في اتجاه صحاري بلاد ما بين النهرين.
ومنذ أغسطس 1915 ، أقيمت معسكرات التجميع فعليا في حمص وحماة وعلي مقربة من دمشق. وقد ضمت هذه المعسكرات حوالي "130" ألف أرمني لاجئين.كما امتدت المعسكرات علي طول الطرق وعلي ضفاف نهر الفرات حول المدن الصغيرة مثل مسكنة والرقة والسبخة ودير الزور.هنا ، قطع الناجون مسافة تجاوزت ألف كيلو مترا سيرا علي الأقدام. لذا ، فلا غرو أن أضحوا وكأنهم أشباح كائنات بشرية يتسولون قطرات مياه أو قشفات خبز او حتي حفنات حشائش. لقد تركتهم الحكومة لتعمل فيهم قوانين الاختيار الطبيعي بحرية تامة . ومن ثم، تضاءلت الآلاف إلي المئات بسرعة . والمئات إلي عشرات.
بيد أن منطقة دير الزور ستبقي دوما في ذاكرة الإنسانية علي أنها أفظع مقابر الشعب الأرمني. فقد سار حوالي "30"ألفا من الأرمن علي امتداد نهر الفرات إلي حافة الصحراء.حينئذ ، أرغمت الحكومة العثمانية المتصرف علي تصفيتهم. وفعلا، منذ أغسطس 1916 أرسلهم إلي الموصل.لكن صحاري السوار قد ابتلعت بعضهم، وجمع الآخرون في الكهوف حيث غمروا بالنفط وأحرقوا.
هذا ، وقد أقرت السلطات بأن عددا كبيرا من الأرمن المنفيين قد هربوا فاتخذت قرارها بتصفيتهم. وفعلا ، لم يبق بحلب في أواخر عام 1916 سوي "45"ألف أرمينيا لاجئين كانوا في محنة شديدة. وألغيت المعسكرات المقامة علي امتداد الفرات، وأبلغ القنصل الأمريكي في الموصل بان عدد الأرمن الناجين بلغ "80" ألفا، وقدر القنصل الألماني في دمشق عددهم ب"30"ألفا. وقدرت المنظمات الخيرية لإعانة الأرمن عدد الناجين في مرعش ب"120"ألف حيث تجمع بها المنفيون من الساحل فضلا عن بضعة مئات من مدن الأناضول الداخلية.
وعندما تضاف هذه الأرقام التقديرية إلي الأرمن الموجودين في المعسكرات الأخري بسورية وإلي ال"150" ألف في الأستانة ، وإلي ال"200"ألف الذين لجأوا إلي القوقاز، نتوصل إلي ان عدد الناجين بلغ"600"ألف أرمني.ناهيك عن صعوبة تحديد أعداد النساء والأطفال الذين اختطفوا أو سلموا إلي العائلات التركية والعصابات ويمكن تقديرهم ب"200" ألف.إذن ، وبتقدير منطقي يمكن الافتراض بأنه من أصل "2.100.000"أرمني بالدولة العثمانية، لم ينج سوي "600"ألف، وقتل "700" ألف في الولايات الشرقية واختفي "600"ألف أثناء مسيرات النفي وخضع "200"ألف للتتريك.
ورغم أن هذه الأرقام تقريبية، وربما مبالغ فيها ، ومن المستحيل أن نحدد بدقة عدد الضحايا ، إلا أنه في غياب الأرشيف او سجلات النفي أو قوائم الحودث، فإن فظاعة ما حدث للأرمن في الدولة العثمانية تنعكس من حقيقتين بسيطتين: من المنظور الأرمني، كان يعيش "2.100.000 " أرمني في الدولة العثمانية بسلام في عام 1914. وفي عام 1917 كان أكثر من ثلثيهم قد أبيدوا، وانتشر الثلث المتبقي في المهجر يعاني الخوف والفقر المدقع . ومن المنظور التركي ، كان يعيش في الدولة العثمانية عشية الحرب العالمية الأولي أكثر من 1.5 مليون أرمني علي الأرجح . وفي إثر الترحيلات والنفي والمذابح لن نجد منهم في عام 1917 سوي "70"ألفا.
وبذلك، نجح الاتحاديون تماما في تصفية الأرمن من أراضيهم التاريخية التي ثطنوها منذ ما ينيف علي ثلاثة آلاف سنة. ويكمن أساس هذه المأساة في تبني الاتحاديين المتعصبين قومية متطرفة، وليس في خيانة الأرمن كما ادعت السلطات العثمانية. والحقيقة أن التخلص من الأرمن وقضيتهم سيجنب الحكومة العثمانية التدخلات الأوربية المستمرة وسيزيل العقبة العرقية الكأداء الرئيسية بين الأتراك العثمانيين والشعوب التركية الأخري فيما وراء القوقاز وبحر قزوين ، ويمهد السبيل لملكية جديدة أمام أبطال الطورانية . وفي كلمة تطورت فكرة التخلص من الأرمن بشكل متواز مع اندفاع تنامي الطورانية.

عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأرمن تحت حكم الاتحاديين (1909-1918)

مُساهمة من طرف عطا درغام في السبت 17 يناير 2015 - 9:46

وهكذا ، ارتكب الاتحاديون أول إبادة جنس جماعية. في القرن العشرين باغتيالهم أمة الأرمن مع سبق الإصرار والترصد. وفي غرة يناير 1917 أنهت الحكومة العثمانية القضية الأرمنية رسميا وأبطلت المادة "61" من معاهدة برلين 1878 مدعية بانها عقيمة لا جدوي منها؛ إذ لم يعد ثمة وجود للأرمن في الدولة العثمانية .
وبينما انتصرت حكومة الأستانة علي الجبهة الإثنية ، راحت تتمرغ في هزائم متلاحقة ؛ إذ اجتاح الموت جبهات الدردنيل وبلاد الرافدين وعلي ضفاف قناة السويس وسيناء، ثم أخيرا شبه الجزيرة العربية وسورية وفلسطين. وفي حين اتفقت دول الوفاق علي اقتسام أملاك السلطان الآسيوية ( سايكس بيكو) ، فما برحوا ينثرون الوعود بوطن قومي للعرب واليهود واليونانيين من رعايا السلطان.
عندئذ ، استغرقت الدولة العثمانية في سكرات الاحتضار . ولاح في الأفق انمتصار روسيا عليهم وضم أرمينية العثمانية صار وشيكا . بيد ان ثمة ترياقا وسط هذا الاحتضار اتاح لحكومة الأستانة عودة روحها مؤقتا : غنه الغليان الثوري الذي اجتاح روسيا القيصرية. ففي مارس 1917 اندلعت الثورة الروسية الأولي في بتروجراد وأسفرت عن إلغاء القيصرية. وجاءت بحكومة مؤقتة لم يكتب لها البقاء طويلا بسبب إصرارها علي مواصلة الحرب إلي جانب حلفاء روسيا القيصرية.فأطاحتها ثورة أكتوبر الاشتراكية التي قام بها البلاشفة في 7 نوفمبر 1917 وأسست سلطة السوفيات في البلاد.
أدخلت هذه التطورات الثورية تغييرات جذرية في حياة شعوب ما وراء القوقاز الثلاثة: الأرمن الشرقيون ( الروس) والآذربيجانيون( التتر) والجورجيون( الكرج) . فمن أجل إدارة شئون هذه المنطقة الحيوية إستراتيجيا لروسيا، عينت خكومتها المؤقتة " لجنة خماسية" من ممثلي قوميات المنطقة برئاسة روسي بدلا من حاكمها القيصري.اما أرمينية الغربية التي يحتلها الجيش الروسي ، فقد عينت الحكومة المؤقتة "حاكما عاما" عليها يخضع لها مباشرة.
ولكن سقوط الحكومة المؤقتة وانتقال الحكم إلي البلاشفة ، جعل التدابير المتخذة آنفا حيال القوقاز غير مجدية. ففي 8 نوفمبر 1917 أعلن البلاشفة مرسوم السلام، وفيه طالبت روسيا الدول المتحاربة بعقد الصلح الديمقراطي العادل وحق تقرير المصير لجميع شعوبها بحرية تامة. وينطبق هذا علي أرمن أرمينية الشرقية " الروسية".
بيدأن الأحزاب المناوئة للثورة البلشفية في إقليم ما وراء القوقاز : المنشفيك الجورجي والمساواة الأذربيجاني والطاشناق الأرمني، قد أسسوا في 15 نوفمبر 1917 قوميسارية ( مفوضية) إقليم ما وراء القوقاز في تفليس بجورجيا. وفي 27 نوفمبر 1917 ألف ممثلو الأحزاب فيما وراء القوقاز هيئة تنفيذية عليا عرفت بسايم ( البرلمان القوقازي).
وقد سيطرت هذه القوميسارية علي ما وراء القوقاز عدا باكو وما حولها في آذربيجان التي تأسست بها سلطة سوفيتية محلية برئاسة الأرمني البلشفي إستيبان شاهوميان (1878-1918). واعترف البلاشفة بهذه السلطة المحلية بصفتها نائبة عنهم في هذا الإقليم، ثم عينوا شاهوميان في 29 ديسمبر 1917 مندوبا فوق العادة لشئون القوقاز.
وبموجب مرسوم السلام، أعلن البلاشفة وقف القتال علي الجبهات الروسية في 5 ديسمبر 1917 ثم عقدوا الهدنة في 15 ديسمبر . هذا، وقد أبرمت قوميسارية ما وراء القوقاز " معاهدة إرزنجان" في 18 ديسمبر 1917 الخاصة بوقف القتال في جبهة القوقاز.
حينئذ، كانت القوات الروسية لا تزال تحتل شرقي الأناضول بما فيه معظم أرمينية الغربية. وخلال يناير 1918 انسحبت القوات الروسية من جبهة القوقاز عائدة إلي روسيا ذاتها للدفاع عن السلطة السوفيتية. لذا ، تركت مهمة حراسة هذه الجبهة إلي الأرمن والجورجيين وغيرهما من شعوب ما وراء القوقاز. احتلت القوات الأرمنية المواقع الحربية من يريفان وتولت الدفاع عن جبهة الجنوب، بينما تولت القوات الجورجية الدفاع عن شمال الجبهة.
وإلي جانب هذا ، حددت الحكومة السوفيتية موقفها الصريح من القضية الأرمنية بموجب مرسوم أصدرته في 11 يناير 1918 . ومما جاء فيه :" ان مجلس مفوضي الشعب يعلن للشعب الأرمني، أن حكومة العمال والفلاحين في روسيا ستدافع عن حقوق الأرمن في أراضي أرمينيا التي اغتصبتها الدولة العثمانية. وذلك باعترافها بحقهم في تقرير مصيرهم بحرية إلي حد الاستقلال التام". كما طالب هذا المرسوم أيضا بجلاء الجيوش عن أرمينية الغربية وتسهيل عدوة جميع المهاجرين والمنفيين الأرمن إليها". وقد كلف لينين شاهوميان بالإشراف علي تحقيق المهام سالفة الذكر.
بيدأن ما أعطاه البلاشفة للأرمن بيمناهم سرعان ما أخذوه بيسراهم عندما أبرموا معاهدة صلح " بريست – ليتوفيسك" في 3 مارس 1918 مع الدولة العثمانية وألمانيا والنمسا والمجر. فطبقا لهذه المعاهدة التزمت روسيا بان تعمل كل ما في وسعها لتأمين الجلاء عن ولايات الاناضول الشرقية ( معظم أرمينيا الغربية) جلاء سريعا وتسليمها بانتظام إلي السلطات العثمانية. وتنسحب القوات الروسية من أقاليم جارس وأولطي وأردهان وأرتفين وباطوم ( في أرمينية الشرقية وجورجيا) التي كانت قد تنازلت عنها الدولة العثمانية في برلين 1878 . اكثر من هذا ، لن تتدخل روسيا في إعادة تنظيم العلاقات القومية والدولية لهذه المناطق، بل تترك لشعوب هذه المناطق حرية تنظيم مسئولية حل وتسريح الفرق الأرمنية المؤلفة من الرعايا الروس والعثمانيين الموجودة في روسيا وفي الولايات ( العثمانية) المحتلة وسوف تعمل علي تفريق هذه الفرق بشكل تام.
وبعد ان اتضحت المواقف المتناقضة لروسيا السوفيتية شطر الأرمن ، رفض الوفد القوقازي الاعتراف بمعاهدة " بريست- ليتوفسك" . وكان هذا الوفد قد حضر للتوقيع علي المعاهدة مقابل الاعتراف باستقلال دول القوقاز. عندئذ ، قرر البرلمان القوقازي ( سايم) الانفصال عن روسيا في 22 أبريل 1918 وتأسيس جمهورية ما وراء القوقاز الديمقراطية الفيدرالية.
في ذلك الوقت، قهقهت المقادير في وجه الأستانة .إذ أن تفرق شمل القوات الروسية إثر انقلابات عام 1917 وامتيازات "بريست- لوتفسك" قد رسما أمامها خيالات واسعة: استرداد الأراضي المفقودة منذ عام 1878 ، واحتمال استرداد جميع ما التهمه القياصرة علي مر العصور. ولم يعد أفق الدولة العثمانية عهدئذ هو ذري القوقاز. بل زاغ بصرها إلي أرجاء ما وراء القوقاز وبحر قزوين المترامية الأطراف واستثار هذا الوضع مجددا شهوة الاتحاديين للمضي بقواتهم إلي باكو وضم مسلمي الإمبراطورية القيصرية المنصرمة التي مزق الغليان الثوري أطرافها إلي أحضان الأستانة.
بيد أن خيالات الأستانة الواسعة قد اصطدمت بطموحات حليفتها برلين التي رات في الهيمنة العثمانية علي القوقاز خطرا علي أهدافها الاقتصادية هناك: الحقول النفطية في باكو والثروات المنجمية الأخري عبر القوقاز. لهذا ، دار صراع خفي بين الأستانة وبرلين، وضع أنور علي أساسه خطة لهجوم عام علي القوقاز يسبق الهجوم الألماني. ووفقا لهذه الخطة ، كان علي الجناح الأيسر للجيش العثماني ان يتجه إلي مدينة تفليس، بينما تقوام قوات الوسط بحركة كماشة حول أرمينية الشرقية. أما الجناح الأيمن فإنه يزحف عبر ريف أرمينية نحو مدينة باكو.
اندفع الاتحاديون صوب بحر قزوين لتنفيذ حلمهم الطوراني حتي استولت قواتهم في 15 أبريل 1918 علي باطوم شمال جبهة القوقاز داخل الحدود الروسية. وفي 25 أبريل 1918 أمر الجورجيون الجيش الأرمني بتسليم جارس شمال وسط الجبهة إلي القوات العثمانية التي تحاصرها دون قتال بعد مغادرة سكانها الأرمن الذين كانوا علي استعداد للقتال.
وقتئذ، ذهب مندوبو ما وراء القوقاز إلي باطوم لإبداء موافقتهم علي بنود " بريست- ليتوفسك" بيد أنهم فوجئوا بالأتراك يطالبونهم فورا بإخلاء إقليمي أخالكالاك وأخالتسخا الجورجيين ، فضلا عن النصف الغربي من إقليم يريفان الأرمني فوق امتيازات المعاهدة. عارض ممثلو أرمينية وجورجيا هذه المطالب لأنها تمس أراضيهما مباشرة، في حين لم يعارضها ممثلو أذربيجان لعدم مساسها أراضيهم. وبدون انتظار ردهم، غزت القوات العثمانية الكسندربول واستولت عليها. ثم سارت في اتجاه تفليس ويريفان.
إذ ذاك ، تخوفت ألمانيا مما قد يحدثه ذلك من توتر علاقاتها مع روسيا ، فضغطت علي الأستانة لعدم انتهاك حدود"بريست- ليتوفسك". ثم أرسلت مراقبا إلي باطوم الذي قرر بأن الأتراك يخططون لقتل الأرمن جميعا فيما وراء القوقاز ويبغون تأسيس دولة تركية موحدة مع أذربيجان.
وعندما أثبتت الضغوط الألمانية علي الأستانة عدم جدواها واستحكم الخلاف بين الشعوب الثلاثة الرئيسية في القوقاز علي شروط الصلح مع الدولة العثمانية، راح كل شعب منهم يبحث علي حده عن طوق نجاته. فمنذ 14 مايو 1918 يناشد الجورجيون حماية الألمان. وهو ما تحقق في 26 مايو 1918 عندما أعلنوا استقلالهم عن جمهورية ما وراء القوقاز ورفعوا العلم الألماني في تفليس. وفي اليوم التالي ، أعلنت أذربيجان استقلالها واوت إلي أحضان الدولة العثمانية وأيدت مشروعها الطوراني. ولكن لما كانت باكو في أيدي ائتلاف بلشفي- طاشناقي ، فقد اختار الآذريون إليزافيتبول( كيروف آباد) لتكون عاصمة مؤقتة لحين وصول القوات العثمانية لتحرير باكو .وهكذا،أضحي الأرمن بمفردهم. ولم يكن أمام مجلسهم الوطني في تفليس خيار سوي إعلان استقلال الجزء غير المحتل من أرمينية الشرقية في المنطقة المحيطة بيريفان حتي يكون قادرا علي التفاوض مع الوفد العثماني في باطوم ولإنقاذ ما تبقي من وطنهم الأم .
..............................................
وهكذا وأد الاتحاديون والألمان جمهورية ما وراء القوقاز الوليدة دون أن تتم شهرها الأول. وبلغ الأتراك غايتهم قي فصل القوقاز عن روسيا أولا، ثم تفسيخ عري قوميات ما وراء القوقاز ثانيا.
وتجدر الإشارة إلي أن المجلس الوطني الأرمني في تفليس لم يعلن عن قيام جمهورية أرمنية مستقلة إلا في 30 مايو 1918. ورغم أن هذا المجلس قد تولي السلطة العليا وشكل حكومة مؤقتة لإدارة شئون المقاطعات الأرمنية،إلا انه لم يتحدث صراحة عن الاستقلال. إذ ذاك، كانت القوات العثمانية تخترق أرمينية الشرقية، واقترفت مذابح في ألكسندربول وطوقت إقليم يريفان مما أنذر بنهاية أرمينية التاريخية. ساعتئذ ، سوف لا تكون ثمة أرمينية ذات حدود مرسومة يمكن بموجبها إعلان الاستقلال رسميا. وحتي ذلك الحين، فإن إعلان وجوب استقلال جمهورية أرمينية لا يعني تأسيسها فعليا.
حينذاك، وبينما كانت المفاوضات دائرة في باطوم بين الأتراك والأرمن ، واصلت القوات العثمانية المكناة وقتئذ"جيش الإسلام القوقازي" اختراقها أرمينية الشرقية: العقبة الأخيرة في وجه الوصول إلي أذربيجان المسلمة. وعند هذا الحد، اجتمع الأرمن علي قلب رجل واحد يزودون عن حمي ديارهم رافعين شعار:" لن يمر العدو". ورغم التفوق الهائل للقوات العثمانية علي الأرمن عددا وعددا ، إلا أن الأخيرين نجحوا في صدها بفضل مقاومتهم في معارك سردار أباد (هوجديمبريان حاليا) وقره كيليسة ( فاناتسور) وباش- أبران.
وقد أدت الهزائم غير المتوقعة إلي ارتباك الخطة العثمانية للاستيلاء علي باكو مما اضطر القيادة العثمانية إلي توقيف هجماتها والانسحاب من يريفان وإبرام معاهدة "باطوم" في 4 يونية 1918 مع الأرمن. وبموجب هذه المعاهدة ، صارت مساحة جمهورية أرمينية تربو علي عشرة آلاف كيلو متر ا مربعا مقصورة علي يريفان وإيتشميادزين وكا جاورهما ( المادة الثانية). لذا سميت ب"جمهورية يريفان الأرمنية" .كما نصت المادة الخامسة علي حرمان الجمهورية من إنشاء جيش وطني نظامي علي أن تعتمد في حفظ الأمن الداخلي علي الجيش العثماني فقط. وتعترف بحق هذا الجيش في جعل أراضيها ممرا له.أكثر من هذا ، تعهدت الجمهورية في المادة الحادية عشرة:" بأن تبذل قصاري جهدها في إخلاء مدينة باكو فور توقيع هذه المعاهدة من القوات الأرمنية الموجودة فيها والعمل علي منع وقوع صدام أثناء عملية الإخلاء.
وتعكس شروط هذه المعاهدة المجحفة الغزو بالقوة المسلحة وتتعارض مع مبدأ حق تقرير المصير.هنا شعر الأرمن أكثر من سواهم أن استقلالهم كان مزيفا، وكل ما حدث حتذاك أن نودي بجمهورية أرمنية مستقلة علي نحو غير رسمي في تفليس.
وحتي ذلك الحين، كان المجلس الوطني الأرمني يقيم في تفليس عاصمة جورجيا المستقلة حديثا آنذاك. وحالت خلافات زعماء الاحزاب الأرمنية المتباينة في تفليس دون تأسيس حكومة ائتلافية حتي نهاية يونية 1918. ولذا ، تغاضي المجلس الملي الأرمني ذو الهيمنة الطاشناقية عن بروتوكول ديمقراطي كان قيد البحث وألف حكومة سيطر عليها الطاشناقيون. وفي 19 يونية غادرت الحكومة الأرمنية بقيادة رئيس وزرائها هوفهانيس كاتشازنوني (1868-1938) تفليس إلي يريفان حيث حلت محل قائدها العسكري آرام مانوجيان(1879-1919) .لحظتئذ ، بدأ استقلال جمهورية أرمينية علي نحو رسمي.
بيد أن ظروف ميلاد الجمهورية الأرمنية كانت لا تبشر بمستقبل زاهر لها . فقد رسمت معاهدة "باطوم" حدودها بحوالي عشرة آلاف كيلو مترا معظمها صخريا، وبها "700"ألف نسمة منهم"300"ألف لاجئين جوعي من أرمينية الغربيةو"100" ألف آذري وكردي.كما ان المناطق الحيوية لم تدخل في زمام الجمهورية.ناهيك ان فقدان الحيوانات والمعدات الزراعية آنفا أنقصا الطاقة الإنتاجية الزراعية في أراضي الجمهورية. وفوق هذا ، أحيطت بجيران معادين ازدادت بلتهم بكثرة العصابات المسلحة التي ما فتئت تكر علي الأهلين في آناء الليل وأطراف النهار.كما ان اوبئة الكوليرا والتيفوس والتيفود أبت ألا يكون لها دور فعال،فراحت تحصد المئات بلا دواء رادع. زد أيضا ، أقامت غالبية المثقفين والحرفيين والمقاولين الأرمن الشرقيين في تفليس وباكو أو في روسيا. وقد تحقق الاستقلال علي نحو فجائي في وقت تبلورت فيه معظم قيادات الطبقة الوسطي بالجمهورية خارج أرمينية ذاتها حتي أنهم لم يزوروا يريفان – عاصمة الجمهورية- من قبل.
وبالاستفادة من "باطوم" هدر جيش الإسلام القوقازي- عبر جمهورية يريفان الأرمنية باكو للاستيلاء عليها. حينئذ ، كانت باكو جزيرة بلشفية وسط بحر غير بلشفي. ولما اقترب الجيش العثماني منها، اقترح ممثلو الطاشناق في سوفيت باكو الاستعانة بالقوات البريطانية لصده. بيد ان شاهوميان البلشفي رفض اللجوء إلي الإمبريالية البريطانية مما أدي إلي سقوط حكومته السوفيتية وحلت محلها حكومة طاشناقية ممالأة لبريطانيا برئاسة روسدوم زورويان(1867-1919) في 31 يولية 1918.
عندئذ، هرولت قوة بريطانية بقيادة دينسترفيل ( قوة دينستر ) إلي باكو لاحتلالها قبل جيش الإسلام القوقازي. وفعلا ، نجحت هذه القوة في دخول باكو دون قتال في 4 أغسطس 1918. ولكن ، عندما عجزت قوة دينستر عن حماية باكو منها في 14 أغسطس 1918. وفي اليوم التالي مباشرة، دخلت القوات العثمانية- الأذربيجانية المدينة النفطية ونظموا بها مذبحة للأرمن جزاء لهم علي الدفاع عن باكو أودت بحيوات ما ينيف علي "150"ألف أرمني وقرار الكثيرين. وعندئذ، انتقلت حكومة حزب المساواة الأذربيجاني من إليزافيتبول إلي باكو.ثم دخلت القوات العثمانية كارباخ( قرة باغ) الجبلية، وغدا الموقف ينذر بسوء للجمهورية الأرمنية وجيوبها.ورد البلاشفة علي خرق الأستانة الصارخ لمعاهدة " بريست- ليتوفسك" بإلغائها مع الدولة العثمانية في 20سبتمبر 1918.
وبينما تتمتع الأستانة بنشوة احتلالها باكو. اصطدمت أحلامها الفضفاضة بواقع أليم علي الجبهات القتالية: فعلي الجبهة الغربية تحطمت الدفاعات الألمانية . وعلي جبهة الشام ، استولي الإنجليز علي دمشق وحلب وحمص، ونزل الفرنسيون بيروت. وعلي الجبهة العراقية، زحفت الألوية البريطانية صوب الموصل.أما علي جبهة البلقان، فقد انسحق الجيش البلغاري.هنا تحديدا، أي مع سقوط بلغاريا، أفاقت الأستانة علي حقيقة أن دول الوفاق بمقدورهم التغلغل بحرية تامة عبر تراقيا الشرقية حتي أبوابها.إلي هذا الحد، ما يتعرض للخطر ليس مجرد ولايات هامشية في الدولة ، بل قلب الدولة ذاته.
لهذا ، باتت الحكومة العثمانية لا تفكر منذ غرة أكتوبر 1918 إلا في وقف القتال الذي تحقق في 30أكتوبر بموجب هدنة "مودروس".ووفقا لشروط هذه الهدنة، انتهت الحرب العالمية الأولي فيما وراء القوقاز وأذربيجان.أما الأرمن فقد استعادوا إثر الانسحاب العثماني ونقضمعاهدة "بريست- ليتوفسك" وانشغال البلاشفة في الحرب الأهلية مناطق قره كيليسة وألكسندر بول وجارس وصورمالو.
وهكذا، غرقت الدولة العثمانية. وتبدو الكارثة جد خطيرة بحيث ان الرأي العام المذعور من هول الطوفان لا يتواني عن المطالبة بإنزال أقصي القصاص بالاتحاديين المسئولين عن جميع مأساوات الحرب: موت مئات آلاف الجنود، المذابح التي راح ضحيتها السكان المدنيون الأرمن. وعندئذ، دق ناقوس الموت في حزب الاتحاد والترقي وحل محلهم ائتلاف الأحرار.






عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى