منتديات عطا درغام
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» التحليل النفسي للجنون
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:53 من طرف عطا درغام

» محاكمة ألف ليلة وليلة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:50 من طرف عطا درغام

» فنون الحياة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» المسألة الكردية: الوهم والحقيقة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» أسود سيناء
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:48 من طرف عطا درغام

» 100 عام من الإبادة إلي السيادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:51 من طرف عطا درغام

»  يعقوب أرتين ودوره في الحياة المصرية (1842-1919)
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» مئة ..وتستمر الإبادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» القرصنة في البحر المتوسط في العصر العثماني:
السبت 12 مارس 2016 - 19:25 من طرف عطا درغام

» الأرمن في مصر في العصر العثماني
السبت 12 مارس 2016 - 19:24 من طرف عطا درغام

 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث

الأرمن والفنون الجميلة في مصر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الأرمن والفنون الجميلة في مصر

مُساهمة من طرف عطا درغام في السبت 15 نوفمبر 2014 - 10:46

حققت الجالية الأرمنية المصرية نجاحا ملحوظا في ميدان الفنون الجميلة لا سيما التصوير والنحت والكاريكاتور، وقد ساعدهم علي ذلك اتباع الأرستقراطية المصرية نهج أقرانهم الأوربيين بتزيين قصورهم باللوحات والنحوتات الزخرفية الغالية. وفي ظل وجود طلب ، تحولت فروع مختلفة من الفنون الجميلة ( لا سيما التشكيلية) إلي مهنة مربحة . ومن ثم ، انبثقت فكرة تنظيم معارض دائمة وموسمية في المدارس الفنية وصالونات العرض بالقاهرة والإسكندرية.
ويلاحظ أن الفنانين الأرمن قد ظهروا في مصر منذ المراحل التكوينية الجنينية للفنون الجميلة بها . ولذا ، فإنهم لا يحتلون مكانة ملموسة في تاريخ هذه الفنون فقط ، لكنهم يشكلون جزءا لا يتجزء من الحركة الفنية المصرية الحديثة.
بدأ ميلاد الفنون الأرمنية المصرية الجميلة بنزوح المصور الشاب يرفانت دميرجيان (1870-1938) من الأستانة إلي الإسكندرية في سبتمبر 1896 ليصبح أول مصور أرمني محترف في مصر الحديثة .كما أنه يعد حلقة مهمة في حركة الاستشراق الدولية وتاريخ الفنون الجميلة المصرية. وبذا ، يمثل بؤرة تلاقت فيها سمات وتقاليد الثقافات الثلاث آنفة الذكر.
أنهي دمييرجيان تعليمه في مدرسة الفنون الجميلة بالأستانة بين عامي 1885- 1890 ، ثم أكملها في أكاديمية " جوليان " بباريس بين عامي 1893 -1894 .وعندما عاد إلي الأستانة في اواسط عام 1894 مفعما بالأمل والحماس ، اصطدم بالاضطهادات الحميدية إزاء الأرمن بين عامي 1895 -1896 مما أسفر عن لجوئه إلي مصر.
بيد أن هذه المأساة ظلت رابضة علي نفسيته وماثله في ذاكرته طيلة حياته شأن جميع الأرمن الذين لاقوا نفس مصيره . ولذا ، اتسم بشخصية انطوائية نفسيا ومنعزلة اجتماعيا ، ولكنه ماقتا للبشر والحياة .
واتخذ دميرجيان من الإبداع الفني وسيلة تعويضية عن تجاربه المأساوية . ورغم أن إبداعه لم يستم بالتفاؤل إلا أنه كان مفعما بالحب والتعاطف إزاء الناس البسطاء والحياة ذاتها.
أخذ دميرجيان يتفاعل نسبيا ، وعلي استحياء مع الوسط الفني الجمالي المصري وشارك في بعض المعارض السنوية التي نظمتها الجماعة الفنية المعروفة بحلقة الفن. وبفضل تشجيع صديقه المصور فهرام مانافيان، شارك دميرجيان بإنتاجه الإبداعي في بعض معارض صالون القاهرة التي نظمتها سنويا " جمعية محبي الفنون الجميلة" منذ عام 1924 .
وأخيرا ، نجح مانافيان في إقناعه بالاشتراك سويا في معرض خاص بهما " دميرجيان- مانافيان " خلال مارس 1933 . ورغم نجاح المعرض فنيا ، إلا أنه فشل ماديا ، ولم تباع إلا بضع لوحات من إجمالي "70" لوحة عرضاهما الفنانان .
صبت إبداعات دميرجيان في فرعين رئيسيين ؛ أولهما أرمني ، وثانيهما مصري. بالنسبة للفرع الأرمني ، فقد شارك ببعض الصور التوضيحية والرسوم المستقلة ضمن جهود الشعب الأرمني للتغلب علي مآسي الاضطهادات والمذابح . وفي عام 1905 ، انجز لوحة كبيرة لديكران باشا آبرويان بتكليف من مطرانية الأرمن الأرثوذكس بالقاهرة . بيد أن أهم إبداعاته في النطاق الأرمني محاكاته مجموعة من التصاوير الدينية الكبيرة التي أبدعها مصورو النهضة الإيطالية.
ويعد الفرع المصري أهم إنجازات دميرجيان الإبداعية ، فقد عاش في شقة متواضعة علي سطح أحد خانات شارع محمد علي بالقرب من القاهرة الإسلامية التي أضحت منبعا استقي منه معظم مادة موضوعاته. ومن ثم ، أخذ يستكشف عبقرية المكان وسمات أهله راسما الإسكتشات لكل شيء حوله بعاطفة جياشة . وتركزت قضيته المحورية علي دراسة البسطاء وأسلوب حياتهم وعاداتهم . ولأنه كان بسيطا مثلهم . فقد استطاع ان يتغلغل في نفسيتهم ويعكسها علي لوحاته.
تفاعل الحس الإبداعي لدي دميرجيان مع مناخ ثورة 1919 ، فعشق الإنسان البسيط في الشارع المصري الذي صار بطلا لمعظم لوحاته : ابن البلد ، بنت البلد ، العامل ، الأزهري، الفلاح، الفلاحة ، الغجرية ، الغفير، البائعة ، الحمال ، صبي المقهي ، ..إلخ . وقد استوحي مادته الإبداعية من ثنايا هذه الفئات البسيطة الفقيرة بملابسها الرثة ووجوهها الشاحبة المتربة. وغمس ريشته في طين الواقع المصري ليسبر أغوار حياة البسطاء بنبضها المكافح من أجل لقمة العيش . ولم يصورهم علي نحو ما فعل المستشرقون الأوربيون " مغسولي الوجه نظيفي الملابس " ، بل صور واقعيتهم بدقة متناهية . ولذا ، اعتبر النقاد المحدثون لوحاته " عملا مرجعيا ووثيقة بشرية لسمت الإنسان المصري البسيط وأحواله في أوائل القرن العشرين " .
ونظرا لأن دميرجيان عاش في مصر أكثر من "40" سنة ، فقد تمصر تدريجيا وراح ينظر إلي مصر وشعبها بعيون "أولاد البلد" لا بعيون " الأجانب " ، فرغم أنه بدأ إبداعه المصري بتصوير الموضوعات الاستشراقية التقليدية ( السوق ، خان الخليلي، مناظر نيلية ) .إلا أنه قد تحول جذريا للتعبير في معظم أعماله عن المصري البسيط ( ابن البلد وبنت البلد) الذي صوره بحب واهتمام دون تجاهل بساطته وآلامه.فماذا كان ينتظر ماديا من هؤلاء البسطاء الذين كانوا في الغالب من عابري السبيل أو مرتادي المقاهي ؟.
تميز أسلوب دميرجيان بالهدوء والحساسية والعاطفية . ولم تكن واقعيته مثالية ، بل موضوعية ومرآة صادقة للحياة . ولم يكن عصبيا ولا مغاليا في الذاتية . واعتمد أساس تلوينه علي درجات اللون الواحد جيث استغل خلال حياته الإبداعية الدرجات اللانهائية للألوان البنية والزرقاء علي نطاق واسع.
انتقد بعض النقاد والفنانين دميرجيان ، لأنه لم يكن فنانا طليعيا ، بل مجرد صاحب طراز قديم ومتخلف. وفي هذا الصدد ، تجاهلوا الظروف الموضوعية لهذا الفنان الذي تشكل فنيا في أستانة القرن التاسع عشر ، ويعد من بشائر الفن المصري الحديث . وتاريخيا ، كان يجب علي فنان ما أن يلخص فن المدارس التقليدية قبل العبور إلي المدارس الحديثة . وهنا ، قام دميرجيان بدور القنطرة بين القديم والحديث. زد أيضا ، أن الهدف الأصلي للاستشراقيين هو تسجيل حياة الشرق الإسلامي بشكل صحيح لتحقيق فهم أصدق وأعمق له.
ولهذا ، لا يعيب دميرجيان أنه صاحب طراز قديم وليس طليعيا حسبما وصفه ناقدوه .  وخلاصة القول ، تتجسد أصالة دميرجيان في الفهم العميق لطبيعة المصري البسيط وترجمتها بنجاح في إرثه الإبداعي الذي أضحي بمثابة " معرض" لإنسانية المصري . وبانتهاجه الواقعية الصارخة ، يعد من الرعيل الرائد في مدرسة الواقعية المصرية.
ليس هذا فحسب، بل إن وجوده في مصر منذ عام 1896 قد استكمل الحلقة المفقودة في تاريخ الفنون الجميلة بمصر الواقعة بين مجموعة الفنانين الاستشراقيين الذين جاءوا إلي مصر مع الحملة الفرنسية 1798 ، وبعدها ظهر جيل الرواد الأوائل أمثال محمد ناجي ومحمود مختار وراغب عياد ومحمود سعيد منذ أوائل عشرينات القرن العشرين .
....................
الأرمن والفنون الجميلة في مصر- فهرام مانفليان وديران جرابيديان.
 
 
ويرتبط بدمرجيان مصوران آخران هما : صديقه فهرام مانفليان وتلميذه ديران جرابيديان.
تخرج مانافيان (1880-1952) في مدرسة الفنون الجميلة بالأستانة ، ونزح إلي مصر عام 1911 . عمل مدرسا للفن الجميل في مدارس متباينة إلي جانب إبداعاته الشخصية . وبعد معرضه الأول مع دميرجيان ، نظم معرضه الثاني والأخير عام 1951 في متحف الفن الحديث بالقاهرة.نهج نهجا واقعيا مثل دميرجيان ، ولكن ليس بنفس العمق.
أما ديران جرابيديان (1882-1963) ، فعلي نقيض أستاذه دميرجيان ، انتمي إلي أسرة أرمنية ثرية مستقرة بمصر منذ اوائل القرن التاسع عشر . وبينما كان الأستاذ مقتصدا في استخدام الألوان ، اتسم جرابيديان بانه فنان ملون بلا نهائية. وبينما مثل جرابيديان آخر محطات مدرسة القرن التاسع عشر ، سلك تلميذه درب الحداثة ليصبح من رعيلها الاول في مصر.
شغف ديران بالرسم والتلوين منذ صباه . ومن حسن طالعه أنه من أسرة ثرية ذوات أملاك . ومن ثم ، لم يشغل باله بأعمال أخري عن الفن ليكسب منها سبل معاشه علي نحو ما فعل الكثيرون .
بداية ، التحق بمرسم دميرجيان الكائن في شارع محمد علي وتتلمذ عليه حتي الثامنة عشرة من عمره. وخلال هذه الفنرة ، تعرف علي أسلوب المدرسة الواقعية التي اشتهر بها أستاذه.
ومنذ عام 1900 ، استكمل دراسته علي مدي خمسة أعوام متتالية في أكاديمية " جوليان " للفنون الجميلة بباريس . ثم أتبعها بدراسات " البوزار " ( المدرسة العليا للفنون الجميلة ) حتي حصل علي دبلومها ، وفي تلك الفترة ، كانت باريس عاصمة العالم الفنية وقبلة الفنانين من أركان الأرض بحثا عن الوحي والإلهام والاحتكاك الثقافي في مدينة الفنون .
ويري النقاد أن هؤلاء المهاجرين إلي باريس وقتذاك أسهموا إلي حد كبير في وضع أسس الحداثة في القرن العشرين . فقد سبحوا جميعا في عالم فلسفة بول سيزان (1839-1906) الذي يعد أبا الفنانين الحداثيين في القرن العشرين .
وفي هذا الصدد ، ارنبط جرابيديان تماما بمدرسة بول سيزان حتي أصبح من الفنانين القلائل الذين يجيدون فهمه وتحليله.ليس هذا فحسب ، بل امتدادا طبيعيا له وتعميقا لفلسفته وإضافة إليها .
وانتمي جرابيديان إلي " مدرسة باريس " التي ظهرت بين الحربين العالميتين 1918-1939- واتسمت بالشاعرية والرومانسية والتعبيرية والعاطفية والذاتية . وتعبر عن الأعمال الإبداعية لمجموعة من الفنانين الأجانب الذين درسوا أو زاروا باريس . وقد تبلور نجاح جرابيديان عندما عرض لوحاته جنبا إلي جنب مع جورج براك ( 1882-1963) وشاجال (1887-1985 ) واتريللو(1885-1955) وبيكاسو (1881-1973) ولفيف من رواد الحداثة في " جاليري كارمن " بشارع نهر السين في باريس خلال الفترة من 16 يونية حتي 15 اكتوب .
وبذا ، أصبحت إبداعات جرابيديان ذات طابع عالمي لا من حيث منابع دراستها ، ولكن من حيث عرضها أيضا .
يعد التصوير بالنسبة للطليعي جرابيديان " تلوينيا " . وتوضع الألوان بمقدار فلسفة ومباديء إستاتيكية وقوانين طبيعية لا تبديل لها . والدنيا التي يصورها تربض داخل قلبه وعقله وخياله ومشاعره. وما يراه ليس سوي عامل مساعد علي صياغة الأحلام والتهاويم. وتتميز الصورة التي يرسمها بأنها عمل إبداعي يستقل بروح جديدة ويحكي قصص خفية يتبينها المتأمل في ثنايا الظلال والألوان: رجالا ونساء وأطفالا وحيوانات وطيورا وزهورا وكائنات مبتكرة لا أصل لها علي طريقة الميتافيزيقيين ( السرياليين ).
وقد مضي جرابيديان في طريق سيزان إلي منتهاه . واستمر تشخيصيا واضحا يصور النماذج الحية ( الموديلات ) والتكوينات الثابتة من الأزهار والفاكهة حتي نهاية أربعينيات القرن العشرين . لكن لوحاته التشخيصية المتأخرة ، تضمنت الكثير من الإضافات " الفانتازية " من خيالات وأحلام وصور روائية تتخلل النموذج المرسوم.
تنقل جرابيديان بين القاهرة وباريس ومدن أوربا ، فتابع عالميا الحياة المرئية وتبادل الأفكار والحوار مع الرفاق الذين أصبحوا – فيما بعد- قادة الحداثة . ورغم أنه لم يستقر في بؤرة الحركة الفنية بباريس ليتبوأ مكانته العالمية ، إلا أن إقامته الطويلة في مصر قد زودته بمؤثرات جديدة ، تختلف عن تأثيرات باريس وتكملها . فقد شحنت ألوانه بمزيد من الذبذبة وتغير أسلوبه من التشخيص إلي التجريد . واتسم بالجاذبية والحيوية والديناميكية وتعدد المضامين . كما تميز ببلاغة التعبير وعظمة محاكاة الجوهر دون المظهر.
ورغم إقامته الطويلة في مصر ، لم ينظم بها إلا معارض قليلة ؛ في قاعة بريفال (1932) ، فندق ( الكونتينتال) 1941 . الشركة الشرقية للإعلانات (1945) . وقد اقتني متحف الفن الحديث بالقاهرة لوحتيه " البواب" و" رأس النوبية".
وقد لقي جرابيديان مقاومة لأفكاره وتقليلا من قدرها علي أيدي أساتذة مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة . ولذا ، تسلل الموهوبون من طلبتها سرا إلي مرسمه فوق الدور الخامس من البيت الأيمن رقم "45" في أول شارع شبرا كي يستضيئون بآرائه ويتلقون تعاليمه وينسجون علي منواله – رغم ما كانوا يلقونه من اضطهاد ومطاردة ورسوب- مما كان ينعكس علي أعمالهم المدرسية فيثير حفيظة الأساتذة. وفي هذا الخصوص ، روي الناقد مختار العطار ما يلي:" كنا نلتف في مرسمه في حديثة السطح – نحن حواريه وتلاميذه ومريديه – نتامل معه أشعة الشمس وهي تسقط مرتعشة علي الثمار التي يرسمها ويلونها . ونراقبها وهي تتحرك متذبذبة تدفع الظلال أمامها ، فتتحرك الألوان في إثرها . علي حافة الحد الذي يفصلها عن النور.
كان الأستاذ يصيح حينئذ قائلا: هنا يكمن لون الأشياء . كل شيء مرسوم بالألوان كما قال سيزان ، إذا وضعت اللون في مكانه الصحيح ، ازدهي وتلألأ ودبت فيه الحياة، أما إذا اخطات مكانه ، خمد بريقه ومات ".
ورغم تجاهل دورجرابيديان الطليعي في مصر ، إلا أن النقاد الأوربيين يعدونه " ذا تأثير عميق علي العديد من الفنانين الموهوبين ، سواء من معاصريه أو من الجيل الذي يليه . لكن المؤسف ، ان مستوي الثقافة الفنية في مصر خلال الثلاينيات وحتي نهاية الحمسينيات ، كان ضعيفا بالمقارنة بدول أوربا . كان المرخون المصريون في ذلك الحين ، يفضلون الكتابة عن الثائرين من فناني باريس والمدن الأوربية الأخري ، غافلين عن هؤلاء الحداثيين المنبثقين بين ظهرانيهم في أرض مصر" .
.............................................................................................
وبجانب جيل دميرجيان ، ثمة جيل آخر من الفنانين الأرمن نزحوا إلي مصر إبان عشرينيات القرن العشرين نتيجة مباشرة لمذابح عام 1915 وتوابعها . ويلاحظ أنها الفترة التي شهدت نضوج رعيل من رواد الحركة الفنية المصرية ، ونرصد ملامحهم الفنية ابتداء من وصولهم إلي مصر : باروير باريزينيان (1923) ، الكسندر صاروخان وفاهان هوفيفيان (1924)، بوزانت جوجامانيان وسيمون سامسونيان (1927) ، أشود زوريان وأونيج آفيديسيان (1929) .
أنهي باروير  بارديزيان (1887-1932) دراسته الفنية بالأستانة واستكملها في ألمانيا . استقر نهائيا في مصر عام 1932 . ومنذ ذلك الوقت أخذ يشترك سنويا في معارض " صالون القاهرة " حتي تبوا مركزا ملحوظا ضمن أسرة المصولرين المصريين . ولذا ، اقتني متحف الفن الحديث بعض لوحلته.
كما أنهي فاهان هوفيفيان (1899-1981) دراسته الفنية بالأستانة واستكملها في اوربا بين عامي 1915-1918 ، استقر بالإسكندرية في عام 1924 ، ولكنه لم يشترك في فعاليات الحركة الفنية المصرية إلا منذ عام 1938 حيث انتظم بصفة دائمة في المعارض السنوية المقامة بالعاصمة والثغر فضلا عن معارض المصورين الأرمن.
ولكنه أقام أول معارضه الخاصة بالإسكندرية بين 19-31 1949 . وقد ضم المعرض "80" لوحة تدور أغلبها حول مناظر سكندرية طبيعية مثل "مريوط" و" العجمي".
وفي عام 1927، استقر بمصر أرمنيان صارا من مشاهير الحركة الفنية بها وهما : بوزانت جوجامانيان وسيمون سامسونيان.
بالنسبة ل بوزانت جوجامانيان (1909-1993) واظب منذ وصوله إلي القاهرة علي حضور محاضرات مدرسة " ليوناردو دافينشي" الفنية الليلية بالإسكندرية. ابتدا معارضه الخاصة في صالة عرض الشركة الشرقية للإعلانات بالقاهرة بين يومي 26 نوفمبر حتي 10 ديسمبر 1944 .ثم توالت معارضه الخاصة في القاهرة والإسكندرية وبيروت والولايات المتحدة . كما اشترك منذ عام 1945 في المعارض الجماعية للمصورين الأرمن بخاصة والمصريين والاجانب بعامة .
وكذا ، عرض إنتاجه الإبداعي في الصالونات المختلفة بين عامي 1931-1933 في روما ، وبين عامي 1935 -1937 في صالون القاهرة ، سان باولو (1952) ، الإسكندرية (1955) ، البندقية (1956) ، القاهرة (1956).
رحبت الصحافة الفنية بالإبداع الجوجاماياني . وفي هذا الشأن ، علقت مجلة " الفن" بقولها : ... وهو فنان يجمع بين الفنين القديم والحديث...وعرف كيف يكون لنفسه أسلوبا فنيا يجعلك تعرف لوحاته بين مجموعة من لوحات غيره من الفنانين لما فيها من ارتباط شاعري منسجم، وألوانه يغلب عليها اللون الأحمر ومشتقاته حتي أنك لو لم تجد هذا اللون ظاهرا جليا في رسومه ولوحاته لشعرت به كائنا موجود فيها. وهناك ظاهرة أخري يمكنك أن تشتشفها من لوحات هذا الفنان، وهي الدقة في العمل مع البساطة في التعبير. كما أن جميع رسومه مستوحاة من الطبيعة، ومن الريف المصري، كما استوحي البعض منها من مناظر لبنان الطبيعية . ومن أحسن لوحاته " الغزال" ، وهي ذات طابع جميل في خطوطها وتعبيراتها وفي لونها الأحمر المتعمق في تناسق وانسجام فيها..." كما دارت موضوعاته أيضا حول العلاقات الإنسانية مثل التعاطف والمحبة بين البشر وموضوعات الأمومة والطفولة والدفء الأسري.
وينتمي جوجامانيان إلي عائلة المدرسة التعبيرية العنيفة التي تستخدم الألوان الحية النقية قوية التشبع :أي الألوان كما هي في الطبيعة وكما هي معباة في الأنابيب الخاصة بها ، ناهيك عن الاعتماد علي عامل التشويه الفني الذي يشكل دعامة رئيسية من الدعائم التقنية للمدرسة التعبيرية.
وقد تميزت أعماله أيضا بألوانها الأحمرات والبرتقاليات والأصفرات ذوات الطبيعة النارية، وبخطوطها المنحنية العنيفة . وبمضامينها الانفعالية – العاطفية الجياشة . ورغم سيادة المدرسة التعبيرية علي المناخ الفني المصري وقتذاك ، إلا أن تعبيرية جوجامانيان كانت من نوع عنيف يصل فيها الانفجار اللوني والتشويه الفني إلي أقصي مدي عكس الواقعية التعبيرية المعتدلة للرواد محمد ناجي ومحمود سعيد وراغب عياد الذين كانوا يستخدمون غالبا الألوان الباردة من أزرقات وأخضرات وأرجوانيات.
أما سيمون سامسونيان ، فقد وصل إلي مصر في الثانية عشرة من عمره- مع "32 " طفلا أيتاما – بعد أن قضي طفولة بائسة في ملاجيء   أزمير واليونان منذ ميلاده عام 1915 وفقد معظم أفراد أسرته.
عاش مع زملائه اللاجئين في الدور الأخير لمدرسة كالوسديان الأهلية الأرمنية ببولاق . وأنخي دراسته بها في عام 1932، ثم حصل علي منحة دراسية للدراسة الليلية في مدرسة " ليوناردو دافينشي " ، وكان هةو الأرمني الوحيد بين " 100" طالب دخلوا الامتحان وجاء ترتيبه الأول في امتحان التخرج.
أخذ سامسونيان يعرض إنتاجه الإبداعي في مصر إبان أربعينيات القرن الماضي . ولكنه لم يلق نجاحا ملموسا . ولذا ، غادر مصر إلي إيطاليا في عام 1950 لدراسة أعمال كبار فناني عصر النهضة ..كما درس أعمال الفنانين المعاصرين في باريس ولندن.
بعد عودة سامسونيان من رحلته البحثية الأوربية ، تطور أسلوبه الفني تطورا واضحا ؛إذ أصبحت فرشاته أكثر جرية وأكثر امتلاء بالألوان . وتدريجيا ، اكتشف ميله الشديد نحو التكعيبية. ولكن إضافته الحقيقة كانت في الاحتفاظ بالعنصر الآدمي مع الرمزية . ولذا ، بدات تظهر أساسيات الجمال من خلال الخطوط السوداء الطاغية القوية التي كانت تخضع تماما للغته التشكيلية وفق التصميم والتكوين الفني المحسوب. ورغم هذا ، فقد حافظ علي القيم الجمالية والهارمونية الموسيقية الصداحة للألوان.
تنوعت موضوعات سامسونيان الإبداعية بشدة؛ إذ عشق طبيعة و  وء النهار المبهج في الصيف واحب الخريف بالألوانه الذهبية ، واهتم بالبيوت التي يحتمي بها البشر خاصة وأنه عاش طفولة مشردرة . ويرتبط بهذا تكثيفه طاقات الأمومة التي حرم منها . كما صور سيمون عالمه اخاص داخل بيته.: زوجته وأطفاله أثناء راحتهم أو لعبهم أو حتي تناولهم الطعام . ومع هذا ، يلاحظ في أعماله حزنا شجيا وألما دفينا وتأثرا مأساويا. ويرجع هذا بجلاء إلي ماترسب في عقله الباطن كانعكاس إنساني طبيعي لما عاناه في طفولته التي كانت بلا طفولة.
لفتت إبداعات ساسومانيان إليه أساتذة الفنون الجميلة وزملاءه من الفنانين وقادة الحركة التشكيلية . وانتقل من نجاح إلي آخر وحصل علي كثير من الجوائز وتتابعت المتابات النقدية عته في الصحافة الفنية خاصة عن مقدار العمق الإنساني في أعماله الفنية . ففي عام 1957 .اشترك بلوحته الشهيرة " فتاة صغيرة تلعب بالحبل" في صالون القاهرة . ثم اشترك بنفس اللوحة ممثلا لمصر في بينالي الإسكندرية الدولي الأول الذي افتتحه الرئيس جمال عبد الناصر.
وفي عام 1960 ، اشترك في مسابقة صالون القاهرة وموضوعها من وحي التاريخ العربي بلوحته المعروفة " الفاروق عمر بن الخطاب في أورشليم" وعبر فيها عن شخصية الفاروق وحبه للعدل بين الناس وزرع السلام بين مختلف الطوائف والأجناس . وقد فازت هذه اللوحة بالجائزة الأولي علي مستوي الفنانين المشتركين من مصر والدول العربية .كما أنه اكتسب حب المسلمين والمسيحيين علي خد سواء باعتباره شخصية فوق التعصب.
في عام 1961 ،أقام سامسونيان بمبادرة من وزير الثقافة والإرشاد القومي ثروت عكاشة معرضا شاملا لأعماله خلال العشر سنوات التالية علي مجيئه من أوربا. وقد نوهت بهذا المعرض كافة الصحف والمجلات والإذاعة وحتي التلفزيون الذي كتن يخطو أولي خطواته في مصر.
وفي مناسبة الذكري العاشرة للثورة ، رصدت وزارة الثقافة والإرشاد القومي جوائز للأنشطة الفنية حول موضوع من وخي الثورة . وكان سامسونيان هو الفنان الأرمني الوحيد الذي اشترك في هذه المسابقة بلوحته " شمس الثورة الساطعة" التي فازت بالجائزة الثانية (300) جنيه .
وفي أثناء الاحتفال ، أهداها سيمون لمتحف الفن الحديث بالقاهرة . بذلك يعد سامسونيان أول أرمني ينال هذا التقدير من كافة الأوساط الفنية والثقافية المصرية. وأصبح علما من أعلام الفن المصري وتبوأ مكانته ليس في مصر وحدها .بل في منطقة الشرق الأوسط كلها. وصار له مريدين وتلاميذ أخذوا الكثير من أسلوبه. وقد تسامي بذكائه فوق بشاعة الأحداث التي واجهته وارتقي بإبداعه معبرا عن المشاعر الإنسانية والاجتماعية ليخاطب البشرية جمعاء.
..........................................................
بخلاف سامسونيان ، استقر بمصر الفنان متعدد المواهب أونيج أفيديسيان (1898-1874( بمصر نهائيا منذ عام 1929 بعد أن أكمل دراسته التصويرية والنحتية بفيينا وروما . ومنذ ذلك الوقت ، اشترك بصفة منتظمة في صالونات القاهرة والإسكندرية ، وثلاث مرات في المعرض الدولي للحفر بلوس انجلوس (1931-1934) . وفي نفس الوقت ، اشترك في معرض الفن الأرمني الذي أقيم في بوخارست برومانيا عام 1931 . وفي العام التالي ، نظم أول معارضه الخاصة بالقاهرة الذي ضم أعمالا  تصويرية ونحتية . ونظم معرضه الثاني بالإسكندرية عام 1934.
غادرأونيج مصر في عام 1936 إلي قبرص حيث مكث بها خمس سنوات . ثم أمضي سنتين بالقدس تفرغ خلالهما لدراسة مجموعة المنمنمات الأرمنية الفريدة المحفوظة في دار البطريركية الأرمنية هناك. وأنهي خلال هذه الفترة لوحته " معمودية المسيح".
عاد آفيديسيان إلي القاهرة عام 1943 ، ونظم معرضا ظهرت فيه بشكل خاص اللوحات التي استخدم فيها الألوان المائية بصفة أساسية ، وكلها من الأعمال التي أنجزها في قبرص. ومنذ ذلك الوقت، استأنف نشاطه الفني بقوة في القاهرة والإسكندرية : أتيليه مدرسة الليسيه فرنسيه، النادي الفني الأرمني ، صالون القاهرة (1949) ، المعرض المصري الإيطالي (1952)، معرض الربيع (1953) .هذا ، وقد اقتني متحف الفن الحديث بعض لوحاته مثل "أطلال مقابر" و"حداد" كما اشترت منه محافظة الإسكندرية لوحة "السابحة" لتوضع ضمن مقتنيات متحف الفنون الجميلة بالثغر.
وبالإضافة إلي أن آفيديسيان كان مصورا ماهرا ، كان أيضا نحاتا باهرا امتلك كل مقومات ومهارات فن النحت. كما كان باحثا حيث صدر له عمل في عام 1948 عن الطباعة باللغة الأرمنية وإمكانية تحديث أبجديتها القديمة.وقد اعتمد علي المخطوطات الأرمنية القديمة وابتكر أشكالا جديدة للحروف أبسط نسبيا في قراءتها . بيد أن أهم أعماله في هذا الميدان كتابه عن" المصورين والنحاتين الأرمن منذ بداية القرن التاسع عشر حتي منتصف القرن العشرين".
وهكذا ، تعددت مواهب آفيديسيان بين إبداعه في عالم التصوير ، ومهارته في دنيا فن الحفر والنحت ، وتألقه علي ساحة الكتابة البحثية والتاريخية والنقدية في ميدان الفنون الجميلة وكذلك كتربوي قدير.
أما أشود زوريان (1905-1970) ، فقد أصبح منذ استقراره بالإسكندرية عام 1929 عضوا في "الاتيليه"، واشترك بشكل منتظم في المعارض المختلفة المنظمة هناك. وفي عام 1939 ، أقام معرضه الخاص الأول في قاعة " جريجوار" بالثغر . ومنذ عام 1941 ، استقر بالقاهرة ، وأقام أول معارضه بها في فندق الكونتينينتال منذ 11 حتي 15 يناير 1942.
وفي عام 1944 ، أقام معرضا بالشركة للإعلانات الذي عرفه لجمهور المتذوقين والمثقفين المصريين . وفي عام 1949 ، اشترك في صالون الشتاء باريس ، وبين عامي 1949-1951 أقام عدة معارض في بيروت وحلب والإسكندرية . واشترك أيضا في بينالي البندقية ثم في المعرض المصري الإيطالي عام 1952 ، صالون الربيع عام 19563 ، فضلا عن اشتراكه في معارض المصورين الأرمن.
وقد تمركز محور إبداع زوريان حول الوجوه البشرية والطبيعة الساحرة لا سيما البحار. واتسمت لوحاته بالعمق والتامل والنظرة التفاؤلية رغم معاناته المريرة في طفولته. واشتهر زوريان في الوسط الفني التشكيلي المصري ، واشترت منه محافظة الإسكندرية لوحة منفذه علي القماش صارت من مقتنيات متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية . كما يعد من أهم المصورين الأرمن الذين اقتني متحف الفن الحديث بالقاهرة لوحاتهم ضمن محفوظاته.
وبجانب هذا الجيل الذي نزح إلي مصر إبان عشرينيات القرن الماضي إثر الاضطهادات العثمانية ضد الأرمن ، ثمة جيل أرمني مواز له قد تشكل من الارمن المستقرين بمصر قبل عام 1896 ممن لم يتأثروا بالاضطهادات مباشرة.
يعد المصور الملون كريكور مجرديتشيان(1902-1948) السكندري المولد والوفاة أقدم هؤلاء المصورين بعد ديران جرابيديان . أنهي دراسته الفنية عام 1926 وأسس جاليري جريجوار "كريكور" عام 1930 . وبين عامي 1938-1945 اشترك في صالون الاتيليه ومختلف المعارض المقامة بالقاهرة والإسكندرية .واستوحي موضوعات لوحاته عن الطبيعة الجذابة والوجوه الشائقة.
كما وهبت الإسكندرية مصورا جيدا من أرمنها إلي دنيا الفنون التشكيلية المصرية ، إنه هامبار هامبارتسون (1908-1982) .التحق بمدرسة ليوناردو دافنشي بالثغر لمتابعة دراسته الفنية حتي استكملها عام 1928 . ولكنه أصقل موهبته بالبحث الدءوب للمتاحف ، فضلا عن الممارسة العملية في مرسمه الخاص.
اشترك لأول مرة في المعرض الجماعي لصالون الأتيليه عام 1939 ، ثم أقام معرضه الخاص الأول عام 1944 في الإسكندرية. وبين عامي 1947-1948 ، سافر إلي إيطاليا لعرض أعماله بها . وفي العام التالي ، عرض بالإسكندرية لوحاته التي نالت تقدير النقاد وإقبال الجمهور وقبوله . ثم اشترك في بينالي البندقية عام 1950 . وبعد ثلاث سنوات عرض إبداعاته في متحف الفن الحديث بالقاهرة . وترك الفنان باقة من اللوحات الرائعة مثل " حواري الإسكندرية" التي اقتناها متحف الفنون الجميلة بالثغر، ولوحتي " الربيع في كوم الدكة" و" حارة في كفر عشري".
ولا زالت عروس البحر المتوسط ولادة بالفنانين الأكفاء . ففي ربوعها ، ولد المصور هاجوب هاجوبيان عام 1939 وسط أسرة مصورين فوتوغرافيين . اكتسب خبرته الفنية في مدرسة ميلكونيان بقبرص علي أيدي أستاذه أونيج آفيديسيان ، ثم تابعها في مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة ، وأكملها في باريس بين عامي 1952- 1954 . ولذا ، يلاحظ بوضوح علي أعماله تأثير الفن الفرنسي المعاصر . ورغم أن هاجوبيان اشترك بصفته مصورا في معارض فنية بمصر وفرنسا ، ورغم ان لوحاته توجد في المتاحف المصرية ، إلا أن عمله الدائم كان فنان ديكور داخلي. تميز هاجوبيان في مصر بتصوير الطبيعة الصامتة ، وتدور فلسفته الإبداعية حول البحث عن الجمال وإبرازه ليس للتجميل فقط ، ولكن لإظهار عمق الجمال في البساطة. ويركز علي الطبيعة الفطرية التي لم تتاثر بالمدنية والتحضر . ولذا ، تتميز الطبيعة في لوحاته بالسكون والخلود.
.....................................

عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأرمن والفنون الجميلة في مصر

مُساهمة من طرف عطا درغام في السبت 15 نوفمبر 2014 - 10:47

بيد أن العالم الإبداعي في ساحات الفنون الجميلة لم يكن حكرا علي الرجل فقط، بل ارتادته باقة من بنات حواء . وفي هذا الصدد ، اشتهرت ساتينج تشاكر (1889-1981) التي استقرت بمصر عام 1919 بعد ان أكملت دراستها في إنجلترا .أقامت أول معارضها الخاصة عام 1946 . ودارت موضوعاتها حول وجوه مصرية خاصة الفلاحات ، والمناظر الطبيعية مثل حديقة الحيوانات بالجيزة ، فضلا عن بعض الموضوعات الأرمنية. وقدمت أعمالها باستمرار في نادي " سيدات القاهرة".
وهناك أيضا ، آرتيه توباليان التي انهت دراستها الفنية بإنجلترا وفرنسا ثم استقرت بالقاهرة. استهلت معارضها الجمالية في صالون القاهرة عام 1930، وبعد ست سنوات نظمت أول معارضها الخاصة. كما اشتركت بانتظام في المعارض والصالونات المصرية علاوة علي " نادي سيدات القاهرة" ، اقتني متحف الفن الحديث أربع لوحات أبدعتها بين عامي 1942-1953 . ورغم دراستها الفنية الإنجليزية- الفرنسية، إلا أنها متأثرة في أعمالها بالتعبيرية الألمانية . وتعتمد علي الهندسة في تكوين لوحاتها ، ومنها تنبع موسيقي خاصة يسود فيها الازرق والأخضر والأصفر . ويصفها النقاد بأنها استطاعت ترجمة صوت الكمان بشكل مرئي.
كما ظهر من الجنس الأرمني اللطيف فيدورا دميرجيان التي قدمت إنتاجها الإبداعي في مجال الفنون التطبيقية مرسوما علي الخشب والنحاس والجلد والقماش بزحارف مصرية ويابانية وقوطية. وأيضا ، نورا بابازيان التي قدمت رسوماتها علي القماش والجلد . وجمعت داريا جامسراجان بين النحت والتصوير، بيد ان شهرتها النحتية فاقت قرينتها التصويرية . وقدمت إبداعاتها جميع صالونات وصالات العرض بمصر وخارجها . كما اقتني متحف الفن الحديث بعض أعمالها الفنية. حقق الارمن نجاحا ملحوظا في ميدان الفنون التشكيلية حتي ان المتاحف المصرية قد اقتنت بعض إنتاجهم الإبداعي ، كما تبلور هذا النجاح في العروض الارمنية الجماعية التي اتخذت منحيين ؛ مصري وأرمني.
وبالنسبة للمنحي المصري ، اعتاد الفنانون الأرمن أن يشتركوا في المعارض الجماعية التي نظمتها " جمعية محبي الفنون الجميلة " في صالون القاهرة" . علي سبيل المثال ، اشترك في معرض عام 1941 المقام بسراي قصر العيني ضمن "21" فنانا من مختلف الأجناس "5" أرمن هم : زوريان وبالاموديان وهامبارتسوميان والآنسة شامليان وجوجاميان . وفي صالون مارس 1957 ، اشترك ضمن "76" فنانا " 7"أرمن : توماليان وجوجامانيان ويجوبان وزوريان وسامسونيان وشوشان دوفليتيان وكافوكيان . كما اشتركت الفنانات الأرمنيات ضمن الفعاليات الجماعية ل" نادي سيدات القاهرة" منذ عام 1937 خاصة توباليان وساتينج تشاكر وآناهيد شامليان وغيرهن .
وفي ديسمبر 1951، أقامت السفارة الإيطالية " المعرض الإيطالي المصري للفنون " بالاتفاق مع المراقبة العامة للفنون الجميلة ليكون رمزا للصلات التاريخية القديمة والحديثة التي تربط بين مصر وإيطاليا وقد اشترك في هذا المعرض من تعلموا الفن بإيطاليا من المصريين والفنانون الإيطاليون المقيمون في مصر وكذلك من تعلموا بمدرسة ليوناردو دافينشي.هنا ، اشترك "5" من الأرمن باعتبارهم مصريين في برنامج هذا المعرض وهم : آفيديسيان وجوجامانيان وسامسونيان وزوريان وتوباليان . ويلاحظ تنوع أساليبهم الفنية بين التأثيرية والتكعيبية والسريالية والواقعية..
أما المنحي الأرمني ، فقد نجحت " جمعية أصدقاء الثقافة الأرمنية " في تنظيم معرضين ناجحين للمصورين الأرمن في مصر؛ أولهما بصالة شركة الإعلانات الشرقية منذ 25 مارس حتي 15 أبريل 1945 ، وثانيهما بمتحف الفن الحديث بين يومي 4-18 مايو 1958 .
واشترك "20" مصورا أرمنيا ب"123" لوحة في فعاليات المعرض الأول . واشترك في الثاني "31" فنانا ب"159" عمل إبداعي وكان تحت رعاية كمال الدين حسين وزير التربية والتعليم. وقد دارت الموضوعات حول المحاور التالية.
1-   مناظر مصرية : منظر بالانفوشي ، منظر بالمعادي ، زمان الفراعنة ، صور قتاة مصرية ، قصور قديمة علي القنال، فلاحة...إلخ.
2-   مناظر روحية – دينية : الحجاج ، القدر، الحظ ، كنيسة أنطياس، دير بزمار، الإفطار في رمضان ، نحو الكنيسة ، عيد المسيح ..إلخ.
3-   علاقات إنسانية : الأم ، الطفل والمهد، عاري، سيدة وطفل ،ام وطفل، طفل ولعبته ، الامومة ..إلخ.
4-   مناظر طبيعية: لا سيما من لبنان وإيطاليا ، زهور ، فواكه،أسماك ، حيوانات ، فصول السنة ..إلخ.
5-   تصميمات متباينة.
وجدير بالذكر ، زيارات بعض الفنانين الأرمن غير المصريين إلي مصر مثل مارديروس ساريان الذي زارها عام 1911 ، وأعجب بحضارتها وشعبها . وقد أثرت زيارته علي تكوينات أعماله التي أصبحت تجمع بين الحضارة المصرية القديمة والحياة اليومية المصرية في إطار شاعري يعبر عن خصائص الأسلوب والتعبير الفني لفرشاة ساريان. وتعد لوحتا " الأقنعة المصرية" التي عبرت عن الخلود و" الفلاحة" من أهم وأشهر أعماله المصرية.
كما اتسمت الحياة الفنية الأرمنية بعروض الفنانين الأرمن غير المصريين : النحات ليفون مرادوف ( مراديان) الأرمني الفرنسي . المصورة الأرمنية الإنجليزية زابيل بوياجيان عام 1928 ، المصور الأرمني الألماني آرسين شابانيان عام 1930 ، والمصور الفرنسي ك. بيديجيان عام 1949.
وهكذا ، تميزت الحياة الفنية الجميلة الأرمنية المصرية بظاهرة إلقاء المحاضرات العامة حول تقنيات التصوير والنحت والعمارة والزخرفة الأرمنية وتاريخهم وروادهم ومشاهيرهم .اكثر من هذا ، نظم النادي الفني الأرمني مسابقة سنوية لبراعم الارمن تدور حول رسم موضوع بذاته أو يترك لهم عنان الخيال.
ولم يقتصر عمل المصورين الأرمن علي إبداع اللوحات والبورتريهات والإسكيتشات فقط، بل عمل بعضهم في مجال إعداد اليفط الذهبية مثل فوسجان شميشديان. كما اشتغل بعضهم في الرسومات الإعلانية والتوضيحية بدور النشر والصحافة المختلفة. منهم علي سبيل المثال ، الفنان " ديكران" الشهير بلقب "ديك " في مؤسة الأهرام الذي برع في رسم الإعلانات والرسوم التوضيحية. واشتهر هرانت آنترانجيان بتصميم غلاف مجلة " سمير " الشهيرة، وهو مبتدع شخصيتي "سمير" و"تهتة" المحبوبتين.
..................................
يعد ألكسندر صاروخان أهم وأكبر وأشهر شخصية أرمنية عملت في ميدان الصحافة المصرية . كما يعد رائد الكاريكاتور السياسي في مصر.
أنهي صاروخان (1889-1977) دراسته الأكاديمية عام 1924 في معهد الفنون الجرافيكية بفيينا . وفي 13 يولية من نفس العام ، وصل إلي مصر بناء علي دعوة طالب مصري من المنصورة يسمي عبد القادر الشناوي لمعاونته فنيا في إصدار جريدة فكاهية – ساخرة . وفعلا ، أصدرا عددين من " الجريدة المصورة" خلال النصف الاول من سبتمبر 1924 رسم فيهما صاروخان بعض النكات ثم توقفت عن الإصدار نهائيا.
ومنذ وصول صاروخان إلي مصر وجد نفسه في بلد عريق صاحب حضارة كبري، لكنه يعاني من وطأة الاضطرابات السياسية الحادة والمشاكل الاقتصادية – الاجتماعية العاتية. كل هذا مصحوبا بالحكم الاستعماري البريطاني . ومن ثم راح يتعاطف ويتعايش مع الشعب المصري ، وأخذ تدريجيا " يتمصر" دون التخلي عن جذوره الأرمنية. وبذا ، أصبح ذا انتماء مزدوجا إنسانيا وفنيا . بيد ان عملية اندماجه في الحياة المصرية قد استلزمت مرحلة نفسية – تحضيرية تحولية تمهد اه خوض قضايا الشعب المصري. وهذا ما حدث عقب توقف إصدار الجريدة المصورة. بعد استقرار صاروخان في مصر، تعرف علي بعض محرري الصحف والمجلات والتجار والحرفيين الأرمن . وكان أهمهم الزكوغرافي آرام بربريان الذي يعد كليشيهات معظم الإصدارات بجميع اللغات في القاهرة . وكانت ورشته بمثابة ملتفي غير رسمي للصحفيين وأصحاب الصحف ودور النشر مما يمثل مكانا ذا أهمية بالنسب لاهتمامات صاروخان وطموحاته.
وبهذه الطريقة ، تعرف صاروخان علي المحرر الصحفي فارتان زكريان ، واتفق معه علي إصدار مجلة أسبوعية فكاهية – ساخرة ملونة ، يرسمها الأول ويحررها الثاني. وفعلا ، صدر العدد الأول من " السينما الأرمنية" يوم السبت 24 يناير 1925 . بيد ان الخلاف دب بينهما حول طبيعة النقد؛ فبينما تشبث زكريان بأسلوب النقد الهدام ، تبني صاروخان فلسفة النقد البناء . وعندما استحال تقريب وجهات النظر بينهما ، ترك زكريان تحريرها يعد صدور العدد "40" وحل محله يرفانت أوديان الذي حرر "10" أعداد ، ثم توقفت المجلة في 13 مارس 1936.
وتشكل مجموعة الرسومات المنشورة علي صفحات " السينما الأرمنية" اول إنجاز كاريكاتوري صاروخاني . وفي هذه الرسومات، تبلور الأسلوب الصاروخاني الذي وسم بالحيوية والحركة العنيفة والمبالغات التي تعكس مقدرته علي اكتشاف بذرة الفكاهة في جوهر أي موضوع حتي لو كان مأساويا من خلال توصله إلي لب التناقض في هذا الموضوع . يأتي بعد ذلك مقدرته علي صياغة ما سبق في شكل فكاهي- هجائي حاد. فالصورة الكاريكاتورية الصاروخانية فكاهية- هجائية في حد ذاتها، قبل ان يكمل فكرتها النص الكتابي بأسفلها .
ومن هنا ، تكمن قوتها التعبيرية وتأثيرها القوي علي المتلقي الذي تصدم عيناه لجرأة الرسام ويصدم عقله لأصالة فكرته وعمقها.
بعد ذلك، فكر صاروخان في تنظيم معرض خاص برسوماته ، فجهز "95" عملا" كاريكاتوريا وعرضها في " القاعة الشعبية" الأرمنية بالقاهرة بالاشتراك مع أعمال المصور الأرمني أراكيل بادريج "62"لوحة زيتية" يوم الأحد 8 مايو 1927 . وقد نال صاروخان نجاحا مقبولا حفزه علي تنظيم معرض آخر بالإسكندرية منذ 30 أكتوبر حتي 10 نوفمبر 1927 ، وقوبل هذا المعرض الذي تألف من "140" شخصية بنجاح جماهيري أوسع مما لاقاه بالقاهرة.
وعقب هذا المعرض مباشرة، تعرف صاروخان في ورشة الزنكوغرافي بربريان علي الكاتب الصحفي محمد التابعي رئيس تحرير " مجلة روز اليوسف" الوليدة منذ 26 أكتوبر 1925 ، وعرض عليه العمل بها. وبانضمام صاروخان إلي أسرة هذه المجلة منذ أواخر عام 1927، خطا أولي خطواته علي درب الانشغال بالقضايا المصرية والتألق في سماء بلاط صاحبة الجلالة المصرية.
احتاجت روز اليوسف منذ اكتوبر 1927 رساما كاريكاتوريا يحل محل الرسام الأسباني خوان سنتيز الذي كان يرسم النكات علي غلافها الأمامي . ولكن سنتيز كان الرسام الأساي لمجلة " الكشكول" ذات التوجهات السياسية المضادة لتوجهات "روز اليوسف" الوفدية مما أزعج التابعي بشدة . ولذا سنحت الفرصة أمام صاروخان ليحل محل سنتيز.
رسم صاروخان أول صورة غلاف أمامي كاريكاتوري بروز اليوسف في عددها ال"118" الصادر يوم 3 مارس 1928 .وعبرت الصورة عن دعابة ذات مضمون اجتماعي . ولكن التابعي اقترح علي رسم الكاريكاتور السياسي. ولذا ، أخذ صاروخان في دراسة وجوه زعماء الحياة السياسية المصرية وشخصياتهم وتوجهاتهم ، حتي يتمكن من غزو عالم الكاريكاتور السياسي. وفعلا ، رسم أول كاريكاتور سياسي له علي الصفحة السابعة من العدد "123" ، كما رسم أول غلاف أمامي كاريكاتوري سياسي في العدد رقم "128" الصادر يوم الثلاثاء 22 مايو 1928 . ومنذ ذلك الحين ، أصبح غلاف المجلة يحمل دائما صورة كاريكاتورية سياسية يرسمها صاروخان باستثناء غلاف العددرقم"140" المنشور عليه صورة فوتغرافية لسعد زغلول بمناسبة مرور عام علي وفاته . ومنذ ذلك العدد"134" رسم صاروخان الغلاف الأمامي.
وفي روز اليوسف ، ارتبط معا الثالوث : فاطمة اليوسف صاحبة المجلة والتابعي رئيس تحريرها وصاروخان رسامها الكاريكاتوري الأوحد. ولذا ، عندما أغلقت الحكومة المجلة في سبتمبر 1928 ، ولمدة أربعة شهور ، عملوا سويا في المجلات البديلة التي أصدروها تحايلا علي قرار الإغلاق مثل " الرقيب" و" صدي الحق" و" الشرق الأدني" و" مصر الحرة" . وقد نشر صاروخان رسومه الكاريكاتورية اللاذعة علي صفحات المجلات الأربع ، مما حدا بالحكومة إلي مصادرة ما ينيف علي "104"ألف نسخة .
استمر صاروخان يرسم علي صفحات " روز اليوسف" فاخذ أسلوبه يتطور وينضج ، وفي عام 1932 ، نفذ بجدارة أول شخصية نمطية كاريكاتورية في مصر؛ " المصري أفندي" المعبرة عن العقل الجمعي المصري علي غرار " ماريان " الفرنسية و" جون بول " الإنجليزية و" العم سام " الأمريكية . وظهرت اول صورة كاريكاتورية للمصري أفندي علي غلاف العدد رقم "212" الصادر يوم الاثنين 7 مارس 1932 . وقد جسد "المصري أفندي" كل عاطفة مصرية ؛ فعلي لسانه خرجت الحكم والنكات والسخرية اللاذعة والانتقادات المتباينة. كما يعد من علامات"روز اليوسف" البارزة ورمزا خالدا علي المصري العادي طيب القلب.
وعندما وقع الخلاف بين فاطمة اليوسف والتابعي خلال النصف الأول من عام 1934 ، خرج التابعي من " روز اليوسف" مصطحبا معه صاروخان لإصدار مجلة "آخر ساعة". ورسم صاروخان علي صفحات هذه المجلة منذ ظهور عددها الأول في 15 يولية 1934 . وقام بدور مهم في إنجاح "آخر ساعة".ولتأكيد هذا ، يمكن رصد رسوماته ، علي سبيل المثال ، في العدد الرابع الصادر يوم الأحد 5 أغسطس 1934 . فقد رسم صورتي الغلاف الأمامي والخلفي علاوة علي "6" صور كبيرة و"45" صورة توضيحية صغيرة ملحقة بالنصوص تمهيدا لها او تعليقا عليها . وبذا ، يكونه إجمالي الصور "53" قطعة رسمها خلال أسبوع واحد.
وقد نقل صاروخان معه إلي آخر ساعة شخصية " المصري أفندي" التي كان يرسمها في " روز اليوسف" . ولكن ظلت المجلة الأخيرة ترسمها أيضا بريشة رساميها المتعاقبين.. كما وقعت سنوات اشتغال صاروخان ب" آخر ساعة" في قلب الأحداث المصرية بمختلف جوانبها . ولذا ، قدم شخصيات كاريكاتورية تناسب هذه الظروف مثل " " مخضوض باشا الفزعنجي و"إشاعة هانم".
وعندما منيت "آخر ساعة " بخسائر مادية جسيمة عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، باعها التابعي إلي "أخبار اليوم" التي أسسها الأخوان علي ومصطفي أمين منذ 11 نوفمبر 1944. ومن ثم ، انتقل صاروخان إلي "أخبار اليوم" وظهرت أول رسوماته بها علي الصفحة الثالثة في عددها الصادر يوم السبت 27 أبريل 1946 . وظل بها حتي مماته.
وإذا كان التابعي هو ملهم صاروخان في " روز اليوسف" ، فهكذا كان مصطفي أمين في "أخبار اليوم" .إذ كان يعقد معه عدة اجتماعات في الأسبوع، ويتناقشان في الأحداث المهمة التي مرت بمصر والعالم ، ثم يقررا موضوع الكاريكاتور الذي تنشره الصحيفة صباح السبت من كل أسبوع.
وبجانب عمل صاروخان الأساسي في روز اليوسف ثم آخر ساعة وأخبار اليوم ، رسم آلاف الصور الكاريكاتورية علي صفحات الدوريات المختلفة باللغة العربية : " الجديد| 1927-1928 ، "المستقبل" 1929-1931 ، " الكشكول" 1929-1933 ، " صدي الشرق" 1930، " الصرخة" 1930-1931 ، "الأتومبيل" 1929 ، "أبو الهول" 1930 ، " الوطنية"1929 ...إلخ ، بالإضافة إلي دوريات باللغة الفرنسية.
كما أصدر صاروخان بالاشتراك مع المحامي يرفانت سيمونيان جريدة "لاكارافان" ؛ أي القافلة ، الأسبوعية باللغة الفرنسية منذ 31 ديسمبر 1938. وقد استمرت هذه الجريدة السياسية الاجتماعية الساخرة- الفكاهية علي مدي أربعة أعوام ثم توقفت عن الإصدار لصعوبة الظروف الاقتصادية زمن الحرب العالمية الثانية.
وبعد انتهاء الحرب،أصدر صاروخان كتابا كاريكاتوريا أسماه " هذه الحرب"، وكتب تعليقاته باللغتين الفرنسية والإنجليزية ،  ويمثل صورة بانورامية شاملة لأهم أحداث الحرب . ويعد هذا الكتاب من كلاسيكيات فن الكاريكاتور في القرن العشرين، ورائعته الكبرى وعملة الرئيسي . ويؤكد هذا الكتاب علي موهبة صاروخان في اكتشاف بذرة الفكاهة في لب الموقف السياسي ، وقدرته علي السخرية العنيفة من خصومه السياسيين.
أما تقنيا وأسلوبيا ، فإن مجموعة هذا الكتاب تجسد " الأسلوب الصاروخاني " علي أكمل وجه .إذ أصبحت خطوطه أكثر قوة وسلاسة وبساطة. وصارت تكوينات صورة ممتلئة ومتوازنة وأكثر قدرة علي خلق مناخ خاص تتميز به كل صورة علي حده ، وتبلور جوهر أسلوبه في الحركة.
وعندما اندلعت ثورة 23 يولية 1952، تحمس لها صاروخان منذ الوهلة الأولي ، وأحدثت انقلابا في مفاهيمه الكاريكاتورية حيث تحول من أقصي المعارضة إلي أقصي التأييد. فقبل الثورة، وجه سهامه الانتقادية الساخرة العنيفة إلي أغلب زعماء الأحزاب الذين كانوا في صراع دائم فيما بينهم وكانت موضوعات رسوماته هي الصراع الحزبي والحكم الفاسد واستبداد الرجعية والاستعمار. وكان بطله الإيجابي الوحيد تقريبا هو " مصر" التي صورها علي هيئة حسناء ، ثم تطورت الفكرة إلي " الشعب المصري" مجسدا في شخصية " المصري أفندي" .أما بعد الثورة ، فأصبح صاروخان يمجدها ويدافع عن إنجازاتها من ناحية ، ويوجه سهامه الانتقادية إلي أعداء مصر وثورتها من ناحية أخري. وبذا ، تحول المسار الصاروخاني من فن الهجوم إلي فن الدفاع غالبا .
وأبدع صاروخان جميع أنواع الرسم الكاريكاتوري السياسي والاجتماعي  والتوضيحي والبورتريه حتي النكتة أو الدعابة الكاريكاتورية . ولهذا الإنجاز ، منحته اللجنة الأمريكية لرسامي الكاريكاتور المسماة " من الشعب إلي الشعب " جائزة " الرسومات الكاريكاتورية من أجل السلام" عام 1960.
وهكذا ، يعد صاروخان احد أهم رواد الجيل الأول من رسامي الكاريكاتور في مصر. وتكمن ريادته في تحويل هذا الفن بريشته من مجرد نكات وقفشات إلي سلاح سياسي يصب ولا يدمي استخدمته الصحف ضد السلطة والإنجليز والأحزاب . كما تكمن ريادته أيضا في تمصير الفن الكاريكاتوري عندما عبر عن الرأي العام المصري ومشكلاته وهمومه.
أما في النطاق الأرمني ، فقد ألف صاروخان خمس مسرحيات ساخرة فكاهية باللغة الأرمنية ، لعل أنجحها وأشهرها مسرحية " نحن لا نتحدث الأرمنية". وتنتقد الفئات التي تتجاهل تراثها القومي ، وتقلد الأجانب في كل شيء بدءا من الحديث باللغة غير القومية وانتهاء بتبني العادات الدخيلة .كما تبدي هذه الفئات ولعا ساذجا ودائما بكل ما هو أجنبي.
كما ألف صاروخان كتابين برسومات كاريكاتورية . أولهما ؛" نحن من خلال نظارتنا" يحتوي علي "200" رسم كاريكاتوري ناطق يصورون ملاحظاته وتحليلاته عن القيم وأنماط التفكير والهموم والسلبيات السائدة في محيط المجتمع الأرمني. وثانيهما ، " انظر إلي أقوالك" ، وفيه ترجم صاروخان الأقوال الأرمنية الدارجة ترجمة حرفية إلي رسومات كاريكاتورية تجلب الابتسامة والمرح.
وكذا ،أبدع الرسومات التوضيحية- الكاريكاتورية لروايتين من روائع كلاسيكيات الأدب الأرمني الساخر.أولاهما ؛ ؛ رواية " الرفيق بانتشوني" من تأليف يرفانت أوديان . تدور حول حياة أحد الاشتراكيين المزيفين الذي أرسله التنظيم التابع له من مجاهل الريف الأرمني ليدعو إلي الاشتراكية ويروج لمفاهيمهما وسط فلاحين بسطاء لا يفكون الخط ولا يستطيعون استيعاب معاني الشعارات الرنانة التي يرددها . وهناك يخلق المشاكل من حيث لا توجد ، ويثير المشاحنات ويبررها جميعا بكفاحه من أجل المبادئ الاشتراكية.
أما الرواية الثانية فهي " المتسولون الشرفاء" من تأليف هاجوب بارونيان . وتحكي قصة رجل ثري جاء من مدينة طرابيزون إلي الأستانة بغرض الزواج ، فوجد نفسه محوطا بعدد كبير من الأشخاص الذين يبغون الحصول علي أمواله منهم: الصحفي الثرثار ورجل الدين المنافق والشاعر المستجدي والمصور الفوتوغرافي المتملق والطبيب العاطل والمدرس المتجاهل والمحامي المتمسخر والممثل الفقير. واستطاع صاروخان أن يصور جميع هذه الشخصيات في لوحات بارعة.
إذن ، ازدوج صاروخان إنسانيا وثقافيا بين الأرمنية والمصرية ، فقد كان مصريا بقدر ما كان أرمنيا والعكس. والحقيقة أن سمة الازدواجية الإنسانية – الثقافية ، لم تميز الفنانين الأرمن وحدهم منذ دميرجيان حتي صاروخان ، ولكنها انسحبت تقريبا علي الهوية الإنسانية – الثقافية الأرمنية المصرية.
بيد أن هذه الظاهرة فد تبلورت بوضوح لدي مبدعي الفنون الجميلة الذين نجحوا ببراعة في إيجاد شعور توليفي تآلفي هارموني بين جبل آراراد رمز كينونة الأرمن ونهر النيل رمز ديمومة مصر وشعبها

عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى