منتديات عطا درغام
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» التحليل النفسي للجنون
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:53 من طرف عطا درغام

» محاكمة ألف ليلة وليلة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:50 من طرف عطا درغام

» فنون الحياة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» المسألة الكردية: الوهم والحقيقة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» أسود سيناء
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:48 من طرف عطا درغام

» 100 عام من الإبادة إلي السيادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:51 من طرف عطا درغام

»  يعقوب أرتين ودوره في الحياة المصرية (1842-1919)
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» مئة ..وتستمر الإبادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» القرصنة في البحر المتوسط في العصر العثماني:
السبت 12 مارس 2016 - 19:25 من طرف عطا درغام

» الأرمن في مصر في العصر العثماني
السبت 12 مارس 2016 - 19:24 من طرف عطا درغام

 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث

الأرمن المصريون والسياسة المصرية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الأرمن المصريون والسياسة المصرية

مُساهمة من طرف عطا درغام في السبت 15 نوفمبر 2014 - 10:44

12:44:15
نجح الاحتلال البريطاني في عزل الأرمن المصريين عن الاشتراك في مقاومته من خلال قنوات محايدة ، ولكنها استعمارية الأصل ، وذلك بتطبيق مفهوم "فرق تسد" ؛ إذ نجح البريطانيون في أن يظهروا للأرمن بأن مجابهتهم ليست في صالح المسيحيين عموما ، وأن الأعمال المضادة لبريطانيا في مصر إنما هي ثورات أو حروب ذات طابع ديني. وتماشت بعض الأقلام الأرمنية في مصر مع هذه الأفكار مثل الكاتب يرفانت أوديان الذي وصف الحركة الاستقلالية المصرية بأنها " حركة أصولية متطرفة ضد المسيحيين وضد الأرمن".
وقامت بعض الأقلام الخادمة للأوساط الأرمنية المستفيدة من خيرات الاحتلال بنشاط ملحوظ في عملية تحييد الجالية الأرمنية إزاء مسألة جلاء الإنجليز عن مصر. ووصف هؤلاء العملاء كفاح الشعب المصري الوطني التحرري بأنه" نشاط شديد الضرر". ولم يكن يريدون حتي مجرد الاستماع إلي إبعاد القوات البريطانية عن مصر، وفي هذا الصدد ، كتبت صحيفة لوسابير الناطقة بلسانهم المعبرة عن مصالحهم:" عن الازدهار غير العادي الذي تشهده مصر إنما يؤكد السياسة الحكيمة للإدارة البريطانية".
وبمرور الوقت ، اتسع نطاق الحركة الوطنية المصرية ضد الاحتلال البريطاني لا سيما بعد حادثة دنشواي (1906) وتأسيس الحزب الوطني رسميا في عام 1907 ، وما نجم عن ذلك اتساع دائرة الحركة الوطنية علي هيئة اجتماعات ومظاهرات ضد الاحتلال الذي شن حملة اعتقالات واسعة ضد الوطنيين . ليس هذا فحسب ، فقد استقالت نظارة مصطفي فهمي الثالثة (12 نوفمبر 1895- 11 نوفمبر 1908) ، وهو الشهير باستسلامه للسياسة الإنجليزية حتي صار أداة سهلة في يدي اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر (1883- -1907)، وحلت محلها نظارة بطرس باشا غالي (13 نوفمبر 1908- 21 فبراير 1910) باعتبارها أول نظارة في الفترة المعروفة ب" عهد الوفاق" (1908-1911).
وشهدت هذه النظارة الوفاقية بين مراكز القوي مرحلة من أهم مراحل الحركة الوطنية ضد الاحتلال ، فقد اتسمت بتعدد الجماعات الوطنية وتشعب ميادين ممارساتها . ومنذ البداية  رفض العديد من هذه الجماعات قبول النظارة البطرسية الجديدة. وجدير بالذكر أن هذه السياسة الرفضية قد تأرجحت بين الانتماء الديني والولاء الوطني.
ويمكن تسمية الفترة التي عاشتها النظارة البطرسية بسنوات المواجهة بين ما مثله من تحالف السلطة وبين الحركة الوطنية المتزايدة . وفي هذه المواجهة ، استخدم الطرفان ما لديهما من وسائل ضغط . فبالنسبة  للنظارة ، أعادت إحياء قوانين القمع في 25 مارس 1909 لا سيما قانون المطبوعات الذي يقيد حرية الصحافة بشدة. ثم وضعت النظارة قانون النفي الإداري الذي وضع في أيدي السلطة الإدارية حق نفي  الأشخاص الذين تري أنهم خطرون علي الأمن العام إلي جهة نائية بالقطر المصري، واختتمت النظارة حياتها السياسية بالدخول مع شركة قناة السويس في مفاوضات لمد أجل امتيازها "40" سنة أخري  (1968-2008) في نظير أربعة ملايين جنيه ونصيب سنوي من الأرباح مما يعطي شرعية للوجود البريطاني في مصر. ولكن الجمعية العمومية رفضت هذا المشروع تحت ضغط الحركة الوطنية وتلقي الاحتلال أول هزيمة حقيقية.
وبالنسبة لممثلي الحركة الوطنية ، فقد استحدثوا أساليب ضغط جديدة غير معهودة قبل ذاك في ميدان العمل السياسي المصري مثل التظاهر أو المعارضة داخل المؤسسات شبه النيابية لا سيما " مجلس شوري القوانين"، وفي هذا المناخ المشحون  والمشدود ، اغتال إبراهيم ناصف الورداني – من شباب الحزب الوطني المتطرفين- رئيس النظار بطرس غالي في 21 فبراير 1910 . وبهذه الجريمة ، تحولت سياسة المواجهة بين الحركة الوطنية والسلطة التي شهدتها مرحلة الوفاق إلي سياسة القمع التي بدت جلية في خطة نظارة محمد سعيد باشا الأولي (23 فبراير 1910-5 أبريل 1914) التي أعقبتها النظارة البطرسية.
في ظل هذه التطورات ، لم يقف أرمن مصر علي الحياد فقط إزاء تصاعد الحركة الوطنية المصرية ، بل دافعت الصفوة الأرمنية – المستفيدة من خيرات رأس المال الأوربي- بحماس بالغ عن الوجود الاحتلالي لان وجودها يرتكز عليه واستمرارها مرهون به. وقامت الصحافة والأقلام الخادمة لهم بتشويه كفاح الشعب المصري الاستقلالي في عيون الأرمن بتقديم وقائعه بشكل يخدم المصالح البريطانية . كتب ليفون مجرديتشيان المنظر للصفوة الأرمنية في مصر ما يلي :" للأسف  دخل هذه البلاد ميكروب السياسة الذي يهدد بشل نشاطنا التنموي السلمي ". وسخر من الشعب المصري ( المسلم) الذي اعتبر الورداني بطلا شعبيا وجريمته عملا وطنيا . وعلق علي مسار الحركة الوطنية بقوله:" عن الشعب المصري بدأ في طريق ثورة مضلل خاطئ عظيم الخطر".
وفي منظور الصفوة الأرمنية ، كانت مصر تحت الرعاية البريطانية تنمو وتزدهر وتتمتع بحقوق فردية وسياسية كثيرة جدا أكثر حتي من سويسرا السعيدة. ويرون أن الشعب المصري قبل الاحتلال كان يختنق رويدا رويدا . فالفلاح ، علي سبيل المثال ، الذي كان يخدم باعتباره قنا ، بدأ يتحول بعد الاحتلال إلي مالك ، بيد أن كل هذه المزايا قد تهددت منذ أن أخذ مصطفي كامل " الغوغائي" الماهر، المحروم، من الحنكة السياسية ، في إثارة الجماهير المسلمة ضد الإنجليز ، كما يري هؤلاء أيضا أن مصر لا زالت بعيدة عن حكم ذاتها بذاتها.
وهكذا يلاحظ أن الاحتلال البريطاني  لم ينجح فقط في تحييد أرمن مصر نحو الحركة الوطنية مستغلا  وضعيتهم وقضيتهم ، بل واستقطب منهم زمرة تسوغ لوجوده وتروج مشروعاته المتباينة .أكثر من هذا ، سعي الاحتلال إلي استخدام الأرمن مخلب قط ضد القضية الوطنية المصرية التي بلغت ذروتها في الانفجارات الشعبية 1919.وإبانها ، دخلت العلاقات الثلاثية المصرية البريطانية الأرمنية في منعطف جد خطير.
عندما اندلعت الثورة المصرية في 9 مارس 1919 تطالب بإلغاء الحماية البريطانية واستقلال مصر تحت شعار "مصر للمصريين" كانت نفسية الأرمن مزيجا من عقد مركبة متشابكة . فقد تكونت آنذاك عقدة أرمنية ضد الإسلام والمسلمين ، نجمت عن الأحداث الدموية التي أصابتهم علي أيدي السلطات العثمانية من ناحية ، وتصوير الاحتلال البريطاني للحركة الوطنية المصرية بأنها معادية للمسيحية عموما من ناحية أخري.
ليس هذا فحسب ، ففي أثناء فعاليات مؤتمر الصلح بباريس وشيوع أخبار اقتراب حل القضية الأرمنية- وهو ما لم يحدث- تنامت في العقل الجمعي الأرمني فكرة تلوح بانتصارهم علي المسلمين. وقد ران هذا الاعتقاد علي المزاج الأرمني العام في مصر، وهو ما أكده المطران توركوم كوشاجيان في تقريره عن أحداث ثورة 1919 قائلا:" .... إن الموقف المكفهر للمسلمين إزاء بوادر نجاح القضية الأرمنية يثير هواجس كثيرا منا ، ولكننا لا نستطيع سوي دعوة شعبنا إلي السكوت والحيطة".
كما اعتقد الأرمن وقتذاك أن المصريين(المسلمين) امتداد طبيعي للأتراك ، ولذا ، سوف يناصرونهم علي الأرمن. ويؤكد هذا ما أورده الاتحاد القومي الأرمني في تقريره عن قتلي الأرمن في أحداث ثورة 1919 :"... هل يجب علينا أيضا ان نتحدث عن الطريقة الوحشية التي هوجم بها وقتل معظم الضحايا ؟.إن الأحداث التي وقعت إنما تعبر بإخلاص عن التقاليد الأصيلة للأتراك والأكراد..."
في إطار هذه النفسية ، وتحت سيطرة تلك المعتقدات، تخوف الأرمن بشدة إثر قيام الثورة المصرية التي ربما تمسهم بالأذى علي غرار الثورة التركية . وبات الأرمن متوجسين خيفة من تطورات أحداثها وتحولها إلي حلقة في سلسلة من الاضطهاد العثماني ( الإسلامي) ضد الأرمن. ويمكن رصد وضعية الأرمن أثناء مظاهرات 1919 علي موجتين : الأولي إبان مظاهرات مارس ، والثانية خلال مظاهرات أبريل .
بالنسبة لموجة مظاهرات مارس 1919، وردت أول إشارة تتعلق بالأرمن في جريدة "وادي النيل" بعد أقل من أسبوع علي نشوب الثورة:" ومن الحوادث التي تدعو للأسف أن بعض رعاع اليهود والأرمن أطلقوا النار علي بعض الوطنيين فأصيب  رجال منهم بالعاصمة". ولم يقتصر إطلاق النيران آنذاك علي "رعاع اليهود والأرمن فقط ، بل امتدت إلي اليونانيين أيضا . ففي مظاهرات 17 مارس أطلق يوناني النار علي طالب كان يحمل علما فأرداه قتيلا. وقد تزامن إطلاق النار مع اقتحام العوام المصريين صفوف المظاهرات السلمية وتحويل مسارها إلي النهب والسلب والاعتداء علي الغرباء.
وهكذا ، يلاحظ أن ظاهرة فتح النار علي المتظاهرين المصريين لم تكن حبيسة في رعاع الجالية الأرمنية فقط، بل امتدت إلي رعاع اليهود واليونانيين . وربما كان مبعثها الدفاع عن النفس ضد اعتداءات العامة أو بغرض تخويفهم بعد أن زادت أعدادهم وتوسعت نشاطاتهم التخريبية والإجرامية.
وحتئذ ، لم تسبب هذه الإرهاصات العدائية بين الرعاع من الطرفين في اضطهاد عنصر بعينه، بل شملت الاعتداءات كافة العناصر الأجنبية . وبخصوص الأرمن ، يؤكد المطران توركوم في تقريره بأنه" حتي ذلك الوقت لم يلحظ في هذه الحركة أية تحركات ضد الأرمن".
ولكن منذ 20 مارس – وطبقا لتقرير المطران- ظهرت فجأة أخبار ومقالات مثيرة في الجرائد المحلية ( المنبر والأخبار والأفكار) تفيد بأن المتظاهرين عندما كانوا يمرون أمام مطرانية الأرمن ( بين السورين) واجهوا مقاومة مسلحة وردوا عن طريقهم بالإضافة إلي إطلاق النيران علي الغوغاء من بعض المنازل الأرمنية وأقاويل مغرضة من هذا القبيل". وبسرعة ، رفعت المطرانية شكواها إلي وزارة الداخلية ضد هذه الجرائد .. وفعلا ، قررت الرقابة "اتخاذ الوسائل اللازمة حتي لا تنشر بعد الآن مقالات في الصحافة المحلية تكون ذات طبيعة مثيرة للمشاعر ضد الأرمن في مصر".
ولم يترتب علي هذه الأخبار وتلك المقالات ضد الأرمن أي ردود فعل جماعية عنيفة ضدهم في الشارع المصري بالعاصمة أو الثغر. ولكن الأقلية الأرمنية الضئيلة بأسيوط تعرضت ضمن من تعرضوا للسلب والنهب في أواخر مارس:" .. وقد وردت الأنباء بأن مدينة أسيوط أصيبت بخسارة كبيرة بسبب أعمال النهب. ووقع الاختيار بصفة خاصة علي حوانيت الأقباط والأرمن...".
................................................................
وهكذا ، يلاحظ أن وضعية أرمن مصر إبان مظاهرات مارس 1919 قد اتسمت بالارتياب من جراء تطورات الأحداث. وقد وقعت خلالها بعض المناوشات الفردية بين رعاع الأرمن والمصريين ، ولكنها لم تقد إلي ردود عنيفة . وحتي ذلك الحين ، لم نلمس أي دور للاحتلال في تأجيج الفتنة بين الأرمن والمصريين.
أما بالنسبة لموجة مظاهرات أبريل 1919 ، فقد بدأت في 3 أبريل بحادثة إطلاق أرمني يمي أرتين أبكاريان " رعية عثماني حماية إنجليزية" النار علي المتظاهرين في ميدان عابدين  بالقاهرة . وتتفق جميع المصادر التي عالجت ثورة 1919 علي هذه الحادثة. ويصفها احمد شفيق بقوله:" وحدث أن أقيمت مظاهرة كبري في ميدان عابدين ثم سارت حتي وصلت إلي شارع  محمد علي. وبينما كانت في الميدان المذكور أطلق الأرمني الرصاص علي المتجمهرين من أحد المنازل فقتل واحدا منهم. فغضب الناس وأخذتهم الحمية وأرادوا الانتقام من هذا الأرمني نزيل البلاد التي لا ناقة له في الأمر ولا جمل ويعتدي علي الناس بإطلاق الرصاص عليهم، وهم يعبرون عن مكنون ضمائرهم ، فحملوا علي الدار التي أطلق منها الرصاص وأحرقوها انتقاما من هذا الفضولي، ولكن الجنود أطلقوا الرصاص علي المتظاهرين فقتلوا منهم تسعة وجرحوا كثيرين..
ورغم فردية هذه الحادثة وخلفية دوافعها العثمانية- الإنجليزية الواضحة ، إلا انها كانت بمثابة الشرارة الأولي لتأزم العلاقات بين المصريين والأرمن وقتئذ ودخولها في منعطف جد خطير . وطبيعيا ، بدأت أحداث العنف ضد الأرمن منذئذ في دائرة عابدين التي وقعت فيها الحادثة . ولذا ، التمس في اليوم التالي مباشرة بعض الأرمن قاطني عابدين من مطرانية الأرمن الأرثوذكس أن تطلب من السلطات العليا حمايتهم من همجية واشتطاط العنصر العربي ( المصريين).
كما خلقت هذه الحادثة تحديدا ، مناخا ملائما لترويج الإشاعات ضد الأرمن ومناخا أفضل لقبولها. ففي أثناء المظاهرات ، بينما كان الجنود الإنجليز يطلقون النيران علي المتظاهرين، كانت بعض العناصر تمرر إشاعات في لحظة إثارة مثالية ، مفادها أن الجنود الذين يطلقون النيران علي المتظاهرين بينهم مرتزقة من الأرمن المصريين جندتهم السلطات البريطانية لقتل المصريين . وقد انتشرت هذه الشائعات التي وصفها الاتحاد القومي الأرمني بالأسطورة الأكذوبة- بسرعة ملفتة للنظر بين كافة فئات الشعب المصري المتهيج :" .. لم يكن هناك مصري واحد غير مقتنع بالجريمة المزعومة التي ارتكبها الأرمن. فقد بني كل شخص تصوره ورأيه في هذه الإحداث بناء علي ما سمعه من شخص آخر أو معلومات نقلت إليه من مصادر غير رسمية وسرعان ما أدان الرأي العام وبدون دليل ملموس ورسمي الأرمن الموجودين في مصر".
في إطار هذا المناخ المشبع  بالتوترات والمحفوف بالمخاطرات والمجازفات  والملبد بغيوم الإشاعات  اندفعت الجموع الغاضبة ، وأكثرها من العوام، تهاجم الأرمن وممتلكاتهم بشراسة وضراوة في العاصمة والثغر وبعض الأقاليم . ففي القاهرة ، تلاحقت الأحداث بصورة خطيرة وتتضاعفت  حدة هجمات العوام علي الأرمن بعد أقل من خمسة أيام علي حادثة عابدين . خرجت أحداث العنف من نطاق عابدين إلي معظم أحياء القاهرة المأهولة بالأرمن . وشهد يوما 8-9 أبريل أعنف مواجهات العنف ضد الأرمن وأكبر قدر من خسائرهم ( 18 قتيلا و19 جريحا ). ويصف المطران توركوم كوشاجيان هذه الأحداث في تقريره قائلا :" .. إن ولع عدد لا حدود له من السوقة العاديين والمتطرفين والثائرين بدون أي معني، لم يكن ممكنا أن يبقي في وضع سلام . فها هي أحداث العنف المتوقعة قد بدأت في 8 أبريل . فتأسيسا علي اتهام كاذب تماما أن الأرمن فتحوا النيران علي الجموع ، وهاجم الغوغاء منازل الأرمن ومحلاتهم ونهبوا محتوياتها وجرحوا الأرمن في الشوارع ببشاعة تحت ضربات الشوم...".
ويؤكد أحمد شفيق توصيف المطران بقوله :" .. فوقعت علي الطريق وفي وسط الميادين مظاهر تقشعر منها الأبدان وتطير ها الأفئدة، ولم تغن نصائح الناصحين ولا إرشادات المرشدين عن غضب الشعب فتيلا ..." . كما زادت الصحافة المعاصرة من مصداقية هذا التوصيف :"... وكان الاعتداء الذي قام به الرعاع المسلحون بالسكاكين والمدي والبلط معظمه موجها ضد السكان م ن الأرمن...".
وقتئذاك ، تسربت سريعا أخبار حوادث"العنف ضد الأرمن" وأسبابها إلي الإسكندرية مما أدي إلي اضطرابات شديدة واعتداءات خطيرة ضدهم هناك.
ولكن ، هذه الاضطرابات وتلك الاعتداءات الجماعية ضد أرمن الإسكندرية لم تستمر طويلا ولم تكن بضراوة أحداث القاهرة. سرعان ما تحولت الهجمات الجماعية علي الأرمن إلي هجمات فردية ، ثم توقفت الاعتداءات الفردية ، ونشر البعض ".. إعلانا صغيرا في الشوارع يدعو فيه الجمهور الوطني إلي مقاطعة الأرمن مع عدم الاعتداء علي أحد منهم...".

عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأرمن المصريون والسياسة المصرية

مُساهمة من طرف عطا درغام في السبت 15 نوفمبر 2014 - 10:45

ورغم أن العنف ضد أرمن الإسكندرية كان أقصر عمرا وأقل خطرا وخسارة عن القاهرة، إلا أن أكثر من "600" أرمني قد لجأوا في 17 أبريل 1919 للاحتماء بكنيسة بوغوس بدروس الأرمنية في شارع أبي الدرداء خوفا من تطورات الموقف.
ولكن بعد حوالي أسبوع ، وعندما تأكدوا من استتباب الأمن ، عادوا إلي ديارهم ومحالهم.
وبخلاف الإسكندرية ، ترامت أخبار العنف ضد الأرمن إلي الأقاليم ، ولكنها لم تولد أصداء عنيفة ضد الأرمن هناك . ففي شبرا البلد ، انزعج الأرمن بشدة  من جراء حوادث القاهرة . ولكن المصريين " بادروا إليهم وأنزلوهم في منازلهم وطيبوا خواطرهم وأفهموهم أنهم يعيشون عيشهم ويحيون حياتهم ". وفي الجيزة ، طبقا لرواية الأهرام:" جاءنا شاب أرمني من الجيزة ، فقص علينا انه كان يعمل هو ورفاقه الأرمن مع إخوانهم المصريين ، فلما أشيع ما أشيع أخذوهم إلي منازلهم ليكونوا مرتاحين مطمئنين".
ونبتعد عن المناطق المجاورة للقاهرة لمتابعة صدي الأحداث في الوجهين البحري والقبلي. ففي طنطا ، وزعت" بعض العناصر.. وريقات صغيرة يتهم فيها ناشروها  إخواننا الأرمن سوء النية ". وقد انبرت جريدة ا" الممتاز" الصادرة هناك في دحض هذا الاتهام واصفة إياه بأنه ظن فاسد ، ووصفت الأرمن بأنهم قوم هادئون ، لا تهمهم السياسة في أي شيء لأنهم ليسوا طلاب وظائف. وجل رغباتهم الحصول علي قوتهم،.. وما رأيناهم يوما ما تداخلوا في شئون المصريين ولا شذوا عنا في شيء خصوصا وأنهم قوم عقلاء يعرفون من أنفسهم أقليتها رغما عن أنهم ضيوف في بلادنا. والضيف عادة يقف عند حد الأدب" .
وفي الفيوم ، لم يتعرض الأرمن إلي أية اعتداءات من رعاع المدينة ، ولم يصابوا بأي أذي في الأرواح والأموال بفضل حماية فريق من المصريين لهم خاصة "أحمد بك فنحي عين أعيان المدينة الذي آوانا في بيته".
وهكذا، يلاحظ أن أخبار حوادث العنف ضد الأرمن التي انتشرت بالقاهرة خلال يومي 8-9 أبريل 1919 قد انتقلت من العاصمة إلي الثغر فالأقاليم . ولكن بينما بلغت ذروتها في القاهرة ، وتأرجحت صعودها وهبوطها في الإسكندرية، وتلاشت أصداؤها العنيفة في الأقاليم. إذن ، اتخذ العنف منحني بدا عاليا في القاهرة وانخفض تدريجيا بالابتعاد عنها. ولما كانت القاهرة تمثل بؤرة الأحداث ومحورها ، فنترك الثغر والأقاليم عائدين إلي قلب الميدان.
أحدثت وقائع يومي8-9أبريل هلعا شديدا في نفوس الأرمن وطوفت بمخيلتهم ذكريات الدولة العثمانية الدموية الأليمة. ولذا ، لجأ كثير منهم إلي أفنية مطرانيتي الأرمن الأرثوذكس والكاثوليك ومدرستي كالوسديان الأهلية وطاشجيان الخاصة. كما ان سكان المنزل الواحد من المستأجرين الأوربيين أو المصريين أو السوريين بداوا يرغمون الأرمن علي ترك منازلهم خوفا من هجمات العوام. ولهذا ، اكتظت بهم الأماكن الآنفة عن آخرها . أما الأرمن المقتدرون ماديا ، فقد انتقلوا إلي الفنادق الكبري أو إلي منازل مأمونة في الأحياء الأوربية أو رحلوا إلي مدينة مصر الجديدة المنشأة حديثا آنئذ.
بلغ إجمالي الخسائر الأرمنية البشرية "60" قتيلا ، منهم "20" شخصا تعرف عليهم ذووهم وأقاربهم ، أما ال"40" الباقون، فلم تعرف هويتهم حيث كانوا من الأيتام . كما بلغ عدد الجرحي"25" فردا تلقوا إصابات بالغة وخطيرة وعاهات مستديمة . ناهيك عن الذين تعرضوا للإهانات والسباب والمعاملة المشينة. أما الخسائر المادية ، فطبقا لإحصائيات الاتحاد القومي ، تعرض أكثر من "550" منزل ومحل تجاري مملوكين للأرمن إلي السلب والنهب والتحطيم وسرقة مقتنياتها الثمينة والسندات والجواهر والنقود والأثاث.
وبدراسة ظروف وملابسات مقتل "20"أرمنيا تحري عنهم الاتحاد القومي الأرمني ، يمكن الوقوف علي جملة ملاحظات :
أولا : تركزت معظم حالات القتلي والجرحي طبعا ، في منطقة عابدين – مهد الفوران- وباب اللوق وشوارع محمد علي وعبد العزيز والموسكي وكلوت بك والظاهر.
ثانيا : تراوحت أعمار القتلي بين 20-35 سنة (10 حالات) و40-50 سنة (7) حالات ، والثلاث الباقيات غير معروفة العمر.
ثالثا: جميع القتلي والجرحي أيضا ، من الذكور دون الإناث.
رابعا : كان معظم القتلي من الحرفيين البسطاء أو صغار الموظفين : بائع الأحذية، إسكافي ، بائع كتب، فران، بقال، لبان، موظف بالمدرسة الأرمنية..إلخ.
خامسا : اشتركت عناصر من الشرطة المصرية في بعض الأحياء الشعبية مع الجموع المتظاهرة في مطاردة العائلات الأرمنية. وكانت تقتل بضربات السونكي الأرمن الذين كانوا يحاولون فقط إنقاذ زيجاتهم وبنيهم.
سادسا : بينما كان قطاع من المتظاهرين المستثارين يضطهدون  الأرمن ، ففي المقابل ، كان ثمة فريق آخر من المصريين يدافعون عنهم وينقذونهم ويحمونهم ويحثوهم علي الابتعاد عن بؤرة الأحداث لاسيما من جيران القتلي والجرحي.
سابعا: ثمة ملاحظة جد مهمة كشف عنها شهود العيان المصريين للاتحاد الأرمني مؤداها أن عمليات الهجوم علي الأرمن لم تكن عشوائية، بل اتسمت بالتنظيم المحكم. فقد أعدت كشوفات بأسماء الأرمن وأرقام المساكن التي يقطنونها استعدادا للانقضاض عليهم.
وإذا افترضنا جدلا أن هجوم المتظاهرين كان يستهدف بعض الأرمن عملاء الإنجليز ، فماذا تعني هذه الترتيبات؟ ومن وراء كواليسها ؟ ولمصلحة من ؟ ولعل هذا  يقودنا إلي محاولة تفسير هذا التحول المفاجيء والغريب في العلاقات المصرية- الأرمنية.
بداية أعرب الرأي العام عن دهشته لهذا التحول ، وهو ما عبرت عنه الأهرام بقولها :" لا ندري في الحقيقة ولم نر أحدا يدري تماما كيف تأصلت أسباب النفور وكيف انتشر تأثيرها بسرعة البرق بين الشعب. وإنما نري أن أقل خطأ يرتكب في مثل هذا الوقت الذي تجلت فيه العواطف الوطنية بأجلي مظاهرها يكون قابلا للتجسم بهذه السرعة.."
أما الجانب الأرمني، فيطرح الاتحاد القومي تفسيرا معقولا لتطورات الموقف :" لم تكن هناك أي أسباب تدعو إلي الكراهية أو الحقد بين الأرمن والمصريين حتي وقعت فجأة أحداث العنف ضد الأرمن أثناء مظاهرات الحركة الوطنية . جاءت هذه الأحداث سريعة وغريبة وتدعو إلي الدهشة والألم. ففي البداية ، اعتقدنا ان أسباب تلك الموجة الغريبة ترجع إلي مناهضتنا للدولة العثمانية التي نحن في صراع معها علي الحرية والأرض والمذابح.. ثم أرجعنا إلي غيرة بعض العناصر ذات الصلة بالأتراك عندما انتشرت أنباء قرب استقلال الأمة الأرمنية المنكوبة.ولكن هذا السبب أيضا لم يكن كافيا لتفسير هذا التحول الغريب في العلاقات المصرية الأرمنية".
ويواصل الاتحاد عرض تفسيره قائلا :" .. ولكننا لم نتأخر في معرفة السبب الحقيقي والوحيد والتفسير الصحيح لما حدث . ففي الواقع ، لم تكن إحساسا بالغيرة، بل كانت مؤامرة دبرها وخططها أعداؤنا الأتراك لبث روح الكراهية في قلوب المصريين تجاه الأرمن.. واتضح لنا أن تلك العناصر عميلة لحساب حزب الأتراك الشباب الذين تسللوا بين المتظاهرين لنفخ روح الحقد وتحريض الجموع ضد الأرمن الخونة ناكري الجميل .. ولم تكن ثمة وسيلة أسهل وفعالة مثل اتهام الأرمن بالتآمر مع الاحتلال البريطاني لترسيخ فكرة أن الأرمن  نكروا  الجميل ونسوا ان المصريين قد فتحوا لهم بيوتهم وأبواب الرزق بعد أن جاءوا محطمين إثر المذابح ... إن مثل هذه الحملة الخطيرة من الوقيعة والخديعة لم تحدث أبدا بهذا الشكل المتقن، بل إنها لم تنجح أبدا بمثل هذا النجاح الذي لم يتكلف كثيرا ، ولم يستلزم الكثير من الوقت والجهد لاختلاف الوقائع  التي تبرزها  وإقناع الناس بها ...".
وهكذا ، يمكن تركيب صورة الوقائع علي النحو التالي : أراد عملاء تركيا  الانتقام من أرمن مصر لأنهم يتبنون آنذاك الدفاع عن القضية الأرمنية ضد الدولة العثمانية في مؤتمر الصلح بباريس. ولذا اندسوا بين صفوف المتظاهرين مستغلين حادثة 3 أبريل الفردية بعابدين ، واوشوا لدي المتظاهرين المتهيجين- في لحظة انفعالية حرجة- بان الأرمن عملاء الإنجليز " الخونة ناكري الجميل" يطلقون النيران عليهم. فما كان من الجماهير المثارة إلا أن زادت حدة القطاعات المحرومة والمكبوتة والمقهوره في ظل توجيه الاحتلال لموارد البلاد صوب المجهود الحربي خلال الحرب العالمية الأولي.
وقد تمخض عن هذا ، تكدس آلاف الأرمن المرتجفين- من تكرار المذبحة العثمانية- في ساحات الكنائس والمدارس والشوارع المحيطة بهم. وبناء علي إلحاح الراعي الأول لأرمن مصر، وضعت الأماكن الآنفة تحت حراسة السلطات العسكرية البريطانية.
ومنذئذ، بدأت السلطات الاحتلالية في استثمار واغتنام هذه الفرصة السهلة التي دبرها عملاء تركيا الفتاة ونفذها المتظاهرون المتهورون.
اكتفت السلطات العسكرية في البداية بوضع تجمعات الأرمن تحت حراستها. ولكن ذلك زاد من إثارة المتظاهرين وفوراناتهم مما عمق الفزع في نفوس الأرمن. كما أدي تكديسهم بكثرة في أماكن ضيقة إلي انتشار الأوبئة بينهم. ولهذا ، قامت السلطات العسكرية بناء علي توصية الإدارة الصحية وطلب المطران بنقل الأرمن اللاجئين  في 17 أبريل 1919 إلي مخيم أمام معسكر الجيش الإنجليزي بالعباسية.
وفي 20 أبريل تم نقلهم إلي مخيم آخر أعد خصيصا لهم في ساحة سباق الخيل بمصر الجديدة ( المريلاند).
وبذلك تأسس " المخيم البريطاني للأرمن اللاجئين بمصر الجديدة" الذي تكون من "491" خيمة وبلغ تعداده"3730" نسمة في 29 أبريل 1919 .
وكان معظم الأرمن الذين عزلتهم السلطات البريطانية بعيدا عن معترك المظاهرات مؤلفين من الفقراء وساكني الأحياء المنعزلة وقاطني قلب الأحداث خاصة حي الظاهر ووسط المدينة الذين تعرضوا لاعتداءات عنيفة بنسبة كبيرة.
وقد أثني أحمد شفيق علي هذه الخطوة البريطانية بقوله :" ولقد كانت نيران هذه الفتنة تشتعل فتلتهم ماحولها لولا أن أخذت السلطة العسكرية هذه الفئة تحت حمايتها أوت أفرادها في القلعة وفي معسكرات مصر الجديدة تحت حراستها ". ولكن كانت هذه الحماية صورية فقط . إذ وقع العبء الأكبر علي مطرانية الأرمن الأرثوذكس والاتحاد القومي الأرمني والاتحاد الخيري الأرمني العام والصليب الأحمر الأرمني.
وبنقل الأرمن المضطهدين إلي مخيم مصر الجديدة تحت الحماية الصورية لقوات الاحتلال نجحت بريطانيا في قلب المائدة وتقديم صورة بدون تعليق أمام المؤتمرين بباريس، وراح الساسة البريطانيون يستشهدون بأحداث العنف الدموية ضد الأرمن ليقنعوا العالم بان يوم استقلال مصر لم يحن بعد.
ويتضح مما سبق ان أحداث العنف ضد الأرمن خلال أبريل 1919 لم تكن مؤامرة بريطانية مدبرة بإحكام ، ولكنها لقمة سائغة قدمها المتظاهرون المندفعون تحت تأثير الوشاية التركية إلي سلطات الاحتلال التي أحسنت استغلالها وتوظيفها ضد القضية المصرية.
 وبخلاف التوظيف البريطاني ، أبرقت وكالات الأنباء العالمية إلي جميع الأنحاء أخبار المخيم الأرمني الناجم عن اعتداءات المصريين بوحشية وغير المنطقية . وبذاك فسرها الرأي العام الأوربي- الأمريكي بأنها موجة من الاعتداءات التي تعبر عما في نفوس المصريين من كراهية كاملة للأجانب . كما وصف المصريين بأنهم أناس يريدون أن ينالوا استقلالهم علي أشلاء أمة أخري نجت بقاياها بصعوبة شديدة من وحشية الأتراك والأكراد.
وإزاء هذه الصورة التي كونها الرأي العام عن المصريين ، أبرق الوطنيون المصريون رسالة إلي مؤتمر الصلح بخصوص الأرمن جاء فيها :" إن المصريين جميعا قد تم تجريدهم من السلاح . فمن العجب والشيء الذي لا يمكن تفسيره هو أن الأرمن كانوا يستحوذون علي أسلحة.. ومن السهل التخيل إثارة مشاعر المتظاهرين ضد الأرمن عندما يكونوا مسلحين ضدهم. وجدير بالذكر أن استخدام الأرمن للأسلحة كان يتزامن مع حضور القوات البريطانية برشاشاتهم إلي أماكن المظاهرات لكبح جماحها. وعندما وقعت أحداث القتل . لذا ، وجب أحقية الدفاع عن النفس، وربما خلط المتظاهرون الثائرون بين الجاني الحقيقي والمظلوم. ولكن ثمة شيء واضح ، خلاصته أن سلوك المتظاهرين نبع من رد فعل لأن الشعب المصري لا يكن أبدا أية عداوات للأرمن....".
ومهما يكن من أمر، فقد أدرك الرأي العام المصري حجم الخطأ الذي ارتكبه المتظاهرون المتعصبون ضد الأرمن ونتائجه السيئة علي القضية المصرية. ومن ثم، بدأت محاولات بلسمة الجروح الأرمنية ورأب الصدع منذ اليوم التالي لأحداث العنف؛أي منذ 10أبريل وحتي نقل الأرمن اللاجئين من أفنية الكنائس والمدارس إلي مخيم مصر الجديدة في 20أبريل.
في الابتداء، ثمة محاولات قام بها بعض المصريين لتطييب خواطر الأرمن وتهدئة نفوسهم والاعتذار لهم ودعوة العوام والمتعصبين إلي عدم التعريض بهم من خلال نداءات علي صفحات الجرائد. من هذه المحاولات علي سبيل المثال: رسالة بعنوان " من أخ حر إلي أخوة أحرار" لمحمد عبد الفتاح أبي الذهب من علماء الأزهر. ورسالة ثانية من شفيق يونان السنباوي بعنوان " رسالة المصريين إلي الأرمن". وثالثة لأحمد حلمي " ألا فاطمئنوا" ورابعة إلي " إخواننا الأرمن" من عبد الرءوف عبد المتعال الطالب بمدرسة المعلمين العليا الذي أنهي رسالته قائلا:".. والسلام علي كل أرمني يشرب من ماء النيل من كل مصري قاطن في وادي النيل إلي يوم القيامة".
وبجانب الأفراد، بذلت محاولات جماعية من شرائح متباينة لكبح جماح العامة ضد الأرمن . ففي 10 أبريل 1919 " اهتم الغيورون علي سمعة البلاد ببذل المساعي السريعة في توقيف الحوادث التي حدثت... بين بعض الأرمن وبعض الغوغاء" . ولذا ، طافوا علي القهوات والمحال العمومية والأندية لنصح الناس بمنع هذه الحوادث والتوسط بقدر ما يمكن في حسمها ومنع الغوغاء من إتيان أي عمل عدائي ضد أحد من الأجانب لتطهير سمعة مصر مما عسي ان يلصق بها من التهم إزاء هذه الحوادث".
وفي 12 أبريل 1919 أرسل طلبة المدارس العالية والخصوصية والابتدائية في جميع أنحاء القاهرة ينادون:" أيها المواطنون كل من يعتدي علي أرمني أو رومي أو أي أجنبي آخر لا يكون وطنيا ولو كان مصريا . إن من يفعل ذلك هو باليقين متشرد أو لص نهاب. فالواجب عليكم كلما رأيتم شخصا من هذا القبيل أن تسرعوا وتعتقلوه وتسلموه إلي أقرب نقطة من نقط البوليس". وثمة نداء إلي طلبة المدارس الثانوية  بالإسكندرية :" نناشدكم بحق حبكم لمصر وحق حبكم لبسط الحرية والسلام علي ربوع النيل .. وأن تبذلوا كل ما عندكم من القوة الأدبية خطابة وحثا ونصحا بعدم التعرض للأرمن حتي نبرهن علي كرم أخلاق المصري".
وفي 13 أبريل ، ذهب وفد من المحامين والأطباء والتجار إلي كنيسة الأرمن الأرثوذكس بالإسكندرية لتصفية النفوس بين الأرمن والمصريين . وتمخض اللقاء عن نداء إلي ( المصريين إخواننا في الوطنية " نص علي :" مصر تناديكم بما لها عليكم من الحقوق المقدسة أن تفهموا إخوانكم في الوطنية بكل وسيلة أن الشعب الأرمني الممثل في رجال الدين وكبار التجار والمحاماة والدكاترة أكد أن ما وقع بالقاهرة وإسكندرية يتبرأ منه هذا الشعب، لذا ، نرجو منكم.. أن تبادروا بإفهام الجمهور هذه الحقيقة وتنبثوا بين طبقات الشعب في المساجد والكنائس والطرق والمحلات العمومية لتقنعوهم بان أكبر جريمة توجه إلي مصر العزيزة هي الاعتداء علي النزلاء فتسوء سمعة البلاد ويتحرج موقف زعمائكم في الخارج الذي يجب ألا يشغلهم شيئا غير خدمة الوطن وألا يصلهم منكم إلا أنباء التشجيع والثبات ".
أكثر من هذا ، وجه أئمة المساجد نداء في خطبة يوم الجمعة 18 أبريل 1919 إلي المتظاهرين المتعنتين يدعونهم إلي المحافظة علي العلاقة الودية القديمة التي تربطنا مع النزلاء جميعا. لا فرق بين أرمني ويوناني وإسرائيلي، لأنهم جميعا ضيوفنا . وقد أوصتنا شريعتنا المحمدية بإكرام الضيف والإحسان إليه". وأكد الأئمة الخطباء إلي جمهور المصلين بأن هذا أيضا في مصلحة مصر وقضيتها.
وأيضا ،أصدر نادي الاتحاد السكندري الرياضي برئاسة محمد شاهين أفندي القرار التالي :" بما أن لإخواننا الأرمن ناد رياضي بالثغر وتجمعنا بهم رابطة رياضية ، وجب علينا أن نقوم بواجب الرابطة وواجبنا الرياضي لخدمة مصر وتمسكنا بالمبدأ ( كرماء لضيوفنا ) ، فعلي كل عضو بالنادي حض الجمهور علي منع التجمهر بالمرة والنصح لهم بالتزام السكينة التامة وتعريفهم أن ما حصل واتهم به الأرمن ما هو إلا سوء تفاهم فردي محض".
وفي المقابل، علي الجانب الأرمني ، أحدثت وقائع8-9 أبريل ردودا سريعة في الدوائر الأرمنية الرسمية . ففي اليوم التالي مباشرة ، أصدر الأب آفيديس شاغويان وكيل مطرانية الأرمن الأرثوذكس بالقاهرة بيانا أكد فيه ( براءة الأرمن)، وقد نص هذا البيان علي ما يلي:" وصل إلينا أن حوادث يؤسف لها عزاها الرأي العام إلي الأرمن فأحزننا ذلك جدا. بل إن دهشتنا كانت فوق ذلك كثيرا من الأرمن الذين تمتعوا في كل وقت بأوسع وأكرم الضيافة في مصر ولا يمكنهم أن يخالج صدورهم إلا عرفان الجميل والمحبة الصادقة للمصريين- يقدمون علي ارتكاب أفعال لا تكون إلا أعظم نكران للفضل والمعروف. فجميع الأرمن في القطر المصري يأملون ان تكون الإشاعة غير صحيحة. وهم في كل حالة يعلنون أنهم ينكرون معرفة كل أرمني مجرم يرتكب مثل هذا المنكر ويتبرأون منه. ويجهرون بأعلى أصواتهم أنهم لا يزالون وسيظلون إلي الأبد الأصدقاء المخلصين للمصريين يعترفون لهم بالجميل والفضل ويتمنون لهم من صميم أفئدتهم النجاح والتوفيق في أمانيهم الحقة المشروعة".
كما أصدر المطران كوزيان مطران الأرمن الكاثوليك في اليوم التالي لأحداث العنف هذا المنشور:" أشاع بعضهم أن نفرا من الأرمن اعتدوا علي المتظاهرين. وبالتحري ثبت أنه لم يقع اعتداء مطلقا من أفراد طائفتنا علي أحد. وقد أعلنت مرارا باسم الطائفة علي صفحات الجرائد ميلنا ومحبتنا للشعب المصري الكريم واشتراكنا وتضامننا معه في كل ما يسره وفي كل ما يسيئه. والآن أدعو كل فرد من أفراد طائفتنا ليس فقط أن يحترم عواطف هذه الأمة الكريمة..بل أن يبتهل معي إلي المولي سبحانه وتعالي أن يحقق أماني مصر القومية ، وان يؤيدها بروح منه وأن يكتب لها السعادة والخير والهناء أبد الآبدين والداهرين".
وردا علي المحاولات المصرية خلال العشر الأواسط من إبريل لإزالة ما أطلق وقتذاك "سوء التفاهم" ، زار وفد أرمني برئاسة وكيل المطران الأزهر بصحبة وفد يهودي ، حيث استقبلهم جمهور كبير من المشايخ والقساوسة والطلبة، وقد تصافحت الوفود بعد أن ألقيت بينهم الخطب الودادية الداعية إلي الائتلاف والمحبة. واعتقاد الجميع بان مصالحهم تتوقف علي مؤاخاة المصريين".
ووزع كبار الأرمن منشورا أعلنوا فيه براءتهم مما يعزي إلي رعاع الأرمن المأجورين لأصحاب الغايات الدنيئة وأنهم يعطفون علي مطالب المصريين. كما نشر المطران الأرثوذكسي منشورا آخر يتبرأ فيه من كل أرمني ارتكب أو يرتكب منكرا في هذه الديار ويعترف للمصريين بالجميل والفضل.
وفي هذا السبيل أيضا ، زار وفد أرمني بالإسكندرية مكنا من رجال الدين وأعيان الجالية الشيخ عبد المجيد اللبان- أحد علماء مشيخة الإسكندرية- ومعه باقة من العلماء والمحامين والأعيان المصريين مسلمين وأقباط. وخلال هذه المقابلة أوضح الوفد الأرمني " ما للأمة المصرية من حسن ضيافة الأرمن وما لهم من العطف علي الأماني القومية. وأكد أن سوء التفاهم الذي وقع ليس إلا من تدبير أهل السوء وذوي الأغراض الذين لا يحبون المصريين ولا ضيوفهم". ورد الشيخ اللبان مؤكدا أن المصريين " لا يضمرون سوءا لأحد ولا يبدأون أحدا بالأذى، وأن فيهم من التسامح وإكرام النزيل ما يشهد به الناس جميعا". ثم أوصي بعضهم بعضا بان يفهموا عامة المصريين والأرمن حقيقة ما كان ويوصونهم ألا يطيعوا " دعاة السوء الذين يعملون لتسويء سمعة الأمة وضيوفها ".
بيد أن محاولات فض سوء التفاهم لم تسفر عن تحول العامة من الاعتداءات الدامية ضد الأرمن إلي الاكتفاء بالسلب والنهب. ولذا ، في ظل هذا المناخ القلق ، آثر الأرمن منذ 20 أبريل 1919 الإيواء إلي المخيم البريطاني والاحتماء به. وغدا هذا المخيم دليلا بريطانيا أمام العالمين علي عدم أهلية المصريين في الحصول علي استقلالهم. كما أضحي في الوقت ذاته نقطة مريرة في حلق الوفد المصري بباريس.
ومن ثم، بات علي الدوائر الوطنية والسياسية المصرية تسوية هذه الأزمة لصالح القضية المصرية، وهو ما سعت إليه هذه الدوائر خلال العشر الأواخر  من أبريل 1919.
رأت لجنة الوفد المركزية أن من المصلحة عدم اتساع هذا الحزن والعمل علي مداواة هذا الجرح بالحسني . وقد أوكلت هذه المهمة إلي إبراهيم بك الهلباوي المحامي والدكتور محجوب بك ثابت والأستاذ توفيق دوس باشا. واشترك معهم لفيف من رجال الحزب الوطني ومشايخ ومحامون وأطباء. وبذا ، تشكل فريق الوفد المصري للتفاوض مع الأرمن.
التقي الوفد المصري  مع الاتحاد القومي الأرمني بصفته المسئول الرسمي عن قضية أحداث الثورة لإنهاء سوء التفاهم بسرعة. رد الاتحاد:" ليس لدي الشعب الأرمني أية دوافع للحقد والكراهية تجاه الشعب المصري، بل إن وجود الأرمن في مصر بصفتهم ضيوفا لا يعطيهم حق التدخل في القضية المصرية والاهتمام بالشئون السياسية والداخلية للبلاد. ومن الأجدر ان يبكي الأرمن أولا علي أحوالهم ومأساتهم، وعليهم أن ينشغلوا بانتشال وطنهم من الدمار الذي لحق به علي أيدي الأتراك وليس الاندماج في السياسة المصرية واختلاق او حتي إشعال قضية أرمنية- مصرية".
وتبادل الجانبان المصري والأرمني المقابلات لاستئصال سوء التفاهم من جذوره. وقد أراد الوفد المصري الوصول بالمفاوضات إلي نتيجة وسطية استرضائية توفيقية مؤداها أن بعض الأرمن قد اشتركوا فعلا مع الإنجليز في إطلاق النار. ولكن المصريين أخطأوا خطأ فادحا بتعميم مشاعر الغضب علي جميع الأرمن".
وبناء علي افتراض الوفد المصري قبول الاتحاد الأرمني لهذه النتيجة ، فقد طالب بالآتي :
أولا : إعادة جميع الأرمن المحتمين بالمخيم البريطاني بمصر الجديدة إلي ديارهم ومحالهم.
ثانيا : التقاط الصور التذكارية التي تجمع بين الجانبين وإرسالها إلي جميع الصحف وكالات الأنباء العالمية لتكذيب الاحتلال الذي اتهم المصريين بالعنصرية وحمي كراهية الأجانب.
ثالثا: انضمام الأرمن إلي صفوف المصريين لمطالبة بجلاء الإنجليز عن مصر
رابعا : المطالبة مع المصريين بإسناد مهمة حفظ الأمن والنظام إلي الشرطة المصرية بمشاركة قوة من الشرطة الدولية يوافق عليها الشعب المصري. وفي المقابل ، يضمن الأعيان المصريون امن أرواح الأرمن وممتلكاتهم بوضع  أبنائهم رهائن في أيدي الأرمن.
أوقعت هذه المطالب الاتحاد القومي  الأرمني في مأزق جد حرج بين المصريين الذين يعيشون بين ظهرانييهم وسلطات الاحتلال التي نجحت في تطويق أعناق الأرمن ب"جميل " أحالهم أسري له. بيد أن الاتحاد القومي قد انهي حيرته برفض المطالب السابقة والاشتراك في الدعاية ضد الإنجليز الذين يعيشون تحت حمايتهم
وهكذا ، فشلت جميع الجهود المصرية الساعية إلي إعادة أرمن المخيم الأرمني بمصر الجديدة إلي ديارهم خاصة وأنه قد مرت فترة وجيزة جدا  علي الأحداث العنيفة ضدهم التي ولدت فيهم خوفا سيكوباتيا ومشاعر مرتابة بعمق إزاء المصرين . وقرر الاتحاد القومي بان مسئولية إبقاء أو إنهاء المخيم في أيدي السلطات البريطانية .
وبحلول مايو 1919 ، عندما لاحت في الأفق إشارات استتباب السلام وإيقاف الإضرابات والمظاهرات، افتتح بعض الأرمن – خارج المخيم- متاجرهم تدريجيا ، وخف الفزع بينهم نسبيا ، ولكن أسبابه لم تجتث من نفوسهم تماما.
وبدأ الاتحاد القومي الأرمني منذ 7 مايو في مفاوضة السلطات العسكرية البريطانية لإعادة أرمن المخيم إلي منازلهم.
وفي 12 مايو ، غادر المخيم "250) أرمني إلي ديارهم ، وحل محلهم "204" كانوا محتمين بكنيسة الأرمن الأرثوذكس. وبذا ، صار تعداد المخيم "3676" نسمة من الجنسين ومختلف الأعمار. وفي 20 مايو أصدرت السلطات البريطانية أوامرها إلي إدارة المخيم لإخلائه. وفعلا ، بدأ اللاجئون منذ اليوم التالي مباشرة في العودة إلي بيوتهم بواقع من "100-150" نسمة يوميا حتي بلغ تعداد المخيم "1867 " نسمة في أول يولية 1919 . 

عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأرمن المصريون والسياسة المصرية

مُساهمة من طرف عطا درغام في السبت 15 نوفمبر 2014 - 10:45

وخلال أكتوبر 1919 ، سرحت السلطات البريطانية  والاتحاد الأرمني القادرين علي العمل من سكان المخيم بعد منحهم ما يساعدهم علي ابتداء الطريق من جديد . أما غير القادرين ، وجلهم من الأطفال اليتامى العجزة والمسنين ، فقد وضعوا من جديد تحت رعاية المطرانية والاتحاد الخيري الأرمني الأم.
هذا ، وقد عوضت الحكومة المصرية الأرمن عما لحق بهم من خسائر خلال أحداث الثورة ، حيث أرسلت وزارة المالية إلي الاتحاد القومي الدفعة الأولي من التعويضات عبارة عن "30"ألف جنيها لتوزيعها علي المتضررين. وعلقت الأهرام بقولها :" وهذا المبلغ هو الجزء القليل مما قدر لهم في التعويض. ولربما استغرق ما قدر للأرمن وحدهم خمسي المال الذي عينته الحكومة". وهو ما يعكس حجم الأضرار التي أصابت الأرمن.
وهكذا ، انفض مخيم الأرمن اللاجئين بمصر الجديدة بعد أن حقق أغراضه البريطانية . بعد أن تصيدت بريطانيا ما حدث للأرمن وسممتها بالفتنة الطائفية وقدمتها علي مؤتمر الصلح بباريس ضد الوفد المصري.
وتمخضت أحداث أبريل 1919 وآثارها عن تدشين مناخ مرتاب قلق بين الأرمن والمصريين عبر عنه المطران كوشاجيان في تقريره قائلا:" .. ولكن مهما فعلنا فإن هذه الحوادث قد أثرت تأثيرا كبيرا علي وضع الأرمن وسمعتهم... وأحدثت انشقاقا غير مرغوب فيه بيننا وبين أصدقائنا المصريين منذ عصور طويلة ". كما زادت هذه الأحداث من التقارب الأرمني نحو الاحتلال ورغبتهم في بقائه:" وليس لدينا شك في أن الحكمة بن تنقص المصريين في انتظار تنميتهم الحقيقية ورفاهيتهم علي أيدي الحماية البريطانية العادلة".
ومن المفارقات ، أن أحداث العنف ضد الأرمن في ثورة 1919 لم تؤد إلي هجرة جماعية أرمنية ارتدادية إلي أوطانهم أو أية بلاد أخري، بل علي النقيض، شهدت الفترات التالية مباشرة للثورة نزوح موجات أرمنية إلي مصر من قيليقية .
ولئن أحدثت وقائع ثورة 1919 تقاربا أرمنيا بريطانيا ، إلا أنها في ذات الوقت من زاوية أخري ، قد أوضحت لأرمن مصر ضرورة التقارب مع المصريين ن وهو ما بدا جليا في اشتراكهم ، ضمن قطاعات الشعب المصري في استقبال زعيم الأمة سعد زغلول عند عودته إلي مصر يوم 5 أبريل 1921 . فقد زار وفد أرمني برئاسة المطران توركوم كوشاجيان منزل الزعيم وأعرب له عن شكر الجالية الأرمنية " لحسن الضيافة التي يقابلون بها في مصر المباركة التي يرجو لها العظمة والتقدم". ورد الزعيم شاكرا الجالية الأرمنية علي ما أظهرته من العواطف.
وذهب سعد زغلول علي رأس وفد من الوطنيين إلي كنيسة الأرمن الأرثوذكس لتطييب خواطرهم من جراء حوادث أبريل 1919 وتقديم العزاء الرسمي في قتلاهم، ثم كرر  سعد الزيارة إلي المطرانية في 9 أبريل 1922 و29 سبتمبر 1923 لامتصاص الخوف من نفوس الأرمن.
ورغم جهود سعد لتهدئة خواطر الأرمن وتظاهر الأخيرين بالتفاعل مع المصريين إلا أن نفوسهم ظلت ملبدة بغيوم الارتياب والتوجس. كما ظلت هناك بعض العناصر داخل المجتمع المصري التي سعت إلي تصوير الأرمن في مظهر المعادين لقضية البلاد واستقرارها. ولعل هذا يتأكد بوضوح عندما اتهمت هذه العناصر الأرمن بمحاولة اغتيال زعيم الأمة.
تعرض سعد زغلول إبان وزارته الشعبية (28 يناير-24 نوفمبر 1924) إلي محاولة اغتيال في 12 يولية 1924 علي أيدي طالب الطب المصري بجامعة برلين عبد اللطيف عبد الخالق. ورغم القبض علي الجاني ، انتهز بعض دعاة السوء فرصة وقوع هذا الحادث فجعل يملأ الأندية شائعة بان الجاني الأثيم أرمني. وأشاع الوشاة بان الجاني الأرمني أراد الإساءة إلي قضية مصرن وصاحب هذه الشائعة تيار متطرف مواز لها يري في الأرمن عدو لدود. كما كان التيار يرمي إلي بلبلة الجالية الأرمنية والزج بها في هاوية المخاوف والقلاقل.
وعندما علم سعد زغلول بان محاولة الاغتيال التي تعرض لها قد تم تلفيقها للأرمن، أصدر أوامره بسرعة إلي وزير داخليته بالإنابة توفيق نسيم لطمأنة الجماهير الغاضبة وكبح جماحها إزاء الأرمن ونفي شائعة الجاني الأرمني. ولولا ما بذلته حكمدارية القاهرة من الجهد لإفهام الجمهور الحقيقة ساعة غليانه لحادث أسوأ الأثر في الأذهان وأدي إلي عواقب ذات بال ما كان أحوجنا إليها في هذه اللحظة.
وأرسل مطران الأرمن في مصر توركوم كوشاجيان رسالة إلي سعد زغلول أوضح فيها براءة جاليته من هذا الحادث الفظيع. ورد سعد:" إنني متأثر جدا بخطابكم لما أبديتموه من دهشة وغضب للحادث الذي تعرضت له. ولأنني أود أن أعبر عن امتناني الشديد لأرمن مصر علي تضامنهم معي ". وقد قرأ رؤساء  الجالية هذا الرد الصلوات من أجل الشفاء العاجل لزعيم الأمة.
واتفق الرأي العام آنذاك علي أن  محاولة اغتيال سعد واتهام الأرمن بهذه المحاولة تعدان جريمتين خطيرتين. وجدير بالذكر أن هاتين الجريمتين قد أحدثتا ردود استنكار واستنفار في مختلف الدوائر السياسية والشعبية والإعلامية .
في الابتداء ، وصف مكرم عبيد – حواري سعد – هاتين الجريمتين في حفلة مجلس الشيوخ والنواب بكازينو سان إستيفانو بقوله :" .. هل يمكن أن  تكون هذه الجريمة إلا من عمل فرد أو أفراد كل الحقد  كل الحقد صدورهم ونبش الجسد قبورهم، أرادوا ان يتخلصوا من سعد.. فوجهوا إلي صدر أبي الشعب ، وهو بين أحضان الشعب رصاصة لم يكد يطلقها الجاني حتي أذاعوا في طول البلاد وعرضها أن القاتل أرمني . ولم يكن غرضهم إلا إذكاء نار الثورة ليرقصوا علي لهيبها .. وهدم معالم النهضة  ليقيموا قصورهم علي أنقاضها ...".
أيضا  استهجنت عامة الشعب جريمتي الاعتداء والاتهام ، فقد نشرت جريدة " الأفكار" مقالا لمواطن مصري اسمه حسين محمد تحت عنوان " الدسيسة الدنيئة " جاء فيه ما يلي :" لقد شاءت الأقدار أن تحمي مصر من شر تلك الدسيسة الدنيئة التي كان قد دسها وقت وقوع الحادث المؤلم من تطربهم الدسائس..أن مرتكب الجريمة الشنعاء أرمني. وكيف يدور بخلد مصري أن الجاني من الأرمن الذين اتخذوا مصر وطنا ثانيا وأصبحوا لطول مقامهم بها ولعدد مصالحهم فيها ونماء ثروتهم بين ربوعها شركاء المصريين في السراء والضراء" . كما ذكر بان الأرمن حريصون أن يعتبرهم المصريون إخوانا لهم.. فكيف يكون منهم من تحدثه نفسه بإحداث اكبر الشرور".
وكذا ، أعربت الصحافة المعاصرة عن استيائها إزاء الجريمتين فتساءلت جريدة "وادي النيل " عن ".. منشأ تلك الإشاعة الغريبة التي طارت إلي جنبات القطر بسرعة البرق حاملة إلي الأذهان صورة غير صحيحة عن جنسية الجاني... فما هو السبب فيما ذاع وشاع وملأ الأسماع من مطلق النار أرمني . حتي اضطر ولاة الأمور لتدارك الحالة بإصدار بلاغ رسمي ينفي هذه الإشاعة الباطلة ويدفع ما عسي أن تؤدي إليه من العواقب الوخيمة".
وحمدت جريدة " الوطن" الله أن وقي الكنانة شر اعتداء المجرم الأثيم من الإضرار بحياة الزعيم، ووقاها في ذات الآونة شر مصيبة أخري كاد مجرم آخر أن يرتكبها فلا يقل ضررها عن الأولي، وهي الإذاعة بين العامة أن المعتدي هو أرمني، ولو طال الوقت ولم تكذب الإشاعة حالا ... لساءت العاقبة واستفحل الشر". ولفتت الجريدة أنظار الشعب إلي أن يكون أكثر حكمة وتبصرا في مواقفه الفجائية العصيبة. ولا يتأثر بالإشاعات السيئة التي يروجها "أصحاب الغايات السيئة وذوو المآرب الفاسدة".
أما الأرمن، فقد استنكروا بشدة ارتكاب هذا الحادث، فنشرت جريدة " المحروسة" رسالة من آرتين آفيديسيان – الموظف بقلم التوزيع في بوسطة مصر- عنونها ب" استنكار الأرمن" جاء فيها :" .. ما انتشر حبر هذه الحادثة الفظيعة حتي استنكرها الجميع وتألمت معها قلوب المصريين بين مسلم وقبطي ورومي وأرمني..إلخ. لكن هناك صوتا عدائيا أراد التفريق.. ليعطي العدو حقا وهميا ليتدخل في شئوننا. ذاك الصوت الخبيث أعلن أن القاتل أرمني. وسرعان ما انتشر الخبر فغضبت الأمة من الأرمن، ولها الحق في ذلك، لكنني أقول ماذا جناه سعد علي الأرمن حتي يقصد أحد منهم أذاه؟ وماذا يجني الأرمن من أذي سعد؟ والأرمني المصري يعرف قبل سواه أن لا حياة له إلا بسعد. فهذه مصر كانت ولم تزل تتألم من حكم الأجنبي وما نالت استقلالها إلا بفضل جهاده. وذاك المهاجر الأرمني ما اتخذ هذه البلاد موطنا إلا لثقته بكرم أبناء هذه البلاد وحسن ضيافتهم للغريب.. فارحموا هذه الطائفة البائسة ولا تتهموها بما هي منه براء".
وأخيرا ، أعلن وزير الداخلية توفيق نسيم في 3 أغسطس 1924 أن الأرمن رجال عمل واجتهاد وسلام، وقد قدموا خدمات كثيرة لمصر. وأعرب عن أمله بان يواصلوا هذه الخدمات مستقبلا في جو خال من تكرار سوء التفاهم.
ورغم تسريحات نسيم وبراءة الأرمن من تهمة محاولة اغتيال الزعيم ، إلا أن هذه الحادثة قد عمقت مخاوفهم لقاء التطورات السياسية المصرية. ولذا ، اتسمت العلاقات الأرمنية- المصرية بالتوتر خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. ومن ثم بات علي مثقفي الأرمن والمصريين العمل علي اقتلاع هذه المخاوف او تخفيفها علي الأقل.
فعلي الجانب الأرمني، شرع فريق منهم في تأسيس " الاتحاد القومي للأرمن المصريين" عقب حوادث ثورة 1919 بهدف توثيق الروابط بين الأرمن والمصريين. وقد جاء في حيثيات تأسيسه:" .. فقد تعلمنا من هذه الويلات أن أخلاقنا لم تتأثر من حالة الاستعباد التي تحملناها طوال القرون الغابرة مثلما أصيبت في المدة الأخيرة الوجيزة في الاستغلال السياسي الذي أسأنا فهمه..إننا نعلم علم اليقين، بل متأكدون فعلا بان الويلات التي حلت بالطائفة الأرمنية لم تكن إلا نتيجة لسوء تقديرها والجهل بالمصالح الحقيقية التي تربطها بالأقطار التي تقطن بها. ومن رأينا بأنه لو قامت كل جالية من الجاليات الأرمنية بما تفرضه عليه مصلحة القطر الذي تنتمي إليه وتقيم فيه لكان ذلك مما يساعد في تقوية حياتها القومية".
كما جاء في هذه الحيثيات أيضا :" وفي اعتقادنا أن تآلف الثقافة الأرمنية والمصرية لا بد وان يؤدي حتما إلي روح المدنية الحديثة . فنحن الأرمن المصريين الوطنيين مهما اختلفت الطائفة أو الملة المنتمين إليها لسنا ضيوفا في هذه الديار ، بل نحن أولادها المتبنون فيها. نحن الأرمن المصريين نصرخ بأعلى أصواتنا بأن لا نزاع سياسي لنا ضد أي حكومة كانت وعلاقتنا بالأرمن القاطنين بالخارج لا يمكن أن تتعدي دائرة الأمور الدينية والثقافية والأدبية المحض".
أما علي الجانب المصري، فقد أسس أحمد السيد أبو السعود- رئيس تحرير جريدة الشعوب- مؤسسة لنشر " الدعاية لمصر والأرمن" . وأصدر كتيبه الغول مخاطبا فيه المثقفين وطارحا عليهم جملة أفكار تقدمية تحت شعار" الحب والوفاء والإخلاص بين مصر والأرمن، وهو خير دعاية لتثبيت علاقة الصداقة بين الشعبين الصديقين منذ القدم- المصري والأرمني". وتدور أفكار هذا الكتيب حول الموضوعات الرئيسية التالية:
أولا : توطيد العلاقات الأخوية الحميمة بين الأرمن والمصريين التي يرجع تاريخها إلي قرون خالية.
ثانيا : شجب الاضطهادات الممقوتة التي تعرض لها الأرمن.
ثالثا: محو التعصبين الجنسي والديني بين الطرفين وإشاعة الأثرة بينهما.
رابعا : دعوة الأرمن إلي تعلم اللغة العربية- لغة المصريين – حتي يزداد التفاهم بينهما.
خامسا : تأسيس جمعية صداقة أرمنية مصرية تعمل علي إفهام كل طرف للآخر وتدعيم الصلات الثقافية والاقتصادية بينهما.
وهكذا ، نجح نسيا هذا التيار الخافت إبان الأربعينيات في تخفيف وطأة المناخ الأرمني الملبد والمشبع بالتوجسات والارتجافات من تداعيات السياسة المصرية وعواقبها. والتزم الأرمن الصمت الرهيب والرؤية المترقبة الحذرة والمغمورة بطوفان مكبل من القلق نحو تقلبات الواقع السياسي المصري. وتأرجح ميولهم السياسي بين التأييد البريطاني والتعاطف الوطني. وإن غلبت الكفة البريطانية الأقوى والأنفع حتي نشوب ثورة يولية 1952.
وبقيام هذه الثورة، تحول التوجه السياسي الأرمني من أقصي اليسار إلي أقصي اليمين في إطار سياسة ركوب الموجة مع الاقوي والأنفع. ومن ثم ، استبدلت سياسة التعاطف بأخرى مؤازرة بشدة. وإن كانت رسمية للعهد الجديد وما انبثق عنه من آثار وثمار. ففي أعقاب الثورة مباشرة أصدر – مامبريه سيرونيان مطران الأرمن الأرثوذكس في مصر بيانا أيد فيه حركة التحرير المباركة وتمني نجاحها  في كافة الميادين لخير البشرية ولخدمة الحرية والمساواة ولخير العروبة .
كما سارع الأرمن بتأييد النظام الجمهوري في مصر عندما أعلنه مجلس قيادة الثورة في 18 يونية 1953 . وقد وصفه المطران الأرمني بأنه من أطيب ثمار العهد السعيد الذي ستنعم به البلاد وتبلغ ذري المجد.
وعندما وقع العدوان الثلاثي علي مصر في عام 1956 ، شجب المطران بالأصالة عن جاليته هذا الاعتداء الغاشم. وتزعم حملة تبرعات بين الأرمن لتخفيف معاناة منكوبي بورسعيد. وتبرع عدد غير قليل من الأرمن بدمائهم للجنود المصريين المصابين ردا لجميل شعب مصر الذي آوي الأرمن بين أحضانه بعد هروبهم من مختلف البلاد الخاضعة للسيطرة التركية، فوجدوا مصر خير ملجأ والمصريين خير إخوة.
وكذا، سارع الأرمن بتأييد اتحاد مصر وسورية (1958-1961) فيما عرف بالجمهورية العربية المتحدة :" بالأصالة عن طائفة الأرمن الأرثوذكس أشيد بالوحدة المقدسة بين الشعبين المصري والسوري راجيا أن يكون مولد الدولة العربية المتحدة فاتحة خير للشعوب العربية كلها، وأن نري جميع الدول العربية ، وقد صارت دولة واحدة قوية متماسكة تعمل لخدمة السلام ومبادئ الحياد الإيجابي".
وبينما كان أرمن مصر يجتهدون علي قدم وساق في إبداء ولائهم للنظام السياسي الجديد ، تلقوا ضربة قاصمة في عام 1961 من بعض الأرمن السوريين المنتمين إلي حزب الطاشناق.
في أبريل 1961 ، أعلنت السلطات الحكومية عن وجود أربعة من الأرمن السوريين ضمن شبكة الجاسوسية العاملة ضد الجمهورية العربية المتحدة. وقد قلبت هذه الحادثة وضعية أرمن مصر رأسا علي عقب لأنها أدخلتهم في دائرة الشبهات السوداء، ووضعتهم تحت المنظار. عندئذ ، سارع المطران سيرونيان بتوضيح موقف أرمن مصر للرئيس جمال عبد الناصر عبر سلسلة من الخطابات والبرقيات :" اطلعت بمزيد من الحزن والأسف علي ما نشر في الجرائد بشأن المؤامرات الدنيئة التي دبرها بعض الأرمن غير المسئولين المنتمين إلي حزب الطاشناق بالإقليم الشمالي وعن اتهامهم بأعمال الجاسوسية والتخريب. غن الشعب الأرمني يتبرأ من هؤلاء المجرمين الخائنين الذين كفروا بوطنهم وجحدوا فضله ويعتبرهم سبة وعارا، ويستنكر بشدة مؤامراتهم وجرائمهم الفظيعة.كما يرجو أن ينال هؤلاء المجرمون أقسي العقاب جزاء وفاقا علي ما أجرموه في حق هذا الوطن الكريم الذي أعزهم وأكرمهم . وبهذه المناسبة نري من واجبنا أن نؤكد لسيادة الرئيس ولاء الأرمن وإخلاصهم للجمهورية وشعبها العظيم وحبهم وتقديرهم لشخصكم الكريم".
وفي 5 مايو 1961 ، وجه المطران سيرونيان بيانا عاما إلي السلطات الحكومية يتبرأ فيه من الخائنين السفلة النذلة، وبرأ شعبه بمصر من ارتكاب مثل هذه الجرائم.
وفي 6 مايو ، ناشد المطران المشرف العام للاتحاد القومي الذي يمثل الرأي العام بألا " يؤثر مثل هذا الحادث الفردي في تقدير بعض المواطنين لطائفتنا التي اندمجت في هذا الشعب وأصبحت جزءا منه. ورجاه بان يؤكد هذا المعني في نفوس المواطنين المصريين خاصة والعرب كافة ".
كما زار وفد أرمني برئاسة المطران ديوان رئاسة الجمهورية بالقبة في 13 مايو 1961 لتوجيه الاعتذار الرسمي. وبهذه المناسبة سجلوا كلمة في دفتر الزيارات نصت علي ما يلي: "بمناسبة  ما جاء في الصحف من اتهام أربعة أشخاص من الأرمن المتمتعين بجنسية الجمهورية العربية المتحدة ضمن المتهمين في قضية التجسس- نعلن استنكارنا واحتقارنا خاصة لهؤلاء الأربعة الذين ينتمون إلي طائفتنا ، بل نعلن تبرؤنا منهم، لان طائفتنا لا تعترف إلا بكل من يدين بالولاء والحب والإخلاص لهذا البلد الكريم الأمين، الذي أظلنا منذ مئات السنين، فأصبح وطننا الأول نعيش له ونموت في سبيله ، نسالم من يسالمه ونعادي من يعادي...".
وقد رد الرئيس عبد الناصر من المنشية بالإسكندرية علي الوفد الأرمني:" تلقيت البرقية التي بعثتم بها باسمكم وباسم السادة أفراد الطائفة الأرمنية والتي استنكرتم فيها ما قام به بعض الأرمن من أعمال ضد الوطن. وغنني أشكر لكم هذه المشاعر وأبعث إليكم وإلي الجميع بأطيب التمنيات".
ورغم استنكار الجالية الأرمنية المصرية لحادثة الجاسوسية وقبول ناصر رسميا له ، إلا انها قد أقحمت أرمن مصر في دائرة الشبهات ووضعتهم علي صفيح ساخن في مهب الأعاصير السياسية. ولذا ، تعد هذه الحادثة بالفعل آخر العلاقات السياسية الفارقة في وجود الأرمن بمصر، إذ عمقت لديهم فكرة الخروج منها إلي الوطن الام قليلا أو مهاجر أخري كثيرا ، يدعم ذلك من الخلف قوانين التأميم الاشتراكية التي  تزامنت تقريبا مع هذه الحادثة . ولا غرو أن توالت بعد ذاك طلبات العديد من الأرمن الراغبين في مغادرة مصر علي المطرانية يطببون مساعدتها في تحقيق رغباتهم ماديا وإداريا.

عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى