منتديات عطا درغام
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» التحليل النفسي للجنون
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:53 من طرف عطا درغام

» محاكمة ألف ليلة وليلة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:50 من طرف عطا درغام

» فنون الحياة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» المسألة الكردية: الوهم والحقيقة
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:49 من طرف عطا درغام

» أسود سيناء
الجمعة 19 مايو 2017 - 19:48 من طرف عطا درغام

» 100 عام من الإبادة إلي السيادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:51 من طرف عطا درغام

»  يعقوب أرتين ودوره في الحياة المصرية (1842-1919)
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» مئة ..وتستمر الإبادة
السبت 12 مارس 2016 - 19:26 من طرف عطا درغام

» القرصنة في البحر المتوسط في العصر العثماني:
السبت 12 مارس 2016 - 19:25 من طرف عطا درغام

» الأرمن في مصر في العصر العثماني
السبت 12 مارس 2016 - 19:24 من طرف عطا درغام

 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث

الأرمن المصريون وأرمينية السوفيتية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الأرمن المصريون وأرمينية السوفيتية

مُساهمة من طرف عطا درغام في السبت 15 نوفمبر 2014 - 10:40

تمحورت النشاطات السياسية الأرمنية في المهجر المصري حول قطبين متضادين منذ انضمام أرمينية إلي الكتلة البلشفية في 29 نوفمبر 1920 . أحدهما ينتمي إلي حزب الطاشناق والآخر ينتمي إلي حزب الرامجافار الليبرالي . أما حزب الهنشاك ، فقد كان ضعيفا مفككا توهنه الصراعات الداخلية . ولذا ، لم يقم بدور واضح في مصر باستثناء بعض ردود الأفعال السلبية والإيجابية نحو بعض الأحداث
..................................................
وبمجرد وقوع أرمينية في الدوائر البلشفية ، اقتنع حزب الرامجافار- والهنشاك  نسبيا – بان مستقبل أرمينية مرهون بنجاح ثورة أكتوبر (1917) الاشتراكية وانتصارها ، أما حزب الطاشناق المطرود من الحكم في أرمينية ، فقد أنكر وجود أرمينية السوفيتية وأخذ ينتقد بشدة الاتحاد السوفيتي ذاته. ولذا ، مال الطاشناق ، بل تزلف، إلي الرأسمالية العالمية ضد الاشتراكية السوفيتية .
بالنسبة لحزب الرامجافار الليبرالي ، فقد أقر بان أرمينية السوفيتية هي أرمينية المستقبل وتخص كل الأرمن. ويعد انضمامها إلي الاتحاد السوفيتي  بمثابة إنقاذ الأرمن الباقين وحمايتهم من المصير الذي لاقاه الأرمن العثمانيون. واجتهدت صحافة هذا الحزب ( ومنها جريدة أريف في مصر) في إقناع أرمن المهجر بان الميل نحو الروس هو الخيار الأفضل والمنطقي انطلاقا من المصالح الأرمنية العليا
ورغم أن النظام السوفيتي كان لا يتواءم إطلاقا مع الخط السياسي لحزب الرامجافار ومبادئ الطبقة البورجوازية التابعة له، فقد ذكرت جريدة أريف أن حزبنا ضد الشيوعية ، ولكنه يري أن أمن وسلامة أرمينية متوقف علي السياسة الحالية ولذا ، ينتهج الحزب سياسة عدم المواجهة مع السوفييت حيث إن أمن ورفاهية وسلام أرمينية هم الأهم".أكثر من هذا ، ناشد الرامجافار أرمن المهجر بألا يقترفوا نشاطات عدائية ضد السوفيت، بل علي العكس ، مؤازرتهم وتشجيع أرمينية السوفيتية.
أما بالنسبة لحزب الطاشناق ، فيكمن عداؤه للحكم الشيوعي السوفيتي في حقيقة  أن الحزب الشيوعي الأرمني بالتعاون مع القوات البلشفية الحمراء ، قد أسقطوا الجمهورية الأرمنية ذات الأغلبية الطاشناقية .ولذا ، فسر حزب الطاشناق وصحافته ( ومنها جريدة هوسابير في مصر) الوجود البلشفي في أرمينية بأنه"امتداد للتوسع الروسي العالمي " مع أن حزب الطاشناق ذاته يعد حزبا اشتراكيا. ولهذا السبب، لا توجد محاولة واحدة غاب عنها الطاشناق من المحاولات الرامية إلي الإيقاع بالسوفيت.
زد أيضا ، أن الطاشناق قد اجتهد لقطع علاقات أرمن المهجر مع أرمينية السوفيتية لحساب الرأسمالية ومصالحها ونجح الحزب في إلحاق الأذى بحملات التبرع لصالح إعادة بناء الوطن الأم والمحاولات الساعية إلي إعادة توطين الأرمن الأيتام في أرمينية السوفيتية وغير ذلك من مشروعات تخص النظام الحاكم هناك.
فيما يتعلق بمسألة التبرع لإعادة بناء أرمينية قدم أرمن المهجر أياد العون لهذا الغرض . ففي مصر، تشكلت لجنة بين عامي 1924-1925 باسم "لجنة أرمينية لإعادة بنائها " نجحت في جمع مبلغ "2400" جنيه مصريا  كما تبرع ميلكونيان ب"3000" جنيه إلي جامعة يريفان ، وتبرع معتمديان ( بالزقازيق) بنفس المبلغ. كما قامت " اللجنة القومية لمساعدة منكوبي زلزال شيراج " بإرسال مبلغ 115288.50 قرش من أجل مساعدة المنكوبين والمتضررين إثر الزلزال الذي أصاب أرمينية عام 1926 .
وهكذا ، أسهمت قلة طاشناقية هامشية في هذه الحملات التبرعية بمبالغ رمزية . وهنا ،سلكوا  مسلكا صوريا مراوغا حتي لا يبدو أنهم منعزلون فقد أعلنوا انه علي الرغم من أن فلسفتهم تتضارب مع حكومة أرمينية ، إلا انه يجب تقديم أياد العون بشتي صورها من أجل إعادة بناء البلاد.
أما بخصوص العودة إلي الوطن ثانية ، فقد عزف الطاشناق علي وتيرة الترغيب والترهيب في آن واحد. فبينما دعا الحزب إلي فتح الباب أمام العائدين إلي الوطن ، قام في اللحظة ذاتها بوضع العراقيل أمامهم. وفي هذا الصدد، كتبت هوسابير ما يلي: " أعلنت أرمينية عن ترحابها بالعائدين، وهي واثقة أن أرمن المهجر لن يجدوا فيها أياد العون والمساعدة التي تكفل عودتهم ، ولذا ، لا يجب إعطاء أهمية كبيرة لمسائل العائدين.
وفي 22 ديسمبر 1927 ، سحبت عصبة الأمم موافقتها علي إعادة توطين "50000) أرمني من المهجر في أرمينية السوفيتية. ويرجع ذلك إلي تصاعد الموجة العدائية ضد السوفيت داخل العصبة. ولكن أرمينية ردت علي هذا في 10 أغسطس 1931 باتخاذ قرار تشكيل " لجنة إعادة توطين أرمن المهجر"، عندئذ رحب أرمن المهجر بهذا القرار ، ودب النشاط بينهم عبر حملات تدعو الأرمن للعودة إلي الوطن الأم.
هنا ، لم يستطع الطاشناق الوقوف بوجه سافر ضد هذا النشاط الأرمني المهجري المتزايد في ميدان العودة. ولكنه لجأ إلي أسلوبه في الترغيب ب" تشجيع العودة" والترهيب ب" توصيف المآسي" التي تلم بالشعب وتؤلمه داخل أرمينية .
وفعلا ، نجح الطاشناق بهذا الأسلوب المراوغ في وضع العقبات أمام أرمن مصر الراغبين في العودة إلي وطنهم الأم. ولئن أخفق الطاشناق كليا في ضرب المساعدات الأرمنية المهجرية إلي أرمينية السوفيتية ونجح جزئيا في عرقلة حركة العودة إليها، إلا أنه ظل يسعي حثيثا لمناهضة النظام الأرمني السوفيتي مستغلا ظروف أرمن المهجر القاسية. فقد استأصل مؤتمر لوزان (1923) قضية أرمينية العثمانية ( الغربية)، ومن ثم أكد تشريد بقية أرمنها في الشتات . عندئذ ، طرحت الأحزاب الأرمنية فكرة عقد مؤتمر شامل يضم كافة أرمن المهجر لمناقشة مصيرهم.
من المنظور الرامجافاري، برمي هذا المؤتمر الشامل إلي ضرورة إيجاد لجنة مكونة من كل زعماء الأحزاب تتولي مسئولية إعانة الأرمن الأيتام الذين بلغت أعدادهم بالآلاف عن طريق إعادة توطينهم في أرمينية . ناهيك عن رفع مستوي معيشة الشعب هناك وتأمين حياته.
أما الرؤية الطاشناقية لهذا المؤتمر ، فقد كانت تبغي من ورائه تحقيق هدف آخر مختلف مؤداه" تنظيم أرمن المهجر في وحدة سياسية واحدة لمقاومة أرمينية السوفيتية ". ففي منتصف يناير 1924 كتبت هوسابير أن نيجول أغباليان- أحد زعامات حزب الطاشناق- قد صرح في القاعة الأرمنية بالقاهرة بما يلي:" يجب علي أرمن الشتات أن يشكلوا تنظيما عاليا ذا تفريعات موازية، ويشكلوا أجهزة علي مستوي المراكز والدوائر. وتتحد هذه الأجهزة في إطار مجلس مركزي وفقا لدستور معين ، وأن تكون نوعا ما من الدولة المعنوية، ودولة في المنفي بتشكيلات حكومية ، وبإجراءات قانونية دولية وأرمينية. ويكون هذا المجلس أعلي جهاز لأرمن الشتات... ويتولي الأنشطة القومية والثقافية والاقتصادية للدولة ، ويقوم بدور الوسيط بين الأرمن وحكومة البلد المضيف وحكومتهم المعنوية. وسوف ينطوي كل مهجر علي نفسه في الدائرة التي يعيش في رحابها... ويجب أن تعترف عصبة الأمم بهذا التنظيم".
وهكذا ، أراد الطاشناقيون تعبئة أرمن المهجر في هيكل سياسي عبارة عن أرمينية الخارجية في المنفي بغية استخدامها أداة صراع ضد أرمينية السوفيتية
 واقترح مفكرو الطاشناق استبدال دور الوطن ب" القومية التي تحشد حولها كل هؤلاء الذين يملكون شعورا بالانتماء القومي " ؛ لأن الوطن ليس هو الذي سيكون " قاعدة لأي تكوين جمعي والحفاظ علي كيانه الشرعي". أكثر من هذا ، دعا هؤلاء المفكرون أرمن المهجر إلي ممارسة واجباتهم إزاء الدول المضيفة دون إعطاء أي بعد أرمني أو رابطة بمصير أرمينية وتحويله صوب الدولة المعنوية المزمع إنشائها بين أرمن الشتات.
وجدير بالذكر أن الطاشناق قد تطلع متفائلا إلي ضم حزب الرامجافار والهنشاك في الصراع الذي يخوضه ضد أرمينية. ويرجع هذا إلي الرؤية الطاشناقية الخاطئة للقوي السياسية الأرمنية العاملة في محيط المهجر الأرمني.إذ طبقا لهذه الرؤية ، فإن الرامجافار والهنشاك " قوي غير واضحة المعالم"، ضعيفة غير منظمة ". ويتأرجحون تارة بين ضرب أسافين في سفينة الطاشناق ، وتارة أخري يتحولون إلي عبيد لكافة التيارات.
وبناء علي هذا ،تخيل الطاشناق أن يحشد كل هذه القوي تحت مظلته في خدمة أهدافه المعادية للسوفيت. بيد أن هذا لم يحدث، فقد توقع الرامجافار ما هو مستتر خلف المؤتمر الشامل المرتقب لأرمن المهجر، ولهذا ، انسحب من الاشتراك فيه وتبعه الهنشاك.
وبذلك، فشل الطاشناق في تجميع أرمن المهجر في كيان سياسي خاص لمناوأة أرمينية السوفيتية
ورغم هذا الفشل ، لم يتخل حزب الطاشناق عن فكرة تجميع أرمن المهجر في إطار سياسي موحد لمجابهة أرمينية السوفيتية. ولذا ، التف لتحقيق غرضه من سبيل آخر عندما طرح مشروع " ائتلاف الأحزاب السياسية الأرمنية". ويعد هذا المشروع، من التناقضات الحزبية أو تخفيفها. وجدير بالذكر أن هذه السياسة الجديدة نجمت عن إفلاس الخط السياسي الطاشناق بدرجة دعت إلي القول بان "كفاحنا لم يحقق أية نتيجة تقريبا".
نالت محاولة التعاون بين الأحزاب الأرمنية التي طرحها الطاشناق موافقة الأغلبية في اجتماع الجمعية العمومية لحزب الرامجافار في أوائل عام 1931 . ووضع الرامجافار حيثيات التعاون مشروطة بالموافقة علي المبادئ التالية:" حيث إن أرمينية السوفيتية لها وجود حقيقي وقانوني، وحيث إن العلاقات الاتحادية التي تربطها بروسيا السوفيتية توفر للمليون أرمني الذين يعيشون في الوطن الأم الدفاع والأمن ضد الاعتداءات الداخلية والخارجية، وحيث إن النظم الحالية- رغم أنها تستحق النقد في بعض المجالات- تسمج بان تحافظ أرمينية علي استقلالها الإداري الداخلي ، فضلا عن تنميتها ، وحيث إن بإمكان عوامل خارجية أن تغرق شعبا في الدماء كان قد تحرر بالكاد ، لهذا ، لزاما علي أرمن المهجر بكل تياراتهم أن يتخذوا موقفا مخلصا وغير متحفظ مطلقا تجاه أرمينية"
رفض الطاشناق التوقيع علي هذه الحيثيات ، ومن ثم لم تتغير سياسته ناحية أرمينية السوفيتية. ولذلك ظل الرامجافار يشكك دوما في النوايا الطاشناقية بخصوص الجلوس مع الأحزاب الأخرى علي مائدة واحدة . وخشي الرامجافار أن يلقي بنفسه في التهلكة بتعاونه مع الطاشناق.
لذا ، ألغي الرامجافار في أواخر عام 1931 فكرة تعاونه مع الطاشناق فيما يتعلق بمشروع الائتلاف الحزبي. ولكن المباحثات عادت مرة أخري عام 1934 بين الحزبين بمبادرة من الطاشناق في أعقاب انعقاد جمعيته العمومية. رحب الرامجافار بهذه المبادرة. وفي هذه الجولة ، اعترف الطرفان بالنظام السوفيتي في أرمينية بوصفه حجر الزاوية ونقطة الانطلاق إلي حلول مناسبة نحو مصير الشعب الأرمني. واتفق الجانبان علي ألا تحاول أية جهة من المشتركين العمل علي قلب النظام في أرمينية أو التخطيط لإثارة القلاقل ، كما اتفقا علي العزوف عن المحاولات الرامية إلي تدمير النظام في الاتحاد السوفيتي لكون أمن أرمينية يتعلق به.
علاوة علي ذلك ، فقد اتفق الجميع بألا تكون الكنيسة الأرمنية والمجالس الملية موضوعات لجدل والخلاف فيما بينهم ، فضلا عن الاعتراف ب"إيتشميادزين" مركزا روحيا وعدم مهاجمة مؤسساتها. ولكن لم يمض وقت كاف كي يجف فيه الحبر المكتوب به هذه الاتفاقية، حتي ذهب مبعوث طاشناقي إلي القدس في محاولة لإقناع البطريرك توركوم كوشاجيان – مطران مصر سابقا- كي يوافق علي أن يكون بطريرك الشعب الأرمني الأعلى ويعلن نقل المركز الروحي الأرمني من إيتشميادزين إلي القدس ولو مؤقتا. عندئذ، قام البطريرك بزيارة مصر لجس النبض بها ، ولكن ،اتضح له أن هذا الاقتراح مغامرة ومقامرة  ولذا ، رفضه تماما.
وفي ضوء هذه الأفعال ، فسخ حزب الرامجافار في عام 1937 الاتفاق الذي أبرمه مع حزب الطاشناق:" بما أن حزب الطاشناق لا يزال يمارس سياسة عدائية ضد أرمينية السوفيتية .. فإن التعاون معه يعد سدي".
................................................................
ولم يقف العداء الطاشناقي لأرمينية عند هذا الحد فحسب، بل تخطاه إلي ضرب المؤسسات العاملة في مصر لصالحها لا سيما " جمعية مساعدة أرمينية" (هوج) التي تأسست في يريفان عام 1921 وشكلت لها فروعا في مراكز التجمع الأرمني بالاتحاد السوفيتي والمهجر الأرمني بما في ذلك مصر. وكانت هذه الجمعية تنظيما عاما جمع بين ثناياه أعضاء من مختلف الانتماءات السياسية والحزبية. وانحصرت مهمتها الأساسية في الإعلام عن النهضة الاقتصادية والثقافية لأرمينية السوفيتية ، بهدف مساعدة حكومتها في إعادة البناء وتنظيم العودة إليها.
تأسس فرع (هوج) المصري في 28 فبراير 1926 بالقاهرة علي أيدي عشرة شباب من الأرمن المحبين لوطنهم والمولعين بفكرة إشراك الأرمن المصريين في بناء بلدهم الأم "شديد الصغر الذي يولد من جديد". كما أسست هوج فرعا لها في الإسكندرية. وفي هذا كتبت جريدة "آراكس" مايلي:" سوف يشترك جميع أرمن مصر في هذا العمل ، لأنه لا يعترف بتفرقة أيديولوجية أو حتي احتكار حزبي. ويعد هذا العمل هو الشيء الواقعي الوحيد الذي يجب علي أرمن المهجر أداؤه بحب وتفان".
بيد أن توقيت ميلاد هوج المصرية لم يتح لها فرصة النمو والتطور. فحينذاك، كانت الحكومة المصرية تحكم قبضتها علي النشاط الشيوعي في مصر، باعتبار انه لا علاقة له بالشعب المصري الأصيل وانه دخيل من الخارج.
ولهذا، تعقبت الحكومة أبواق هذا النشاط لا سيما الأجانب من اليونانيين والإيطاليين والنمسويين والروس واليهود والأرمن. وبخصوص الأرمن ، أعدت وزارة الداخلية خططا لمحاصرة " نشر البلشفية في دائرة المهجر الأرمني". وكان البوليس المصري يستدعي من حين لآخر بعض القيادات الأرمنية ويحقق معهم. كما أثارت بعض الصحف المصرية الشبهات " الشيوعية" حول الأرمن بدرجة دفعت جريدة "أريف" إلي الشكوى بقولها :" ننتظر من معالي وزير الداخلية أن يوضح ببلاغ رسمي اللغط حول الأرمن وإسكات تلك العناصر التي تستغل الفرصة وتبذر الكراهية بين الشعوب المسالمة".
ورغم هذا ، ظلت الداخلية المصرية تكافح ضد انتشار البلشفية في دوائر العمال الأرمن المصريين بين عامي 1928-1932 . وتوالت الأخبار تباعا علي صفحات الجرائد عن الأرمن المطرودين من القطر المصري أو المحكوم عليهم بالسجن أو المحبوسين بتهمة الاشتراك في الحركة الشيوعية ، أو أنهم دعاة بلشفيك علي علاقة بموسكو.
في هذا المناخ ، استغل حزب الطاشناق الموجة المتصاعدة ضد النشاط الشيوعي في مصر، والتي شملت الأرمن ، وأوشي في عام 1934 لدي الحكومة بان "هوج" منظمة شيوعية وأعضاءها عملاء للاتحاد السوفيتي ، وأن نشاطها لمساعدة أرمينية السوفيتية ليس إلا حجة لخدمة أهداف الدعاية الشيوعية.
قلبت هذه الوشاية أوضاع أرمن مصر رأسا علي عقب منذ 10 ديسمبر 1934 حتي 17 يناير 1935 . فقد أجري البوليس تحقيقات مع أعضاء هوج وأنصارها ، فضلا عن تفتيش منازلهم ومحالهم  واعتقل البوليس ممثلي هوج العشرة وحجزهم في سجن الحضرة بالإسكندرية.
لم يقف الأرمن مكتوفي الأيدي ، بل انبروا يدافعون عن أبنائهم المعتقلين . فقد أحاطت أسرهم وذويهم ومؤيديهم المطرانية الأرمنية القاهرية وأجبروا مجلسها الملي أن يخرج عن سلبيته ، ويتباحث في وضع ضحايا الوشاية ويدافع عنهم.
وفعلا ، سافر النائب المطراني مامبريه سيرونيان في أوائل عام 1935 إلي الإسكندرية لدراسة الوضع علي أرض الواقع واتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة بشان المتهمين.
وجدير بالذكر أن الصحافة الأجنبية الصادرة بالإسكندرية قد انتقدت الاعتقالات الأرمنية وأدانت الوشاة بشدة ، ووصفت المعتقلين بأنهم ضحايا لمواطنيهم، وان الاتهامات الموجهة إليهم باطلة. ففي 3 يناير 1935 ، كتبت " لارفورم" في افتتاحيتها " إن بعض الشباب الأرمني الذين وصفهم أبناء جلدتهم بالشيوعية يستحقون العدالة من الحكومة ويطلبون محاكمة الجواسيس الطاشناق".
أما جريدة "لابورص إيجبسيان" فقد كتبت في 5 يناير 1935 تحت عنوان " حب أرمينية تهمة" تدافع عن الجالية الأرمنية في مصر وتدين الوشاة فيها قائلة :" إن نقاء سمعة الجالية الأرمنية وصراطها السياسي المستقيم وولاءها ليسوا في حاجة إلي برهان"
لم تتردد جريدة هوسابير الطاشناقية في الهجوم علي هذه الصحف المدافعة عن الأرمن وهجاء محرريها بشكل سافر. كتبت هوسابير:" تقوم الصحافة الأجنبية بحملة كريهة وغير شريفة. فقد نشرت عدة صحف فرنسية خلال  الأسبوع الماضي بعض المقالات الموجهة. فهل أصحاب هذه الصحف عملاء واعين أم أنهم ضحايا سذج غير شرفاء؟ . لا نعرف . ولكن علي أية حال، يجب هز ياقاتهم" أكثر من هذا ، بينما كانت الجالية الأرمنية منهمكة بحرارة في الدفاع عن معتقليها ، كانت هوسابير تشمت فيهم بقولها :" لازال المعتقلون بالسجن بعد مرور شهر من القبض عليهم، وتعرضوا للمساءلة العنيفة ، ولا زالوا يتعرضون لهذه المساءلة التي ينهار أمامها أقوي الشخصيات وأشد الأبرياء والمتشبثين بأقوالهم"
ورغم أن البوليس قد استخدم وسائل عنيفة ضد الأرمن المعتقلين ، إلا أنه لم يستطع إثبات تهمة خيانة الدولة عليهم. ومن ثم، أصدر القضاء حكما ببراءتهم وأفرجت عنهم السلطات الأمنية، لان الاتهامات لم تستند علي أدلة قاطعة.
بيد أن " وشاية هوج" لم تكن سوي حلقة في السلسلة الطاشناقية لإيذاء أرمينية السوفيتية ومؤيديها، أو بالأحرى مناهضة النظام السوفيتي عموما. ولذا، كان الطاشناقيون  ويداعبهم حلم العودة إلي قمة السلطة المطرودين منها في أرمينية يتصرفون حسبما تقرره سياسة الساعة الموجهة ضد السوفيت ، ويسيرون في ركاب القوة الأكثر عداء للشيوعية.
فعلي سبيل المثال، عندما قطعت بريطانيا علاقتها السياسية مع الاتحاد السوفيتي ، ضاعف الطاشناق جهوده لزرع الكراهية نحو السوفيت وزرع آمال واسعة للمطالبة بأرمينية مستقلة موحدة . وإبان تألق نجم هتلر علي المسرح السياسي وعدائه للسوفيت ، عمد الطاشناق أن يظهر بصفته تيار سياسي مناوئ للسوفيت، وأنه يقدس العلم الألماني ويعشق الجنس الآري.
 
 
وهكذا ، يلاحظ أن حزب الطاشناق قد اتخذ حتي نهاية الحرب العالمية الثانية توجها بريطانيا فألمانيا لمساندته في عدائه للنظام السوفيتي ورغبته في السيطرة علي أرمن المهجر وأمنيته في تحقيق حلم العودة إلي أريكة الحكم الأرمني .
هذا ، وقد أدت انتصارات الجيش الأحمر السوفيتي في الحرب العالمية الثانية إلي انتعاش المساعي الحميدة في دوائر المهجر الأرمني لمساعدة وطنهم الأم . ففي مصر ، قام الأرمن بحملة تبرعات لإرسال عدد من دبابات " صف ساسونتي دافيت" إلي أرمينية ، وقد لاقت هذه الحملة نجاحا باهرا ، لأن أرمن مصر فسروا انتصارات الاتحاد السوفيتي بأنها تعني استقرار واستمرار وجود أرمينية.
ليس هذا فحسب، فقد اتحدت كل المنظمات الموالية لأرمينية السوفيتية داخل الجالية الأرمنية المصرية في صف واحد مكونين جبهة واحدة عرفت ب" المجلس الوطني الأرمني" الذي رفع شعار التصالح والمشاركة والقيام بمجهود جماعي من أجل مصالح الشعب الأرمني.
..............................................................................
تأسس المجلس الوطني بالقاهرة في أكتوبر 1945  بمبادرة من جمعية أصدقاء أرمينية السوفيتية تحت رئاسة فنان الكاريكاتور ألكسندر صاروخان. وقد تأسس بالإسكندرية في 12 ديسمبر 1945 تحت رئاسة المحامي إستيبان شاهباز . وجدير بالذكر أن دوائر حزبي الرامجافار والهنشاك وجمعيتي سيفان ويريفان الثقافيتين ونادي ديكران يرجات قد أيدوا جميعا المجلس الوطني .أما الطاشناق فلم ينضم إليه ولم يؤيده . ولإنجاح العمل المشترك، انضم المجلسان في إدارة مركزية مشتركة سميت ب" المجلس الوطني لأرمن مصر " برئاسة شاهباز.
حدد المجلس الوطني أهدافه فيما يلي:
أولا : مطالبة تركيا بإعادة الولايات الأرمنية التي اغتصبتها بموجب معاهدة لوزان 1923 إلي أرمينية السوفيتية، وهي الولايات المذكورة في سيفر 1920 ، ودفع التعويضات اللازمة للأرمن.
ثانيا : تشجيع عودة أرمن المهجر إلي وطنهم الأم وتقديم كافة التسهيلات إليهم.
ثالثا: تسليم متابعة القضية الأرمنية إلي أرمينية السوفيتية، والتي بدورها ستخول الاتحاد السوفيتي بالأصالة عنها في متابعتها.
رابعا : توطيد الروابط الثقافية والقومية مع الوطن الأم..أي أرمينية السوفيتية.
بادر المجلس الوطني في عام 1946 بإرسال مذكرة إلي هيئة الأمم المتحدة في جلستها الافتتاحية ووجه إليها نداء للنظر في حقوق الشعب الأرمني الشرعية وإعادة أراضيه المغتصبة. كما أرسل المجلس عدة مذكرات وتظلمات واحتجاجات وكتب عدة مقالات موجهة إلي الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من اجل القضية الأرمنية.
ورغم أن هذه الأعمال جميعا لم تسفر عن أية ردود أفعال ، إلا أن  النجاح الأكبر والأهم، للمجلس تمثل في تنظيم عمليات إعادة الكثير من أرمن المهجر المصري إلي وطنهم الأم. فقد خولت أرمينية للمجلس الوطني بهذه المهمة الوطنية .ولذا ، شكل المجلس بالإسكندرية لجنة إعادة أرمن مصر إلي أوطانهم التي قدمت للعائدين إلي الوطن كافة التسهيلات.
نجم عن جهود هذه اللجنة تصفير أول فوج (1680 نسمة) من الأرمن المصريين العائدين إلي الوطن في جو مفعم بالشعور الوطني والبهجة العارمة في 4 سبتمبر 1947 علي متن السفينة "بوبيدا". وبهذه المناسبة ، أبرق المجلس الوطني رسالة باسم العائدين إلي رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا(9 ديسمبر 1946-28 ديسمبر 1948) جاء فيها ما يلي:" نكن للحكومة المصرية ولكم وافر الحب بمناسبة مغادرة وطننا الثاني مصر إلي وطننا الأم.. لقد تمتعنا بكامل حقوقنا المدنية وبالأمن أثناء وجودنا في مصر ، ونأمل بأن تتوج قضايا مصر وآمالكم بالنجاح"، أما الفوج الثاني والأخير (2018 نسمة) ، فقد تأخر مغادرته إلي 22 أغسطس 1948 بسبب تفشي الكوليرا في مصر.
هنا أيضا ، لم يفلت المجلس الوطني لأرمن مصر من لدغات الطاشناق. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية وقيام " الحرب الباردة" ضد الكتلة الاشتراكية ، خرج الطاشناق من جمعيته العمومية المنعقدة بالقاهرة في عام 1947 ب" توجه أمريكي" وانحاز إلي الغرب الديمقراطي المضاد للسوفيت.
وغدت بؤرة الأحكام السياسية الطاشناقية هي القضاء علي البلشفية ، وكانوا يكتبون بما يعبر عن مكنوناتهم:" إذا دمرت البلشفية..." ، " عندما تدمر..." ، " بعد ان يتم تدميرها ..".
وفي ظل هذه الظروف، وصفت  صحافة الطاشناق جميع المؤسسات المتعاطفة مع أرمينية السوفيتية ب " العميل الأحمر" لا سيما أعضاء حزب الرامجافار "أقنان البلشفية والبلاشفة". وهكذا ، قرر نشطاء الطاشناق في كنف الحماية الأمريكية اجتثاث الماركسية من جذورها في محيط الحياة الأرمنية بالشتات.
في ضوء هذه المتغيرات ، نشط الطاشناق ليس ضد أرمينية السوفيتية فحسب، بل أيضا ضد الراغبين في العودة إليها من أرمن مصر، وأعلن بلا تردد أن " وطننا ليس مستقلا ، وان العودة إليه لا تسبب إلا الأضرار، وأن الشعب هناك وشيك الاندثار" ورغم استخفاف الطاشناق بوطنية أرمن مصر ووعيهم السياسي إزاء وطنهم الأم،إلا أن الجالية الأرمنية كلها ، وبلا تفرقة حزبية أو مذهبية ، انهمكت تعمل في هدوء وحماس من أجل العودة إلي الوطن. وغدا الطاشناق مجرد شلة معزولة في هذا الوسط المتحمس للوطن.
وعندما فشل الطاشناق في تدمير المشاعر الوطنية للجالية الأرمنية ، لجأ إلي إرهاب الجالية باستخدام سلاحه التقليدي:إلصاق صفة الشيوعية بأية نشاطات لصالح أرمينية السوفيتية . فقد اتهم الطاشناق العناصر الموالية لأرمينية ، بل الجالية بأكملها ب" الشيوعية" ، حتي تقف الحكومة المصرية حائلا دون تنفيذ النشاط ذي التوجه إلي أرمينية.
والحقيقة أنه منذ إخفاق وشاية هوج في عام 1935 ، لم يكتف  الطاشناق عن إرسال تقارير وإخباريات إلي الحكومة المصرية ع وجود عناصر شيوعية في الجالية الأرمنية.أكثر من هذا، وصفت جريدة هوسابير الموالين لأرمينية بطابورنا الخامس ، وان جميع من سجلوا أسماءهم للعودة إلي أرمينية "ليسوا إلا جواسيس لروسيا، وأنهم ينشغلون بالسياسة الداخلية لمصر . وبالطبل والزمر يطوفون من حي إلي آخر ومن مدينة إلي أخري ويعلنون بان البلاد التي يعيشون فيها (مصر) عبارة عن جهنم".
وهكذا ، كان الطاشناق يرمي إلي إفشال حركة العودة إلي أرمينية السوفيتية وعرقلة المؤسسات العاملة في مصر لهذا الغرض عن طريق لفت أنظار الحكومة المصرية إلي الخيانة الجماعية من الطابور الخامس ؛ غالبية أبناء الجالية الأرمنية في مصر.
وغم ان الحكومة المصرية كانت متأكدة من أن أغلبية أرمن مصر يراودهم حلم العودة إلي الوطن ولا يتدخلون في شئونها الداخلية ويكنون لمصر منتهي الجميل ، إلا أنها وقعت في فخ افتراءات الطاشناق ضد الجالية الأرمنية. ومرة أخري وسع البوليس رقعة مطاردة المؤسسات الموالية لأرمينية السوفيتية .فألغي المجلس الوطني لأرمن مصر، وانحلت جمعيتا يريفان بالقاهرة وسيفان بالإسكندرية، وقبض البوليس علي رؤساء هاتين الجمعيتين بتهمة الدعاية للشيوعية.
ورحلت الحكومة بعض الأرمن بتهمة التورط في أعمال ضد الدولة المصرية، كما اعتقل البوليس العديد من الأرمن الشيوعيين ، ولكن القضاء المصري برأ ساحتهم من التورط ضد مصلحة الدولة مقابل غرامات مالية.
هكذا ، نجح حزب الطاشناق في وأد المؤسسات الأرمنية التي تأسست في مصر بعد الحرب العالمية الثانية للعمل من أجل أرمينية السوفيتية بفضل تدخل الحكومة المصرية ضدهم إثر وشاية الحزب بهم.
واستؤنف الصراع الدموي المتعلق بمسألة إغلاق المدارس أو فتحها يوم 29 نوفمبر؛ يوم دخول القوات البلشفية أرمينية. وحذر حزب الطشناق قرينه الرامجافاري بإيقاف تعاونه مع التيارات الموالية لأرمينية السوفيتية حتي لا تحترق أصابعه؛أي اتهامه لدي الحكومة بمزاولة نشاط شيوعي ، بيد أن أنصار الرامجافار ردوا عليه بان الأيادي المأجورة يجب أن تخترق هذه المرة.
وعلي هذا المنوال يمضي قطار الواقع السياسي الأرمني في المهجر المصري نحو أرمينية السوفيتية بين الموالين إليها والمناهضين لها حتي حدث التقارب المصري السوفيتي رسميا إبان ستينيات القرن العشرين، عندئذ انحسرت موجة العداء الطاشناقي نسبيا ضد أرمينيا السوفيتية.
وهكذا ، يلاحظ مما سبق ، أن الخط السياسي لحزب الرامجافار الليبرالي قد سار علي درب تأييد النظام السوفيتي في أرمينية من أجل إرساء أسس ثابتة لتنمية الوطن الأم رغم أنه حزب غير اشتراكي إطلاقا.
أما حزب الطاشناق المطرود من دائرة الحكم بأرمينية ، فقد انتهج مسلكا عدائيا ضد النظام السوفيتي بالبلاد. ولذا ، دار الحزب دوما في فلك القوة الأكثر عداء للسوفيت بغية تحقيق مآربه الحزبية: هاجس توحيد أرمن المهجر في كيان مضاد لأرمينية السوفيتية ، وحلم العودة إلي كرسي الحكم هناك.
ورغم أن المناصرين لأرمينية السوفيتية قد نجحوا في إقامة جدار منيع أمام طموحات الطاشناق إلا أن الأخير في المقابل عرقل مساعي مؤيدي الوطن واستغل توجه الدوائر المصرية الحاكمة ضد الشيوعية في تصفية الحسابات مع خصومه السياسيين.
وجدير بالذكر أن الموقف من أرمينية السوفيتية لم يكن المظهر الوحيد للصراع الحزبي الأرمني في المهجر المصري، بل تجسد هذا الصراع بشدة وحدة في انتخابات المجلس الملي الأرمني في مصر .

عطا درغام
Admin

عدد المساهمات : 839
تاريخ التسجيل : 24/04/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى